الرئيسية / افكار / حول تحالف الشيوعي العراقي مع التيار الصدري الإسلامي- عبدالخالق حسين
عبدالخالق حسين

حول تحالف الشيوعي العراقي مع التيار الصدري الإسلامي- عبدالخالق حسين

من التطورات غير الاعتيادية التي أفرزتها الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، هو التحالف غير المتوقع (سائرون)، بين الحزب الشيوعي العراقي، والتيار المدني، والتيار الصدري (الإسلامي)، بزعامة رجل الدين الشيعي الشاب السيد مقتدى الصدر، المعروف بتقلباته، وتغيير مواقفه السياسية خلال 15 سنة الماضية، والذي لمع نجمه مباشرة بعد سقوط حكم البعث الفاشي بواسطة القوات الدولية بقيادة أمريكا، حيث رفع السيد مقتدى الشعار الإيراني: (كلا كلا أمريكا)، واليوم يرفع شعار: (إيران برة برة… بغداد صارت حرة)، وله علاقات إيجابية مع السعودية، والدول الخليجية الأخرى الحليفة لأمريكا والمعادية لإيران.

وقد أثار تحالف (سائرون) جدلاً محتدماً في أوساط المهتمين بالشأن العراقي، في الداخل والخارج، بين معارض ومؤيد. فالمعارضون يرون هذا التحالف عبارة عن كوكتيل غير متجانس من أيديولوجيات متضادة (الشيوعية والليبرالية والإسلاموية)، لا بد وأن يكون مآله الفشل كما انتهى تحالف الشيوعيين مع البعث في السبعينات من القرن الماضي بكارثة. ويسأل هؤلاء ما هو ضمان النجاح؟
وكنتُ قد ساهمتُ في بعض هذه المناظرات في مجموعة النقاش، مؤيداً هذا التحالف، ومرحباً بالتطور الذي حصل في مواقف السيد الصدر، وأنه يجب أن نرحب بأي تقارب بين القوى الوطنية، وليس هناك أي ضمان للنجاح، بل الحكمة تفيد (أن تحاول وتفشل خير من أن لا تحاول أبداً)، فبدون محاولات وتقبل نسبة من مخاطر الفشل،لا يمكن أن نتقدم أبداً، و هذه هي سنة الحياة.

كذلك بعد نشر مقالي ما قبل الأخير الموسوم (المقاطعون انتصروا على أنفسهم)(1)، علَّق الصديق العزيز، المفكر المصري الدكتور محمد البدري مشكوراً: (احييك على هذا المقال وأتمني ان نقرأ لك اياب وتداعيات نتائج الانتخابات العراقية. فان يكون حزب مقتدي الصدر والحشد الشعبي والماركسيين أغلبية فهو مؤشر له دلالته في تغيير ثقافي وهوياتي يمثل قلقا مقصودا لمملكة الكراهية في الجنوب خاصة مع كراهية ضدها في سوريا واليمن جنوبا).

