الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية / افكار / ألعراق؛ بلد آلأخيار أم آلأشرار؟- عزيز الخزرجي

ألعراق؛ بلد آلأخيار أم آلأشرار؟- عزيز الخزرجي

تحياتي و أمنياتي للأعزاء خصوصاً الغرباء عن أوطانهم أو في أوطانهم, و الذين يكتوون بالمحاصصة و الفساد و الظلم و الطبقية فيها ..  أما بعد:
لقد علّقتُ على رابط الصّور الذي أرسلهُ الصديق (حسن هادي) عبر شبكة التواصل حول بغداد القديمة .. ضمّت ذكريات مفرحة و محزنة حتى نهاية الحكم الملكي, تطغى عليها البراءة و البساطة, فله الشكر أولاً, و إليكم التعليق الهادف الذي كتبتهُ من الصّميم ثانياً:
لعلّهُ من آلصّحيح جدّاً؛ وجود (الأخيار و آلأشرار) في كلّ أمّةٍ و قومٍ و جماعةٍ و حتى عائلة صغيرة؛
و لعلهُ من آلصّحيح أيضا؛ بأنَّ العراقيين كانوا يعيشون البساطة و القناعة و المحبّة و الطيبة لبعض الحدود في حياتهم السّالفة, خصوصاً بعد تشكيل الدّولة العراقية عقب إنتهاء الحكم العثمانيّ التعسفي الصّلف لتحكّمهم بآلناس باسم الدّين و تشكيل الحكم الملكي عام 1922م!
لكن الذي نعنيه بشكل خاص هو الخط العام (الأغلبية) يتقدمهم الوجهاء و الشيوخ و المسؤوليين في البلد, تلك هي مشكلة ألعراق – و أكثر دول العالم – ألمُعقدة و الحقيقية .. حيث بدأت مع بداية نشأة الأحزاب الأمميّة و القومية و الوطنية ثمّ الدّينية ألأسلاميّة السياسيّة أخيراً في أواسط القرن الماضي, بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية و ستستمرّ حتى ظهور المصلح الكبير لتغيير الوضع بحسب الوعد الألهي, لذلك و بسبب فساد الحاكمين الذين عادة ما يقتلون و يُشرّدون و يضيقون العيش و الحقوق على الذي يُخالفهم و ينتقدهم؛ تبدّلت الأمور و تغييرت الأوضاع كثيراً, و بدأ العدّ التنازلي للعراق و العراقيين و آلخراب و النهب و الفساد ينتشر على كلّ صعيد, و تفاقم ذلك بعد تدخل القوى العظمى كإنكلترا و أمريكا لدفع الحكومات إلى إعلان الحروب الدّموية الداخلية و الخارجية مع الشعب تارة و مع الجيران تارة أخرى و إنتشر الفقر و الأرهاب و الظلم و القتل و الأعدامات و الأميّة المدرسيّة .. بجانب الأميّة الفكريّة بشكل خاصّ بسبب صرف الأموال لشراء الأسلحة و المعدات!
و أخيراً حلّت نقمة المحاصصة (القانونية) ألبرلمانية بعد إستلام الأحزاب للحكم لنهب أموال الفقراء و اليتامى لملأ جيوب المتحاصصين على حساب العراق و العراقيين الذين معظمهم و بسبب الحكومات السابقة و بعدهم عن دين الله؛ عاشوا الفقر و الأملاق و العقد و العوق النفسي و البدني لعقود و قرون!
و المشكلة الرئيسية التي رافقت جميع تلك المحن في العراق:
هي أنّ الأعضاء و القواعد الحزبيّة المنتمية للأحزاب ألسياسيّة ألأمميّة و القومية و الوطنية و الدّينية .. إنّما سعوا و جاهدوا و ناضلوا و ما زالوا لجلب الرئاسة و المال إلى رؤسائهم و شيوخهم للحالة الصّنميّة التي أصيبوا بها بسبب فقدانهم الوعي و إيمانهم بغباء مُقدّس و إفراط مستمر بآلعبودية لغير الله تعالى و ما زالوا يُؤمنون بذلك النهج الحزبيّ التعسفي الظالم الذي لو إنتقدته أو عارضته أو كتبت مقالاً أو موقفاً مخالفاً؛ فمصيرك هو المقاطعة و السّجن و المتابعة و المعاقبة أو على آلأقل قطع الراتب و الأضطرار إلى اللجوء لبلاد الغربة أو ربما الأغتيال و القتل العمد, لذلك قلتُ:

