الرئيسية / افكار / “الصافي، سوبرمان العراق”

“الصافي، سوبرمان العراق”

يذهب السيد الصافي ممثل المرجعية إلى البصرة، ويصر على البقاء فيها حتى توفير الماء العذب لسكانها أو للبعض من سكانها. فيما تظهر صور أخرى لشيوخ الدين المعممين وهم يعاينون محركات ضخ المياه في محطات الإسالة. الصورة واضحة جدا، في زمن غياب وعجز أجهزة دولة كبيرة مثل العراق بوزاراتها ومهندسيها ومستشاريها وخططها وميزانياتها وعلاقاتها عن المشهد ليظهر السيد الصافي بعباءته السوداء كسوبرمان المنقذ أو المخلص.

وقصة سوبرمان المنقذ ليست بعيدة عن وعينا نحن متابعيي افلام هوليود. فهو يظهر في اللحظات الأخيرة لينقذ البشرية أو جزء منها من قوى الشر. وهنا يظهر سوبرمان ذو القوى الخارقة ليس لأي شيء بل فقط حين تعجز أو تغيب الشرطة عن المكان أو تعجز لمواجهة أعداء لهم قوى خارقة يستخدمونها في الشر. أن قصص سوبرمان هي صناعة هوليودية بحتة ظهرت في خضم صراع القوى الغربية واميريكا بالتحديد ضد مايصور من انها قوى الشر في الاتحاد السوفيتي السابق لتسويق فكرة المخلص الخارق للطبيعة الذي يظهر في آخر لحظة مستوحيا ً فكرة المسيح المخلص من جهة وليعكس حالة التفوق الغربي من جهة أخرى لترتكز في وعي أجيال عديدة لتكون جاهأة ذهنيا لتقبل تفوقها الخير على الآخر الشر.

نعود للعراق، عندما ينهار الجيش العراقي، يصدر المرجع الأعلى السيستاني فتواه الشهيرة فيهب الشباب لإنقاذ العراق، عندما تستعصي الحلول السياسية، يشخص السياسيون قبل كل الناس بابصارهم تجاه ماتقوله مرجعية النجف في خطبتها يوم الجمعة، عندما تفشل الكثير من المدارس الحكومية وبعض الجامعات الحكومية، تظهر بعض المدارس والجامعات الخاصة المحسوبة على العتبتين في تلبية الطلب، عندما تفشل المستشفيات، يظهر مستشفى الكفيل بين غيره مخلصا باجهزته المتطورة وكادره المتقدم باسعار عالية، عندما تنهار الزراعة وتنحني جذوع النخيل لملوحة المياه أو بفعل الحروب يظهر مشروع العتبة العباسية من مزرعةٍ نموذجيّة للنخيل ذي الأصناف النادرة بآلآف شتلات النخيل في مزرعة فدك، عندما تعجز الموانئ عن تآهيل نفسها تظهر شركة السبطين التابعة للعتبة العباسية لتبدآ العمل، عندما تعجز المعدة عن هظم الدجاج البرازيلي وغيره، يظهر دجاج الكفيل، وأخيرا عندما تعجز كل الطاقات الحكومية عن ازالة الطحالب وصيانة مضخات المياه المتهالكة التي تغذي ملايين الناس في البصرة بالماء الصافي، يظهر السيد الصافي كسوبرمان لينقذ الوضع بمضخات حديثة.

هذا يذكرني بانتشار حركة الاخوان المسلمين في مصر وهيمنتها على الكثير من مرافق القطاع الخاص الصحة والتعليم والتجمعات الطلابية في توفير المستلزمات للمتزوجين وللطلاب في غياب الدولة اثر تطبيق سياسة السوق المفتوح في عهد السادات وانسحاب الدولة من قطاع الخدمات بسبب سياسة الخصخصة وادوات النيوليبرالية الجديدة لحكومة نظيف في العقد الفاءت باصلاح الاقتصاد وبيع المنشا العامة بابخس الاثمان واعادة تشكيل الأمكنة لتنسجم مع فكرة الاستثمار كما يحدث في العراق الآن من بناء المولات ليتدخل شبكات الاخوان المسلمين على الخط وتطرح نفسها كبديل للدولة. فعل الاخوان هكذا ليجنوا الثمن بعيد الثورة المصرية بعدو ان كسبوا الكثير لجانبهم.

أما في العراق، ربما الوضع اصبح هكذاو او أُريد له أن يكون هكذا بأن تعجز الدولة ليظهر المخلص الذي ينسجم مع سايكلوجية الفرد العراقي بايمانه بوجود المخلص الذي يظهر في اللحظات الأخيرة، كحنين البعض لعودة صدام حسين أو انتظار أنقلاب عسكري يقوم به عبد الوهاب الساعدي أو ظهور الإمام المهدي فينقذ الوضع وينتهي كل شيء. لست ممن يؤمنون بنظرية المؤامرة لكن هناك من يريد أن يقدم المرجعية على أنها تمتلك كل الحلول الدينية والدنيوية في وقت تعجز دولة كاملة بكل امكاناتها المادية والبشرية من تبليط شارع او ازالة طحالب من مرشحات مضخات المياه. لست ضد العمل الخيري وبارك الله بكل من يريد المساعدة وتقديم الماء وغيره لاهل البصرة لكن، لماذا نصل لمرحلة أن الدولة عاجزة عن تحريك ساكن فيما هناك البديل الجاهز؟ البديل الجهاز له امتيازات وسيكون مؤثر جدا في القرار السياسي أكثر مما هو عليه الآن، ربما ستتداخل مصالح اقتصادية لطبقة تنشأ على وقع هذا التوسع والدخول كبديل لمؤسسات الدولة العاجزة والتي تعشعش بها عثة البيروقراطية والفساد والمحسوبية.

عماد رسن

 

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.