الرئيسية / افكار / إعتذار لصدّام ..
عزيز حميد الخزرجي

إعتذار لصدّام ..

من مُفارقات ألزّمن .. أنّك تضطر أحياناً مُعاشرة مَنْ ليس فقط لا يستحق؛ بلْ يُحرم حتى السلام عليه لكونه لا يفهم حتى فلسفة السّلام! لكنّ إنسانيّتكَ وحلمكَ الدائم .. كثيراً ما يخونانك ويدفعانك للصّبر و للتضحية بكبريائك أمام أنفق و أخبث وأتفه الناس لجهلهم بمعنى ألسّلام وأصله الذي يعني الكثير وفوق ذلك تضطر أحياناً قياس الأمور بقرائن غير متكافئة و منصفة قد تدخل حيز الظلم و العياذ بآلله .. و كما أشرتُ لذلك في مقال سابق(1)؛ كأن يُقاس (معاوية مع علي)(2) أو (الفيلسوف الكوني مع المنافق), و هكذا .. و لاوّل مرّة أضطررت آسفاً قياس “صدام” اللعين بمن عارضه في الظاهر, حتى تحقق حلم السقوط بقيادة معلهم أمريكا لأبعادٍ ستراتيجيةٍ لم يفهم كنهها للآن أيّ عراقيّ .. أكرّر أيّ عراقي.