كما و استلمت رسالة تأييد من المفكر العراقي الأستاذ فياض موسى، مشكوراً، بعد قراءته مداخلاتي في مجموعة النقاش حول قائمة “سائرون”، ونظراً لأهميتها، رأيت من المفيد نقل بعض فقراتها التي قال فيها:
” ان تحليلك لنهج وسياسة التيار الصدري والشيوعيين والتطورات الأخيرة التي طرأت على موقفيهما، وكيفية التعامل معهما، كان في غاية الموضوعية، والعقلانية، ويدل على إدراك واعٍ للصراع القائم والمحتدم على الساحة العراقية، وكيفية الخروج منه بما يقوي ويعضد إرساء مفاهيم الوطنية والديمقراطية، والتكافل المجتمعي، وبناء دولة المؤسسات، ولزاماً على المثقفين الديمقراطيين العمل على دعم هذا التوجه للوقوف بوجه أعداء العملية السياسية والعاملين على إفشالها وإسقاطها، وكبح جماحهم، وهذا لا يتم من خلال سلبية الموقف والمماحكة وإستخدام لغة التسقيط، بل يتم عبرالنأي عنهما.”
وأضاف الصديق: “لقد التقيت في بغداد – ولأكثر من لقاء- بعضوين في قيادة التيار الصدري و وجدت فيهما عقلاً تنويرياً منفتحاً، ونفساً وطنياً عالياً، وتفهماً للصراع الدائر على الساحة، والإثنان لهما تأثير على تطور مواقف مقتدى المتقدمة، وهما من أقنعاه على إنتقاء اللجنة المقترحة والمكلفة باختيار الوزراء التكنوقراط المستقلين، عندما شرع العبادي بتشكيل كابينة وزارته، وكان من أعضائها كل من الدكاترة: المرحوم فالح عبد الجبار، عامر فياض، وفارس نظمي، مما يدل على التطور والتحول الذي حصل على مفاهيم مقتدى. كذلك التعاون والتنسيق الذي كان قائماً بين “التيار المدني” والتيار الصدري في التظاهرات والإعتصامات التي حصلت لأكثر من سنتين، وتقارب الإنتماء الطبقي والمصالح المشتركة بين قاعدة هذين التيارين..علينا أن ننتظر التطورات القادمة حتى يَتضح صواب حكمنا عليه. تحياتي)) انتهى

فعلى ماذا تشير هذه التحولات الحادة ليس في مواقف السيد مقتدى الصدر فحسب، بل وفي مواقف القوى السياسية العراقية الأخرى على ضوء نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت يوم 12 مايس/أيار 2018؟ فوفق أرقام المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 19 آيار 2018، تفيد: ((… حصل تحالف سائرون 54 مقعداً وتحالف الفتح 47 مقعداً وإئتلاف النصر 42 مقعداً وإئتلاف دولة القانون 26 مقعداً والحزب الديمقراطي الكردستاني 25 مقعداً وإئتلاف الوطنية 21 مقعداً وتيار الحكمة الوطني 20 مقعداً، والاتحاد الوطني الكردستاني 18 مقعداً، وتحالف القرار العراقي 11 مقعداً.))(2)
وما يهمنا في هذه المداخلة هو قائمة “سائرون” التي برزت كأكبر قائمة انتخابية (54 مقعداً)، وليست الأغلبية المطلقة. وهذا يعني أنه ليس بإمكان أية قائمة تشكيل الحكومة لوحدها ما لم تتحالف مع قوائم أخرى لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، التي يجب أن يكون مجموع مقاعدها أكثر من 165 عضواً.
والمؤسف أن بعض المشاركين في هذه النقاشات لم يتردد في تحقير وتخوين وتسقيط الطرف الأخر، فمثلاً يتهم معارضو قائمة سائرون، مفوضية الانتخابات بأن تم شراءها من قبل أمريكا والسعودية وإسرائيل. وهناك ضجة واسعة حول احتمالات تزوير النتائج عن طريق التلاعب بالفرز الإلكتروني، لذلك أصدر البرلمان قراراً بإعادة الفرز اليدوي. والبعض يعتبر هذا القرار غير دستوري، ونحن بانتظار ما تتمخض به الأيام.

والسؤال هنا، لماذا يجب دعم التحالف الشيوعي- الإسلامي، أو أي تحالف وتقارب بين القوى السياسية الأخرى؟
لقد أفادت الأرقام التي أعلنتها المفوضية أن 320 حزباً سياسياً وائتلافاً وقائمةً انتخابية شاركت في انتخابات 2018. وهذا الرقم يعطينا فكرة عن مدى تشرذم وتفتت القوى السياسية. نعم نحن مع التعددية السياسية، ولكننا لسنا مع التفتيت والتشرذم، بل من واجبنا العمل على جمع هذه القوى في عدد مقبول للكيانات السياسية، فكلما كثرت هذه الأحزاب ضعفت الحكومة، واستشرى الفساد، وبالتالي انعدم الاستقرار السياسي.

