الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / افكار / العبادي بين الأتفاق و الاتفاق- عبدالله جعفر كوفلي
عبدالله جعفر كوفلي

العبادي بين الأتفاق و الاتفاق- عبدالله جعفر كوفلي

تعددت الاراء و وجهات النظر بين الاكاديميين و المختصين و العامة من الناس حول مفهوم السياسة و دلالاتها و مقوماتها اعتماداً على النظام السياسي المعمول به , و البيئة التي يعيشها , و درجة الثقافة , و تطور الحياة , و لكنها تتوحد بان السياسة هي فن ادارة المصالح أي تحقيق اكبر قدر من المصالح الداخلية و الخارجية و حمايتها و التضحية باخف الضررين منها . هذه المصالح متداخلة بين بني البشر و اتسعت دائرتها لتشمل المدن و الدول بل و هناك مصالح تشترك فيها المجتمع الدولي برمته و تسعى بالوسائل المتاحة لحمايتها و بعدم التعدي و التجاوز عليها .
العراق دولة تم تأسيسها عام 1921 من قبل الدول العظمى بالكيفية التي تناسب مصالحها على المدى البعيد و بريطانيا كانت رائدة في هذا المجال , و تم توقيع العديد من الاتفاقيات في المجالات المتعددة بينها و بين الدول المحيطة بها , و التي كانت السبب في مد و جزر علاقاتها نتيجة الالتزام او عدم الالتزام بنصوص هذه الاتفاقيات , لأن هذه الدول تملك مصالح أستراتيجية داخل العمق التاريخي و الجغرافي و لا تتنازل عنها بسهولة بل تدافع بشراسة عنها . شهد العراق في السنوات الثلاثة الاخيرة أي منذ عام 2014 احداث كثيرة تركت بصماتها على حياة العراقيين و المنطقة بأكملها منها عمليات الإقصاء التي مارستها حكومة المالكي مع المكون السني و ظهور الجماعة الارهابية (داعش) و قطع الموازنة و الرواتب عن اقليم كوردستان و الإقصاء التدريجي لها .
بعد استلام حيدر العبادي لرئاسة الوزراء أكمل مشوار سابقه بحلة جديدة فقد اجاد ادارة ملف المفاوضات مع الاقليم و ايجاد التنسيق المشترك بين القوات العراقية و الثيشمةركة في محاربة داعش و تحرير مناطق شاسعة من سيطرة داعش خاصة قضائي تلعفر و الحويجة , و كانت كل الاشارات تدل على ان الحكومة العراقية تنتظر الفرصة السائحة لمحاربة الاقليم سياسياً و عسكرياً , و ما ان أوشكت القوات العراقية من النهاية في حربها مع داعش إلا و بدأت توجه فوهات بنادقها الى الاقليم لتطلق كيدها المسموم المتراكم و حقدها الدفين لتجربتها الديمقراطية الى العلن , و مرحلة عقد الاتفاقات الداخلية و الاقلمية دخلت حيز التنفيذ و الكل يحمل تحت ابطيه اهدافه , و بدأت الحركة الدبلوماسية تتفاعل بين العواصم و نشطت خاصة بعد قرار الشعب الكوردستاني باجراء الاستفتاء الشعبي في 25/9/2017 رغم المناشدات الدولية المتعددة بتأجيلها او إلغاءها و منح الاولوية لحرب داعش .