إحدى المسؤوليات التي تحمّلتها أيام المعارضة خارج العراق بعد إضطراري ترك قيادة المعارضة في الداخل بسبب المضايقات التي وصلت حتى باب غرفتي في البناية التي سكنتها مختفياً في منطقة الدّهانة مقابل مسجد الحيدري .. المهم أحد أهم و أدق ما تحملت من المسؤوليات بعد مشاركتي في أصدار عدة صحف و مجلات معارضة كآلجهاد و الشهادة؛ هي إشرافنا على النشرة اليوميّة الأخباريّة التي كانت تضمّ مجمل أخبار وسائل الأعلام المرئية و المسموعة خصوصا تلك التي كانت تتعلق بشؤون العراق من خلال إدارتي لفرق عمل كبيرة كانت تضم آلاف المتخصصين منهم ضيوف الجمهورية الأسلامية(الأسرى العراقيين) في 10 معسكرات, و كانت تلك النشرة بدورها أحد مصادري بجانب مصادر أخرى منها مجموعة من العاملين الذين كانوا يزوّدوني بمعلومات مباشرة من الواقع وأحداث الساحة بجانب مجموعة أخرى من الذين كلّفتهم بضبط الشائعات و مصادرها, وكنت أهدفُ تحقيق أمرين من وراء ذلك:
الأول: إعداد مخططات هندسيّة و بيانات مبرمجة لهيكليّة النظام وأجهزته بما فيها تنظيمات البعث نفسها.
الثانيّ: إعداد نشرة مركزية تغطي الأخبار و التحليلات الستراتيجيّة مع دراسات خاصة بين فترة وأخرى.
و بمعونة تلك المعلومات و المصادر التي كنت أعتمدها بعد ما خصصتُ لها الكثير من الأموال من الدولة الأسلامية دأبت على إصدار نشرة مركزيّة لا تطبع منها سوى (خمسة أعداد) فقط .. تُوزّع على خمسة شخصيّات في العالم كلّه .. و هم:
– الأمام ألرّاحل.
– ألسيد الحكيم.
– مُمثل الدّولة.
– رئيس الجمهورية.
– نسخة للأرشيف الخاص.
و كانت بحق نشرة مكثّفة و موثّقة إعتمدها كبار قادة العالم الأسلامي لتقرير الأوضاع و أتخاذ المواقف المطلوبة حيالها كالقضايا السياسية و الأحداث العالمية و الدولية و المحلية, لأتخاذ الموقف المناسب, و كانت مهمة للغاية بحيث أن ممثل رئيس الجمهورية قال لي شخصياً في لقاء معه في تلك الأيام: [ إن عملك هذا يُعادل عمل ثلاث وزارات سوية؛ الأعلام و الخارجية و الأمن و هي أساس أيّة حكومة], قلت له, يا أخي؛ و هل تعتقد بأن الأمر غير ذلك, إنني سخرّت وشغّلتُ طاقات آلاف المختصين و الكوادر و المنظمات لأنجازه!
في أحدى مقالاتي التي عادة ما كانت تُنشر كإفتتاحية في مقدمة تلك النشرة الأهم في الساحة العراقية و الأسلامية قاطبة عام 1982م؛ طرحت موضوعا عن تصريحات (صدام) ونظرته للمعارضة العراقية:
بكونها: [ لو كانت ألمعارضة العراقية فيها خيراً؛ لتصافتْ وإستقامت و حلّت مشاكلها فيما بينها, بعدها قد يُمكنهم معارضتي و (إسقاطي) مستهزئا بهم]!
وممّا جاء في تعليقي على تصريح صدام في تلك الأفتتاحية هو: [أيها الدكتاتور الجاهل المتوحش؛ إن آلمعارضة العراقية بكلّ تشكيلاتها و مجلسها الأعلى و قواتها الضاربة في (9بدر) و هي أوّل تسمية أطلقت عليها كهوية لها(3) و صاحبة مبادئ و قيم و لها جذور ممتدة من بداية القرن .. بل من بداية التاريخ الأسلامي لأنها تقتدي بعلي و الحسين و و قبلهم الخلفاء, لكنك تقتدي بميشل عفلق و شبلي و شميل و بآلتالي بمبادئ الحزب الأشتراكي الفرنسي الذي إنبثق منه حزبك العفلقي], لهذا فأن المعارضة التي ستنتصر حتما للأسباب المعروضة؛ ستحكم بآلعدل و الأنصاف و المساواة وسوف لن يتسيّد حزب أو منظمة أو شخصية على حساب سائر الأمور كما أنت أيها الدكتاتور المفسد](4).
و لكن كبيرة .. مع أسفٍ أكبر نتساأل: ماذا جرى .. و ماذا حلّ بنا بعد السقوط؟
للأنصاف : الشريحة الأكثر مظلومية في الشعب قد تحسن حالهم نسبياً بآلقياس مع أيام صدام و إن كانت بتأثيرات حزبية و عشائرية و طائفية وعلاقات شخصية و ليست أنسانية عادلة, لكنهم في نفس الوقت فقدوا الكثير و قياسنا هذا وكما يقول المثل هو: [قياس السيئ بآلأسوء] أو [راواهُم الموت فرضوا بآلصّخونة], يعني (حين رأوا الموت إرتضوا بآلحمى), ذلك أنّ الأوضاع بشكل عام خصوصاً ألزراعة و الصناعة و الماء والبنى التحتية و الأخلاق و الأئتمان المالي العالمي و المديونية الكبيرة على العراق و ما يخص مستقبل الأجيال القادمة قد دُمّرت و إنتهت تماماً, لأنّ السياسيين سرقوا ما إستطاعوا من الأموال كرواتب و مخصصات و صفقات وهمية و تحويلات مالية و تقاعد لبناء قصورهم و شركاتهم و عماراتهم في أوربا وأمريكا ودول الجوار وهكذا عمَّ فساد المفسدين الذينَ إستحقوا كلمة (المنافقين) بعد تأكدي من أعمالهم و نواياهم, هؤلاء الذين طالما دافعتُ عنهم أيام المعارضة وكنتُ لولباً لتوحيدهم ولأيوائهم و إطعامهم ولمّ شملهم من خلال تأسيس المجلس الأعلى بداية الثورة أيام المعارضة ومن خلال دراساتي و مقالاتي و دميّ و دموعي, ولكني لم أكن أعلم بنفاقهم و من يمكنه كشف نفاقهم(5) فبعد كل هذه التضحيات بدى لي بأن فسادهم الظاهر و الباطن لا يقل خطورة عن فساد افسد المفسدين كصدام نفسه بعد ما شهدتُ قصورهم وفسادهم حين إستلموا الحكم بقيادة أمريكا المعلم الأول, و لا حول و لا قوة إلا بآلله العلي العظيم. الفيلسوف الكوني : عزيز الخزرجي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع: ألهمسة رقم(199) الماقبل الأخيرة في المئة الثانية على الرابط التالي:
https://www.sotaliraq.com/2018/05/22/%D9%87%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AA%D9%8C-%D9%83%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%91%D8%A9199-2/

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.