لذلك أوجز أسباب تأييدي للتقارب الشيوعي –الصدري بما يلي:
أولاً، الوضع العراقي ليس مثالياً، ولا البشر مثاليين، ولا يمكن أن يكونوا كذلك، ولذلك يجب التعامل مع هكذا وضع سياسي معقد بمنتهى الحذر والموضوعية والمسؤولية الأخلاقية.
ثانياً، شئنا أم أبينا، وكما أثبتت الانتخابات الأخيرة، أن لرجال الدين، وخاصة مقتدى الصدر وعمار الحكيم، تأثير روحي كبير على قطاع واسع من الجماهير، بدليل فوز قائمة (سائرون) بأكبر عدد من المقاعد (54)، مقعدان فقط للشيوعيين، والبقية للتيار الصدري الديني. كذلك عمار الحكيم، الذي خرج من المجلس الإسلامي الأعلى، وشكل تياره (الحكمة)، فازبـ 20 مقعداً، بينما انتهى المجلس الإسلامي بلا شيء.
ثالثاً، السياسة فن الممكن، وخدمة الجماهير وخاصة الفقيرة، وأغلبها وضعت ثقتها بقائمة (سائرون). والديمقراطية تحتم علينا احترام رأي الناخبين ومعتقداتهم الدينية، ومواقفهم السياسية، بغض النظر فيما إذا اتفقت مع معتقداتنا الفكرية ومواقفنا السياسية أم لا.
رابعاً، لا أعتقد أن مقتدى الصدر سياسياً محنكاً، ولكنه رجل بسيط تنقصه الثقافة والخبرة، فعندما دعى إلى تشكيل حكومة (أبوية)، لا يعني ذلك بالمعنى الفلسفي المعروف في العلوم السياسية عن الحكومة الباترياركية في العصور الاقطاعية في أوربا، بل يقصد بحكومة ترعى مصالح الجماهير كما يرعى الأب الحنون الحريص على مصلحة عائلته. ولكنه في نفس الوقت يمتلك تأثير روحي كبير على الجماهير الشيعية الفقيرة، بسبب مكانة عائلته الدينية، و في نفس الوقت بدأ الرجل يتعلم من أخطائه، وحتى هناك تطور ثقافي في قيادات تياره.

