الرئيسية / افكار / الطبخ على نار ” النزاهة “- علي حسين
علي حسين

الطبخ على نار ” النزاهة “- علي حسين

منذ أيام يتداول العراقيون بسخرية عبارة ” الطبخ على نار هادئة “. شاع عند أهل اللغة أن كلمة طبخ حين توضع قبل كلمة تعطي معنىً آخر مثل طَبَخَ اللَّحْمَ: أَنْضَجَهُ..طَبَخَ الأَخْبَارَ: حَضَّرَهَا.. طبخته الحُمَّى: اشتدّت عليه..طبخ مؤامرةً: دَبَّرها، ومن الممكن أن أعرض معاني حول الطبخ وفواصله في أكثر من مقالة.. لكني عاجز عن فهم كيف أنّ عبارة مثل ” طُبخ على نار هادئة ” يمكن أن تودي بمواطن الى السجن ست سنوات. نعود لأصل الحكاية،فالناشط المدني باسم خزعل خشان كان قد كتب على صفحته في الفيسبوك العبارة الآتية:” أن هيئة النزاهة ربما تطبخ على نار هادئة ” وكانت هذه الجملة القصيرة تتعلق بسرير اشترته دائرة صحة المثنى بـ65 مليون دينار وملحقاته بـ99 مليون دينار.
محكمة جنايات المثنى التي برّأت المجاهد فلاح السوداني من تهمة نهب أموال الشعب، وتوزيع مواد غذائية غير صالحه للاستخدام البشري، أرادت أن ترضي ضميرها، فبعثت بهذه العبارة التاريخية ” طبخت على نار هادئة ” إلى خبير لغوي وهو أستاذ جامعي الذي اكتشف ” مشكوراً ” أن مثلّ هذه العبارات تشكل إساءة لهيئة النزاهة.
تتذكرون البيان الثوري الذي أصدرته هيئة النزاهة حين قررت منع محافظ البصرة ماجد النصراوي من السفر لحين انتهاء التحقيقات، بعد ساعات من أناشيد حول الفساد والإصلاح، أخرج لنا النصراوي لسانه ساخراً، وهو يكشف عن سرّ لطيف:” لقد اضطررتُ إلى مغادرة العراق للعيش مطمئناً في بلادي أستراليا “!
وقبل أن تسأل عزيزي القارئ ماذا يحدث في هذه البلاد العجيبة، أطمئنك أن شعارات النزاهة هي مجرد ” تزويق ” لمرجلة فاسدة برمتها، ما كان لها أن تتأسس، لولا أفضال ” الطبخ على نار النزاهة ” عليها، أو قُل إننا منذ عام 2005 نعيش مرحلة ردّ الاعتبار للفساد والتسلّط والانتهازية، فهل كان غيرالفساد سلاحاً ماضياً وحليفاً ستراتيجيّاً للضحك على هذا الشعب؟ الجميع رفع شعار “الفساد للفساد”، فساد بدأ بإغراق المجتمع في شعارات طائفية مقيتة،، ومافيات سرقت كل ثروات البلاد. واستمر الفساد ينمو وينتشر ويتوغل، حتى وصل إلى مفاصل وأعصاب العراق بأكمله.
بعد قرار المحكمة وعبارتها الشهيرة ” طبخت على نار هادئة ” أيقنت أن العراقيين نساءً ورجالاً يستحقّون الجنّة، لسبب أساسي، لأنهم يتعرضون للكذب والنفاق والخديعة كلّ يوم وعلى مدى سنوات طويلة، ولم ينقرضوا، ولم يصبهم الجنون أو الاكتئاب!