[إنّما هذه الأحزاب تسعى .. لجلب المال إلى آلرؤوساء],

كما بيّنتُ في قصيدة أخرى جهل الحاكمين و الأمية الفكرية و الفساد المبرمج لهم بآلقول:

إنّي من آلبـــــلد ألّذي .. مأســــاتهُ فوق إحتمـالي

بلدٌ رؤى الأنسان فيه .. أرخص من شسع النّعال

ما للشّـريف بأرضــهِ .. غير المذلّــــة و آلحبال.

فكيف يمكن في بلد المآسي و الظلم و النهب من قبل الحاكمين المتحاصصين؛ أن يكون الناس فيه أخياراً؟

بصراحة أكثر؛ بتُّ بعد سفك كلّ تلك الدّماء الشريفة و الرهاب الناعم و العنيف و الحروب و المظالم و القتل و الأعدامات الحكومية و الحزبية و التحاصصية و هدر كرامة الأنسان؛ لا أؤمن بعراقٍ يحكمهُ المُتحاصصون للمال العام الحرام بإسم الوطن و الدّين و الأنسانيّة و حتى باسم الشهداء السابقين .. و الشهداء براء منهم دنيا و آخرة .. و كما كان البعث الصداميّ الذي حاصص أموال العراق لعشيرته و مقربيّه و للعربان و غيرهم يتبجّح بذلك و بآلنضال ضد المنحرفين, و هم في الحقيقة هم الفاسدون الذين نهبوا و ينهبون المال العام و يعممون الجّهل و الفساد و بآلتالي تشريد الأخيار المفكريين كـ(عزيز) و من مثله إن وجد في هذا العالم الغريب المضطرب القاسي الظالم الأنانيّ المنافق .. و آلذي سبّب .. حتى قتل المخلصين المثقفين كـ (هادي المهدي) و أمثاله من العصاميين!
علماً أن أنظمة العراق التأريخية سبقت ما أشرنا له من مظالم عبر قتل العلماء العظام و الأئمة الأطهار كعلي بن أبي طالب صوت و سيد العدالة الأنسانية كما يقول (جورج جورداق) و إبناه الأمام الحسن و الحسين(عليهم السلام) و أبنائهم و أحفادهم و عوائلهم و ذويهم و أصحابهم بلا رحمة و شفقة أو ضمير .. كلّ ذلك لأجل المحاصصة في الحكم و إدامة التسلط لتقسيم الثروة, و كأن فلسفة الحكم هي الفوز بآلسلطة لاجل الغنيمة و المال المحاصصيّ!؟
و حين يموت ضمير الأمّة و تُسلب إرادته بسبب سياسات الحاكمين و الوعود الكاذبة من رؤوساء الأحزاب؛ فلا تتوقع غير الشّر و الفساد و الأرهاب و آلمحن و تسلّط الأجانب الذين يُعيّنون العملاء في نهاية المطاف لأخضاع و رهن البلاد و العباد للدّيون الملياريّة حتى ظهور الأمام المهدي(ع) الذي سوف يظهر .. لكنه لا يرى غير شعوب عاجزة مستكينة فاقدة للحياء مع بضع مئات من الحكام و الرؤوساء الظالمين و من حولهم بضع آلاف من النفعيين الذين يقتصّ منهم و من علماء دين فاسدين تسلطوا على الناس بآلخداع من دون محاربة أؤلئك الرؤوساء المستكبرين الفاسدين بدعوى التقية.
و مشكلتي الخاصّة التي تؤذيني و تحزّ في نفسي أكثر؛ هي أنّني و رغم تعرّضي للأغتيال و القتل عدّة مرات؛ لا أستطيع خرق أوساط الجّهالة و آلشّر – حتى بين المتعلمين أكاديمياً .. لفقدانهم إلى الفكر الأصيل و المنطق الرّصين و النزاهة في العلم و الفلسفة و الفكر و البحث!

