الرئيسية / افكار / الإسلام الحركي والدولة الوطنية.. العلاقة المأزومة “2”
أنمار نزار الدروبي

الإسلام الحركي والدولة الوطنية.. العلاقة المأزومة “2”

أنمار الدروبي.. كاتب وباحث عراقي

المقدمة:
لقد كثرت الدراسات والأبحاث التي تناولت موضوعة الدولة في الإسلام، لاسيما أن مفهوم السياسة في الإسلام يبحث في أصول الدولة والحكم وقد شمل عدة جوانب منها الرئاسة والاهتمام بقضايا الرعية والمجتمع والناس. هناك من يرى أن الإسلام هو نظام سياسي قادر على قيادة الأمة وتنظيم سلطاتها ويحقق مصالح الدنيا. بلا شك إن موضوع السياسية في الإسلام قد أخذ حيزا كبيرا من خلال تجربة الإسلام التاريخية، والتي فرضت نفسها منذ اليوم الأول لوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد شهد هذا الموضوع اختلاف في الآراء وتباين في الأفكار، فقد رأى قسم من الباحثين الإسلاميين أن السياسة ونظام الحكم في الإسلام هما من أصول الدين ولا يمكن إغفال حقيقة مهمة، بأن الإسلام دعا إلى ضرورة قيام الدولة، وبحث في موضوع السلطة إلى حد باعتبار السلطة من واجبات الدين بحسب رأيهم. إن الفكرة العامة التي قام عليها الحكم الإسلامي كانت على أساس السلطة التي تتمثل في رعاية المسلمين وإدارة شؤون الدولة من خلل مجموعة من العوامل القائمة على الحكم الصالح الذي أساسه الخير والفضيلة والتعاون بين الحاكم والمحكوم. لكن الإسلام كدين لم يحدد نظام بعينه للحكم وترك للنظم أن تحدده وفقا لتطور الإنسان.
يطلق بعض الباحثين مصطلح (الحركات الإسلامية) ويفضل آخرون مصطلح الأصولية، ويذهب القسم الآخر إلى استخدام تعبير إسلامية على الحركات التي تنشط على الساحة السياسية، والتي تُنادي بتطبيق قيم الإسلام وشرائعه في الحياة العامة وباقي الحركات السياسية والاجتماعية الأخرى التي ترى إنها قصرت وتوانت في الامتثال إلى تعاليم الإسلام أو خالفتها.
ويغلب إطلاق هذا المصطلح على الحركات التي تنشط في المجال السياسي، إذ نادرا ما يطلق وصف الحركات الإسلامية على الجماعات الصوفية التي لا تنشط في مجال السياسة. ولا يطلق هذا الوصف أيضا على الأحزاب التقليدية ذات الخلفية الإسلامية، بينما تطلق هذه الصفة على حركات المعارضة للأنظمة السياسية القائمة في الدول العربية، حتى أنها أخذت بعدا دوليا مثل تنظيم القاعدة. هناك مدلولات عديدة للحركة الإسلامية، فقد رأى بعض الباحثين أن الحركات الإسلامية تميز نفسها عن التيار الشعبي العام، وتخصص هذا التميز بنسب نفسها إلى الإسلام، كما لو أنها تصدر حكما على المجتمع الذي حولها بالتقصير عن الوفاء بقيم الدين الإسلامي. أما الرأي الثاني يستند إلى قول الإمام (محمد عبده) الذي يوضح، لا تقوم لقوم قائمة إلا إذا كان جامعة تضمهم، ووحدة تجمعهم، وتربط بعضهم ببعض، فيكونون بذلك أمة حية.

1 – الأصول التاريخية للفكر السياسي لدى المسلمين:
نشأ الفكر السياسي لدى المسلمين بعد وفاة الرسول محمد (ص) وذلك لاختيار إمام يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم في قيادة الدولة الإسلامية.
لقد واجه المسلمون صعوبات في إيجاد شخصية تخلف النبي الكريم نظرا لافتقار سكان مكة والمدينة لتجربة سياسية وإدارية تخص شؤون الحكم قبل الإسلام. حيث تضمن القرآن الكريم، أفكارا سياسية عامة كالمساواة بين المسلمين وحق الولاية لجميع المسلمين على بعضهم البعض وحرية العقيدة والشورى وطاعة ولي الأمر والجهاد بالإضافة إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، لكنه خلا من نصوص واضحة بخصوص السلطة، مثل طبيعة النظام السياسي وكيفية اختيارا لحاكم وصلاحياته ونظام توزيع السلطات، حقوق وواجبات الأفراد وأسلوب ممارسة الشورى. وقد شهدت المرحلة بعد الخلافة الراشدة تطورا في الفكر السياسي عند المسلمين، وذلك نتيجة للحاجة الماسة لوضع الحلول المناسبة للمشاكل التي واجهت الدولة، مثل كيفية إدارة الحكم ومواصفات الخليفة والتشريع وتوزيع الأموال، وبناء على ذلك كانت المصادر الأولية للفكر السياسي الإسلامي هي (القرآن ومفهوم السلطة، الحروب الداخلية بين المسلمين، تغيير طبيعة الخلافة وبالإضافة إلى التأثيرات الخارجية).

