الرئيسية / افكار / تمشي على حافة السكين- ميسون ممنون حطاب

تمشي على حافة السكين- ميسون ممنون حطاب

خرجت يُسرا مسرعة بعد تعنيف مديرها لها, على تأخيراتها المتكررة, التي كانت تعوضها بالكد بعملها, لولعها وشغفها بما تعمل, لكن كدها لم يكن يشفع لها, لإن الأخير لا يُعنفها للتاخير فحسب, فهو يريدها أن تشعر به وأن تنظر له كما ينظر لها.

يسرا لم تكن فتاة العشرون عاماً, تلك الفتاة التي تحتاج أكثر من حركة لتفهم, فقد مر عليها الكثير بعد أن أصبحت في الثانية والثلاثين من عمرها, وقد فهمت جيداً ما يريدهُ صاحب السيادة, لكنها تأبى أن تشعره بفهمها, لإنها بين نارين, نار الحاجة الى العمل, ونار المعجب الولهان صاحب الخمسون عام.

ماطلت كثيراً بعد 6 أشهر مريرة, قضتها بين تأخير بسبب الأطفال مرة, وبسبب زحام الطرق مرات, لتحاول أيضاً إيجاد منفذٍ لا يؤذي أي طرفٍ, ويحفظ لها سمعتها, التي حاولت بعض الهمازات اللمازات المساس بها, لإمرٍ ليس بيدها, وهو إعجاب المراهق الكبير, رب عملها بها, وإيجاد سبيل رزقٍ آخر, بمدخول يسمح لها بدفع إيجارها مع زوجها المقعد, صاحب محل المواد الغذائية البسيط, وأطفالها الأربعة, لكن أين ستجد عملاً براتب مجزي, وبوقتٍ يناسب العائلة, ويدفع مصاريفها, في بلد المليون عاطل عن العمل.

أخيراً ضاق بمعجبها السبيل من التمليح, وأخذ قراره بمصارحتها بعشقه المكنون, فما كان منها إلا أن تنفجر باكية في لحظتها, لم يفهم السيد العاشق ماذا يحدث, وفي ثوانٍ قليلة سئل نفسه مئة سؤال: هل هي سعيدة بمصارحتي, هل هي متفاجئة, هل هذا بكاء حزن أم فرح.

إقترب منها ليسئلها عن سبب دموعها, وليطبق ما رأه في أحد المسلسلات التركية, عندما يمسح البطل دموع البطلة, فصرخت يسرا بوجهه ماذا تفعل هل أنت مجنون, ألم تستطع أن تنتظر قليلاً, وخرجت مسرعة من مكتبه, ظل هو غارقٌ في التفكير ذهاباً و إيابا, ما الذي تقصده بإن أنتظر, ماذا أنتظر, فلم يفهم معنىً لكلامها هل هي موافقة على مصارحته أم ماذا؟

بقي بتساؤلاته المجنونة ينتظر, ويرن على هاتفها كل عشرة دقائق, بلا جواب إختفت يُسرا لثلاثة أيام, إعتبرتها إستراحة قصيرة مدفوعة الأجر, ريثما تجد حلاً لحيرتها, فكانت تخرج صباحاً لتعود مع وقت عملها إلى البيت, دون أن يعلم أحد ما جرى بينهما, فلن يرحمها لسان, والإتهامات جاهزة ومفصلة على مقاس أيُ إمراةٍ, حتى لو لم تكن جزءاً من أي موضوع, يكفي إنها أسرت أحداً بجمالها, فهذه لوحدها تهمة جاهزة ومغلفة بغلاف التقوى المخادع.

كانت يُسرا تجوب الشوارع مع سيرتها الذاتية المُتلئلأة, لتجد عملاً ينقذها, لكن دون جدوى إلا مقابلة عمل واحدة في شركة لإحد المعارف الذين راجعوها في عملها السابق, وعدها رب العمل بالإتصال بها بعد يومين, عادت لعملها وكأن شيئا لم يكن, ومعجبها يتلوى لمعرفة النتيجة لكنها كانت تراوغ حتى نهاية يوم العمل, وكانت تنسحب وتخرج من العمل بلا أن ينتبه, يوميان على هذه الحالة وفي اليوم الثالث, ناداها المدير الوقور بصوته الجهور, سيدة يُسرا, أريدك في مكتبي لإمرٍ عاجلٍ, وعندما دخلت, إختفى صاحب الصوت الجهور, وحل محله المعجب الولهان.

ما بك حبيبتي, أين كنت, ولماذا تهربين مني, فردت عليه بتهرب: أستاذ إن ولدي مريضٌ وأنا متوعكة منذ عدة أيام, هل من الممكن تأجيل هذا الموضوع لوقتٍ آخر, فلم يرى المعجب, الذي إنقلب إلى حبيبٍ في وقتها من مشكلة, قال لها: أنتظرك دهراً كاملاً لو شئتِ, وهي تقول في نفسها يا لك من كاذب مخادع, إصبر لأجد عملاً وبعدها لكل حادث حديث, وخلال بضعة أيام إتصلت عليها الشركة الأخرى, وأبلغتها بقبولها بالوظيفة الجديدة, وإنها تستطيع أن تباشر بعملها من يوم غد.

فأختفت من عملها دون توديع أحد, فلم يكن بين من عرفتهم إنسانا رحيما معها, فزملائها كانوا يتنابزون عليها, ومديرها ينتظر إفتراسها لكنها وضعت إستقالتها على مكتبها قبل المغادرة بكل هدوء قاتل.

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.