الرئيسية / افكار / اطفال البصرة ..مجرد بروفة اخرى- علي حسين
علي حسين

اطفال البصرة ..مجرد بروفة اخرى- علي حسين

الأقسى من الصور المؤلمة التي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي لاطفال مرضى السرطان في البصرة ، أننا من جديد نتجرّع الحقيقة بمذاقها المرّ ، وهي أنّ الإنسان العراقي بلا ثمن، ولا أهمية، مجرّد رقم يضاف إلى سجلات الموتى، ومن ثم فلا تسألوا عن المتسبّب في عدم توفر الادوية في مستشفيات اغنى مدن العالم واعني بها مدينة الذهب البصرة ، مثلما لايحق لكم ان تسألوا أين وصل التحقيق في كارثة مستشفى اليرموك التي راح ضحيتها عشرات الاطفال الرضع ، مثلما لايريد احد ان يعرف اين وصل ملف تفجير الكرادة ، وماذا عن الجثث المجهولة الهوية التي لاتزال في الطب العدلي ، هذه هي الحقيقة باختصار شديد وإن حاولوا الضحك على عقولنا، بأنّ ما جرى مجرّد نقص في الادوية بسبب تخصيصات المحافظة .
غيرَ أنّ الأكثر إيلاماً أن لايجد أحد من المسؤولين الميامين، دقيقة واحدة من وقته الثمين الذي خصصه لسرقة البلاد وتهجير أهلها والسيطرة على مقدراته، ليواسي عوائل الاطفال ، سيقول البعض الجميع منشغلون بمعركة داحس والغبراء التي تقودها النائبة ” الهمامة ” حنان الفتلاوي ” ، وربما يقول آخر، وهو محق، أن أكثرهم مستمرون في اشعال فتيل الحرب الطائفية .
كنت أتوهم أنّ موت أطفال بسبب الفساد والإهمال، كفيل بتحريك قليل من مشاعر الألم والندم لدى مسؤولينا الأشاوس، غير أنّ كل ما اهتموا به هو بيان وزيرة الصحة عديلة حمود الذي اخبرتنا به ، ان اساس الازمة هو ” قلة التخصيصات ” ، ، فيما بشرتنا لجنة الصحة البرلمانية عن اكتشاف حالات جديدة لمرض الطاعون ، ولهذا اوصيكم بقراءة ماكتبه الفرنسي البير كامو عن الطاعون :” حين يعم الوباء تزحف المقابر إلى قلب المدينة ” .
الناس تدرك جيداً أنّ الجميع، من السيدة عديلة حمود إلى مجلس النواب ، إلى كل المؤسسات التي تحولت الى إقطاعيات، ضالعون ومتورطون ومتهمون بالجريمة البشعة التي تحدث في مدينة البصرة ، وجرائم أخرى تحدث في معظم مدن العراق ، لكن لا أحد يسأل عنها، سوى أهل الضحايا الذين فقدوا بسبب الفساد والإهمال.
أعلم أنه من قبيل التكرار الممل أن نذكر بأن وزراء في دول محترمة يقدمون على الانتحار إذا وقعت في دائرة اختصاصهم حوادث أقل من حادثة اطفال البصرة ، أو أن حكومات بكاملها ترحل في كوارث أصغر حجماً من ذلك، وأعرف أننا لسنا اليابان، ولا نفكّر أن نكون مثل ألمانيا يوماً ما، لكنني أعلم أيضا أنه لو كان للفساد عقل وإرادة ، لاختارالعراق موطناً أبدياً له.
بالأمس وأنا أتطلع إلى وجوه اطفال البصرة ، لم أرَ سوى علائم الأسى والقهر، وجوه تخاف من الغد، فيما على مقربة منهم في الخليج مدن تقطع المسافات من عصر إلى عصر، في قطار مذهب اسمه الاستقرار والعمران، لان مسؤولين قرروا ألا يسمحوا للخراب أن يبقى مقيماً في البيوت والشوارع.
ما حدث في البصرة مجرد بروفة جديدة لعرض آخر من عروض الخراب العراقي. ولن نشهد لهذه العروض نهاية ، قبل أن يرحل آخر سياسي ومسؤول فاسد ، ملايين العراقيين يعيشون بين توحش العوز والمرض المعلن، وبين بلادة مجلس نواب فاقد للضمير .