2- شهادة ميلاد المشروع السياسي والحركات الإسلامية:

شأن أية حركة اجتماعية أو سياسية، للحركة الإسلامية المعاصرة في البلدان العربية شهادة ميلاد، وشهادة ميلادها كانت مجموعة من العوامل التي نضجت من رحمها وشروط نشأتها، ومن أهم تلك العوامل هي استمرارا للبنى الثقافية الدينية الموروثة وقدرتها على تجديد نفسها وتنشيط فاعليتها في مجتمعاتنا المعاصرة، لاسيما أن القطاع الثقافي العربي مازال دينيا أو الدين المصدر الرئيسي لتشكيل معطياته. ومع هذه القراءة الأيديولوجية لتاريخ الحركات الإسلامية، كانت أبرزا العوامل التي صنعت وجودها هي، البنى الثقافية الدينية الموروثة، وقدرتها على تجديد نفسها وتنشيط فاعليتها في مجتمعاتنا المعاصرة، إذ على الرغم من كل العمليات الجراحية الثقافية الحداثوية، التي خضعت لها الثقافة العربية منذ قرنين، وعلى الرغم من نشوء وتوسيع نخبة فكرية شديدة الصلة بمرجعيات ثقافية كونية، فإن القطاع الثقافي العربي مازال دينيا، أو مازال الدين من المصادر الأساس لتشكيل معطياته، وأن الدين ما برح يمثل منظومة مرجعية رئيسة للثقافة العامة وللذهنية العامة، وعلى ذلك فإن الحركات الإسلامية لم تنشأ من فراغ، ولاهي خرجت للوجود الإسلامي بعملية إنزال ثقافي خارج أرضية المألوف، بل هي أتت لتعبر عن شكل ما تاريخي والاستمرار فيه.2
3- مصادر الفكر الإسلامي والتنظيمات الإسلامية:

لعل مما يسترعي النظر في مصادر الفكر الإسلامي والتنظيمات الإسلامية الحالية، حيث من الممكن أن نجدها في جماعة (الإخوان المسلمين) التي أسسها (حسن البنا) في مصر عام 1928،وكذلك جماعة (إسلامي الباكستانية) التي أنشأها (أبو الأعلى المودودي) عام1941. أما الفكر السياسي الشيعي فيشترك مع الإخوان المسلمين في نقاط عديدة إلا أنه يبقى ذا خصوصية، كونه أكثر ارتباطا برجال الدين، وكان من ملهمي هذا الفكر (الخميني، باقر الصدر، الطلقاني، علي شريعتي) والأخير ليس برجل دين. وهناك على وجه الإجمال ثلاث أقطاب جغرافية وثقافية إسلامية في الشرق الأوسط العربي السني وشبه القارة الهندية السنية والنطاق الشيعي الإيراني العربي. لقد طرح الإسلاميون مسألة السياسة انطلقا من المبدأ القائل أن الإسلام هو فكر شامل وكلي ولا يكفي بالتالي أن يكون المجتمع مؤلفا من مسلمين، بل ينبغي أن يكون إسلاميا في أساسه وبنيانه، وبهذا فقد فرقوا ما بين ما هو مسلم وما هو إسلامي. يحمل الإسلاميون بعض المفاهيم المستعارة من القرآن، وقد استعارت الحركات الإسلامية من القرآن بعض المصطلحات مثل، الشورى، حزب توحيد، أمة وجاهلية، وبعد أن تم تأويلها ضمن سياق سياسي حديث مثل، ديمقراطية، حزب سياسي، مجتمع بل بلا طبقات الخ، بالإضافة إلى أنهم يستخدمون مصطلحات أخرى مثل، حاكميه، ثورة، انقلاب. وتنطلق الإسلامية من اعتبار فقهي هو أساس الديانة الإسلامية مثل التوحيد الإلهي ويعني، إن لا اله إلا الله واحد لا شريك له. فالإسلام السني يرى أن المجتمع هو انعكاس، أو ينبغي أن يكون انعكاس التوحيد الإلهي، وإذا كان التوحيد معطى أساسا في الذات الإلهية، فإن المجتمع البشري يحتاج إلى بناء وتحقيق المجتمع التوحيدي.

