الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / افكار / الرقّة .. عروس الفرات وأُضّحية التطرّف- قحطان السعيدي
قحطان السعيدي

الرقّة .. عروس الفرات وأُضّحية التطرّف- قحطان السعيدي

مدينة الأصالة وعبق التاريخ منذ أن حطَّ رحاله كالينوكوس قبل الميلاد في ثناياها، كانت الرقّة مدينة الجمال وغرّة القاصدين، مركزاً تجارياً وثقافياً بان ازدهاره في العصر العباسي، وبنى أبوجعفر المنصور قصر الخلافة الصيفية فيها كحذوة حصان وحتى جعلها الرشيد عاصمته الصيفية، تميزت تلك المدينة بجمالها وثرائها، تحتضن الفرات وتغفو عند شطآنه، عذبة كطعم ماءه، باسقة كنخيله، شقية تداعب أمواجه، راقصة كأغصان الزيزفون، غافية كروح العشق في قلعة جعبر، متفرّدة بفنونها حتى تعاشقت موليتها مع الفرات نغماً راقصاً يذوب مع جريانه، إلى أن صار موج الفرات لحناً، وأغنية يرددها العاشقين من الرقة حتى بلاد سومر، وقد جاء للنظم الشعري أوجه التشابه بين المولية الرقيّة والابوذيّة في بلاد سومر جنوب العراق، حيث ان المولية كتبت باربعة أشطر الثلاث الأولى مقفاة، أما الشطر الرابع فيختم بياء مشدَّدة،  كقول الشاعر:
دمع البيابي على الوجنات رشراشي
مستعكف بحجرتي نايم على فراشي
كل يوم يدزِّن علينا البيض طرَّاشي
القلب عيَّ يوالف غيرها هيَّه
يلاحقها لازمات المولية:
ع العين موليتين ع العين موليه
يا واردات الغدر ما بالغُدر ميَّه
اما الابوذية الفراتية الجنوبية كتبت كسابقتها المولية ولكن بفارق واحد ان الأشطر الثلاث بالقافية متشابهة تختلف بالمعنى، كـقول الشاعر عبيد الحاج ياسين والذي غناه المطرب داخل حسن:
عيونه گبل شافه شتمني
وعگلي الچان ثابت شتمني
أنهجم بيتچ يروحي شتمني
اتمنين الذي يصعب عليه
حيث كانت القافية شتمني في الاولى شتيمة العيون قبل الشفاه، والثانية شتمني اي شتِّ وضاع العقل مني، والثالثة شتمني سؤال في التعجب والتهكم، إنهجم بيتك شو هالتمني..؟!! .. حتى تكون الخاتمة في صعوبة الامنيات.
يبدو ان ذلك التشابه الذي ورد في التراث الشعبي لحوض الفرات جسّدته الحكمة السومرية التي كتبت بالخط المسماري على رقيم الطين:
“حيث ما تغمر المياه الارض  ينمو الخير وتخرج أجنحة السعادة الى الوجود”
ظلّت الرقة مفتاح الثراء الفكري والأدب الموسيقي المتجذر في عمق التاريخ تتجدد الوانها وتتجذر أصالتها حتى صارت حقول القمح فيها واحة غزلان واسراب قطا ومرتع البط المهاجر وقبلة السـوّاح، وأغنية يرددها الثمالى في العشق والانتظار حتى المشيب بأدب الفرسان، ومغامرة الصيد، وصهيل الخيل، وملاحقة الريم، يقول الشاعر:
لأركب جوادي ورا الكواك واسري بو
ع الريمة المتعبه الكانوص تنجي بو
لظل برجّوا الولف لمن مشط شيبو
تيبين علم الصدگ من ابن الحموليّه
إضافة لمولية العشق والهيام برز في تراث الرقة ادباً يستند في معانيه إلى الادب الصوفي، مثلما تناول الشاعر رائعة الحلاج لتغنى بطريقة المولية:
كالت كل مطلع شمس ذكراك بنفاسي
انت حديثي ترى مابين جلاسي
لمن يحداني الظما خيالك بكاسي
واليوم شح الصميل ومابكى ميه
وحين سقطت الرقّة بايدي الظلاميين، فإن نجم هوى في سماء المدن الجميلة، واغتاض الفرات حتى زبد موجه من هول المصيبة، وزيزفونها تلطخ بلون الدم ورائحة الموت، وغابت دبكة الرقة ليحل محلها نواح الثكالى وغضب الاله.
ها هي الرقّة يدمرها الأوباش وينتهك جسدها الغضّ اغتصابا، وحوافر خَيل الغزاة تدنّس ارقّ مدن التاريخ وخاصرة الفرات.
لم يعلم الشيخ فيضي الفواز عندما شيّد جامعه بمآذنه المزركشة بالفنون الاسلامية، سيأتي يوما تتدنس المنائر الشماء وساحة المسجد تحت اقدام الظلاميين البغاة حتى يقتلوا الحياة ويدمروا العمران ويحرقوا الشجر، وقد حدثني حفيده الدكتور محمد الفواز أن جدّه كان يستلهم التاريخ من جغرافية الرقة في قراءات الصحابي عمار بن ياسر الذي يغفو بمرقده عند باب بغداد في سُوَرها العتيق ، لذا شُيد جامع الفواز وسط مدينة الرقة معلماً دينياً لقصّاد أشهر اسواقها، مازادَ قداسة المدينة وعراقة تاريخها.
وحين اختار الغزاة الرقّة كانوا يعوا انها درّة التاريخ ولؤلؤة الفرات، مدينة سنابل القمح وسلة غذاء الجياع، عاشقة تتماهى مع الزيزفون وتتمايل ك الحبق.
حتى كتبت الشاعرة د. لينا شيخو نوحاً شجياً وبكاءا صامتاً، حيث تقول عن ذاتها التي تعاشقت مع ذات المدينة المسبيّة :
“شـاهدة كرشــيد بابها ..
طائشـة كصحف تاريخها
دافئة كمفاتيح أقفالها …
عاتية كرياح شوقها ..
وادعة كعيون أفقها ..
منسـيّة كوجودها، منهمرة كجودها..
متفرّقة كأشلاء ذكرياتي هناك ..مجتمعة كجراحاتها..
هادئة ثابتة كيقين أوليائها ..
هائمة كحنين جذوري..
خرسـاء كضمير العالم ..!”
وهل سيكون لنا كرنفالا آت في قلعة جعبر يدبك فيه الرقّاويين رقصة السلام بدفوف الفرح وأنغام الربابة وألحان الناي وغناء المولية، لنودع الالم ونستقبل فجر قادم.