إن الزيارات المتتالية لرئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي) الى عواصم دول الجوار يحمل بين طياته الكثير من المعاني , و كل عاصمة تريد منه التوقيع على أتفاق لصالحها و تحمي اجنداتها في العراق , فالسعودية تريد منها الخروج من كنف الدولة الايرانية و الاهتمام بسنة العراق و الاشتراك في الامور الاقتصادية و الاستثمارية تحت سقف (مجلس التنسيق العراقي السعودي) كخطوة في أتجاه تحسين العلاقات بين الدولتين بإشراف و مباركة امريكا , و مصر و الاردن يريدان من العراق ان يلعب دوره المنشود مستقلاً بعيداً عن تأثير ايران , أما تركيا التي تحمل الكثير من الاطماع و لديها نقاط الخوف في العراق فانها دعت العبادي الى إخراج قوات حزب العمال الكوردستاني من اراضيها ، لانها تشكل تهديداً لأمنها القومي و تأمين ضخ النفط الى ميناء جيهان و محاولة قطع الصلة بين اقليم كوردستان و كوردستان الغربية في سوريا , و إبقاء معسكراتها في داخل العراق , و الاهتمام بمطاليب التركمان , و قد لاقت المطالب التركية ترحيباً من قبل العبادي , أما ايران ذات النفوذ الواسع و المؤثر في القرار العراقي فانها تعمل بكل اجنداتها لتبقى العراق من جنوبه الى شماله اسيرة سياساتها و تقف ضد المصالح الامريكية و الغربية , و تستولي على منابع النفط سواء في كركوك او غيرها من المناطق و تحاول اكمال الهلال الشيعي الممتد من طهران الى بيروت مروراً بالعراق و سوريا و لديها من الاتفاقات مالا تحصى مع العراق تسمح لها ان تفعل ماتشاء و تلزمها القيام باعمال و تصرفات تصب في مصلحة ايران و امريكا الذي قدمت التضحيات الكبيرة و انفقت الاموال الطائلة لتحقيق مصالحها في المنطقة و خاصة العراق تقف الى جانب العبادي و تحاول مساندته باعتباره الاقرب اليهم و دعمه في الانتخابات القادمة , و يطالبه بمحاربة الاجندات الايرانية و ميليشياتها و ان الحشد الشيعي يعمل وفق السياسات الايرانية , و في المقابل يرد عليهم بان الحشد جزء من المنظومة العسكرية العراقية و ابو مهدى المهندس يناضل من اجل العراق في وقت صنفه امريكا ارهابياً و أن يضع مطالب السنة في الاهتمام في وقت ليس بيده حيلة ..
كل هذا و غيره الذي يختفى في بطون الرفوف من الاتفاقات و المطالب المتكررة تأتي في وقت يعيش العراق كدولة في ظل انقسام شيعي و شيعي حيث يقف المالكي على رأسهم ضد كل قراراته و تطلعاته طمعاً في تحقيق الفوز بالانتخابات القادمة و ضرب كل مشاريع العبادي بالحديد و النار , و يعزي احداث مدينة كركوك بعد 16/10/2017 الى غيره و لايعتد به  كأنجاز من صنعه , كما و ان فصائل الحشد الشيعي لايتقيدون بأوامره رغم كونه القائد الاعلى للقوات المسلحة لانها مليشيات غير منظبطة تتكون من اكثر من (60) فصيلاً تحمل اهدافاً مختلفة و تتفاوت بقربها من ايران كما ان التيار الصدري و مجلس الاعلى لهما مواقف مغايرة لموقف العبادي في كثير من الاحيان .
و عليه فإن العبادي قد ألزم حكومته بالعديد من الاتفاقات و الوعود لدول الجوار و العالم , بحيث لا يستطيع ان يفي بجميعها في آن واحد لعدم القدرة الداخلية و تضارب التوجيهات الخارجية , لذا فان ممارساته مع اقليم كوردستان و وقوفه الصارم حسب أعتقاده تضمد جراحاته و يخفف كاهل التزاماته و ان الاتفاقات المبرمة بروح تأمرية و كيدية لايجدي نفعاً بل يعود اليه بالضرر فالمكر السيئ لايحقق إلا بأهله . لكن سرعان ماتتغير المواقف الدولية و ان المنطقة مقبلة على المزيد من الاحداث و التطورات التي نرى بأنها لاتصب في صالحه طالما يتمسك بهذه العقلية فعليه القبول بالتفاوض و الجلوس على المستديرة للحوار و الوصول الى الحلول و الكف عن لغة التهديد و منطق القوة .