4- الدولة والمؤسسات في الفكر الإسلامي السياسي:

القرآن دستورنا، هو الشعار الذي تستخدمه الحركات الإسلامية، ويمكن أن نستنتج مفهومان من هذا الشعار العام، والذي يستخدم من قبل غالبية المنظرين الإسلاميين وهما (الأمير والشورى). أي بمعنى القائد والمجلس الاستشاري ومن حولهما ينبني الحزب السياسي الإسلامي والمجتمع الإسلامي. لقد أكد الإسلاميون على موضوع الأمير، عندما أرادوا إنشاء نظام سياسي، وبحسب رأيهم يمثل الأمير في المحصلة (قائد الحزب) قبل أن يكون قائدا للمجتمع وبنفس الوقت يعتبرون فكرة الاقتراع والانتخاب أنها تضعف من وحدة الأمة، وبذلك اعتبروا أن المعيار الوحيد لتعيين الأمير هو شخصه نفسه وما يتمتع به من فضيلة. أما في مسألة الشورى فإنهم ينطلقون من مبدأ الحاكمية لله وحده، فهم يرفضون مبدأ الحاكمية الشعبية أو السيادة الشعبية، أما الشورى فهي مشورة أو نصيحة، وبذلك فإن الحاكمية أو السيادة تنبع من الله وحده. إن الإسلام شريعة واحدة لها صيغا متعددة، فثمة تفسيرات متباينة ونظرات متغايرة تؤدي إلى وجود أكثر من صيغة إسلامية. وليس أدل على ذلك من وجود صيغتين أو اتجاهين متباعدين، وربما بعض الأحيان متناقضين، أديا إلى وجود الإسلام السني والإسلام الشيعي، ومنذ عشرينات القرن الماضي ظهر في العالم الإسلامي مفهوم للإسلام كان قد ظهر في عصر الخوارج، أسميناه بالإسلام السياسي تحديدا لهويته وتفريقا له عن الإسلام المستنير.

ويتميز الإسلام السياسي بما يلي:
1.التأكيد على إن السياسة جزء من الإسلام، وان العمل السياسي فرض على كل مسلم.
2.فرض الآراء والقرارات بالقوة والعنف والقتل والحرب، الذي يسمونه (جهاد في سبيل الله).
3.الادعاء بأن ما يقومون به هو الإسلام الصحيح وكل من انشق عنهم فهو ليس من جماعة المسلمين بل هو خارج عن الإسلام.
فإذا كان المعنى به أن السياسة ركن من عقيدة الإسلام، فإنه بذلك يكون قد قوض الاتجاه السني الذي يرى أن أركان الإسلام خمسة، لحساب الاتجاه الشيعي الذي يرى أن أركان الإسلام ستة، حيث يعتبر الإمامة أو السياسة ركن سادس في الإسلام. وإذا كان المعنى أن السياسة جزء من الإسلام، إذن أنها جزء من التاريخ الإسلامي، فالتاريخ الإسلامي ليس هو الإسلام بل هو عبارة عن عدة مراحل، وكل مرحلة منه تختلف عن المرحلة الأخرى. أما اعتبار العمل السياسي فرضا على كل مسلم فهو اعتبار خاطئ، لأن العمل السياسي ليس فرضا دينيا قط وفروض الإسلام محددة وليس منها العمل السياسي، والعمل السياسي هو جزء من الحياة وليس كل الحياة وأنشطتها، وأداؤه يعد عمل بشريا لا عمل دينيا، وإذا كان هذا العمل مخالفا للحياة متعارضا معها، فهو مخالف للدين بجانب الشرع.4
المصادر—-
1.غنيمة شليغم، دراسة الحركات الإسلامية من التطرف الديني إلى الاعتدال،ص304
2.عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي ص128
3.أوليفيه روا، تجربة الإسلام السياسي ص42
4.محمد سعيد العشماوي، الإسلام السياسي ص298

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.