و هل هناك شيئ أصعب و أكثر ألماً على مُفكّرٍ كونيّ يعيشُ وسط آلجّهلاء و المنافقين و الكاذبين و الظالمين ألّذين يجهلون قدره و علمه و كلماته و كتاباته و مؤلفاته الكونيّة التي ملأت الدّنيا و بعدة لغات!؟
كما لستُ في الجانب الآخر .. مرتاحاً أيضاً في بلاد الهجرة و الغربة هنا .. لأبتلاء أممها بآلأميّة الفكريّة و الحقوقيّة ألطّبيعية أيضاً مع فارق واحد, هو تطورهم في الجانب العلمي من دون الرّوحي و الأخلاقي و الأجتماعي؛ و بآلمقابل إفتقاد شعوبنا للعلم و آلأخلاق و الصّدق في بلادنا! لذلك رأينا عندهم نظام عادل نسبيّ شكليّ مُؤطر بقانونٍ وضعيّ يتّبعه الجميع بلا إستثناء فإنتظمت حياتهم بشكل من الأشكال .. و هو أهون و أفضل نسبياً بآلقياس مع الفوضى و الظلم الذي عمّ في بلادنا .. رغم وجود الأسلام و المدّعين للأسلام و الدِّين و المرجعيات المتعددة الكثيرة!
لذلك لم أَأْ لفُ هذه الغربة الكونيّة القاتلة كما لم أَأْ لف غربتي داخل وطني (العراق) رغم إنّي عشتها من الولادة و الطفولة كقدرٍ مرسوم لإنقطاعي عن أصل الوجود بلا إختيار على أكثر الظّن, فلو كنتُ مُخيّراً في عالم الذّر من الأزل و كما يشير القرآن لذلك؛ لرفضتُ جملةً و تفصيلا هذه الحياة البائسة التي تحتضن الحسد و الكراهية و الظلم و العذاب و النفاق و آلشقاء و القتل و الحروب, و إنّ الذي جعلني ربّما راضياً بقبول النزول لهذه الحياة من عالم الذّر, هو: وعد (المحبّة و آلتّوحيد) الذي أشار لهما بارئ الخلائق و الذي كان من المُقرّر أن نعيشهما مع بقية الناس في هذه الحياة التي لا تخلوا اليوم إلا من تلكما الهدفين!

و لهذا كنت و لا أزال وحيدأً .. غريباً بين الناس, و حتى عن نفسي التي تحمّلت الكثير من المنافقين!
لتلك المحنة و لكفاحي الفريد و المرير لنشر (المحبّة و آلعشق ضدّ الكراهية و لتوحيد الله في كلّ صغيرة و كبيرة بعيداً عن “التقيّة” التي شاعت و التي فقد معها المدعيين و العلماء حيائهم و حياتهم معاً؛ حتى لم يعد جسميّ النّحيل يتحمّل ثقل تلك الرّوح الكبيرة بين جنبيه, لأنّها ضمّت كلّ المدى في السموات العلا و الأرضين السفلى, فأصابهُ التعب و الجّراح و العطل و الخراب و المرض حتى عجز الأطباء من العلاج!
و أخيراً ليس في العراق فقط .. بل في كلّ بلاد الأرض تقريباً لا يوجد خيراً مطلقاً و لا شرّاً مطلقاً(لا أخيار و لا أشرار), بل قطعان من البشر السائبين الذين إمتلأت وجودهم بالتناقض و الأشكالات و الفجور و النّفاق لوجود (33) صفة سلبيّة خطيرة كغرائز ذاتيّة طبيعيّة في الأنسان ذكرها القرآن الكريم تفصيلاً(1), بحيث واحدة منها تكفي صاحبها لينكَبَّ على وجه في آلنار .. إن لم يسعى في علاجها و إستبدالها بآلتقوى و الورع بدل الفجور و النفاق و الخبث!
و لكن أين الورع و التقوى في “المُدّعيين” خصوصاً الحاكمين و رؤوساء ألأحزاب و عموم الناس التي غرقت في الذنوب و الفساد بسبب الفتاوى التي تصدرها كل يوم بلا فكر و معرفة كاملة بعد ما إمتلأت بطونها بالمال الحرام؟
و آلمشتكى لله أولاً و أخيراً, و لا حول و لا قوة إلا بآلله العليّ العظيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ورد في  القرآن الكريم (33) صفة مشينة و خطيرة وصف الباري طبيعة الأنسان و غرائزه, و قد أوردناها في همسة من همساتنا الكونيّة, يُمكنكم مراجعة ذلك لمن يريد معرفة الحقيقة أكثر.