خامساً، كذلك نعرف من التاريخ أن معظم الثورات والانتفاضات الجماهيرية في الماضي كانت تحصل بغطاء ديني. وهنا أود الاستشهاد بما ذكره الراحل حسين مروة، الزعيم الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني، في هذا الخصوص فيقول:
“يرشدنا المنهج العلمي الحقيقي إلى حقيقة مهمة في تاريخ تطور المجتمعات البشرية والحضارات، هي أن التراكمات الكمية ضمن مجرى هذا التاريخ يمكن ان تتخذ أشكالاً مختلفة في تحولها الكيفي. يمكن مثلاً، ان تتحول إلى كيفية سياسية، أو إجتماعية، أو فكرية نظرية، أو إلى نوع من العنف الثوري. لقد تابع إنغلز أشكال المعارضة الثورية لإقطاعية القرون الوسطى كلها، فوجد ان الظروف الزمنية، كانت تظهر هذه المعارضة حيناً في شكل تصوف، وحينا في شكل هرطقات سافرة، وحيناً شكل إنتفاضات مسلحة.(ماركس-إنغلز: المؤلفات، المجلد 8 ص 128-129). إن شكل التحول الكيفي في هذا المجتمع أو ذاك، وفي هذا الزمن أو ذاك، إنما تحدده طبيعة الظروف الملموسة في الواقع الملموس. وربما كانت الظروف هذه مؤهلة وناضجة أحياناً لحدوث تحولات كيفية مختلفة الأشكال في وقت واحد، أي قد تجتمع في ظروف معينة تحولات سياسية واجتماعية وفكرية معاً، قد ترفقها انتفاضات مسلحة، وقد يستغني بها التطور عن أشكال العنف الثوري.”(حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية، ج1، ص 837.)
لذلك يجب أن لا نستغرب من تحالف الشوعيين مع الصدريين، فالغالبية العظمى من أتباع التيار الصدري هم أحفاد وأبناء اليساريين من شيوعيين ووطنيين قاسميين، ولكن الظروف القاسية في عهد حكم البعث الفاشي هي التي جعلت هؤلاء يلجؤون إلى الدين ويتخندقون في المذهب بعد أن يئِسوا من القوى المادية لخلاصهم من الظلم، وهم الذين قاموا بانتفاضة أيار 1991 بعد هزيمة صدام من الكويت.
لذلك يجب أن لا نستغرب من هذا التحالف، فأي تقارب بين الشيوعي والتيار الصدري الديني، وغيرهما يجب أن نرحب به ونشجعه، لأن الجماهير تعاني اليوم من فساد المسؤولين، وهذا التحالف يمثل قفزة نوعية في الوعي السياسي العراقي، ودليل على التطور الحاصل في ذهنية العراقيين في التعامل مع المختلف، و أن مشاكلنا المستجدة لا يمكن حلها بالوصفات الأيديولوجية الجاهزة التي وضعها مصلحون قبل قرون. فنحن نعيش في عصر السرعة بما فيها سرعة التحولات السياسية والاجتماعية، وما يتمخض عنها من مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة، لذلك هناك إعادة اصطفاف القوى وفق القواسم المشتركة حتى ولو كانت على حساب الأيديولوجيا، وإدراك القيادات السياسية أن هذه المشاكل الجديدة تحتاج إلى وصفات جديدة والتخلي عن الأيديولوجيات التي اثبت الزمن فشلها في حل مشاكل العصر، سواءً كانت دينية أم شيوعية.

سادساً، يؤاخذ البعض على مقتدى الصدر سكوته عن أمريكا، وتركه لشعار (كلا كلا أمريكا). وأنا أعتبر هذا التحول إيجابي يجب الترحيب به. فالمعروف عني أني أعتبر معاداة العراق لأمريكا انتحار جماعي، لذلك أطالب دائماً بكسب أمريكا إلى جانب العراق لا حباً بها، بل لتوقى شرورها، والاستفادة من إمكانياتها العلمية والعسكرية والاقتصادية الهائلة. فهذه كوريا الشمالية الشيوعية، العدو اللدود لأمريكا الرأسمالية، راحت تقترب من أمريكا، وأبدت استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، مقابل الاستفادة من اقتصاد أمريكا. ومن يدري، عما قريب ستكون كوريا الشمالية مثل فيتنام والصين في علاقة تجارية قوية مع أمريكا وأوربا، والتخلي عن الاقتصاد الشيوعي الماركسي كما حصل في الصين وفيتنام. كذلك ممكن أن تتكرر تجربة الوحدة الألمانية في كوريا. فإذا كان كل هذه التحولات ممكنة في العالم، فلماذا يعتبرون أي تقارب بين القوى العراقية كفر وإلحاد، وخيانة للأيديولوجية والوطنية؟ فالحقيقة الساطعة تؤكد أن المرحلة تتطلب تغليب الواقعية على الأيديولوجية.
سادساً، انتقدني بعض الأخوة في مجموعات النقاش أني كنت أعارض مقتدى الصدر في الماضي، ورحت أؤيده اليوم، ويعتبرون هذا تقلباً وتذبذباً في المواقف!!. في الحقيقة هذا ليس تذبذباً كما يتصورون، بل هو دليل على فهم الواقع العراقي المعقد، والذي يحتاج إلى مرونة وصراحة في مواجهة الخطأ. فإذا أخطأ القائد السياسي ننتقده، وإن أصاب، فمن واجبنا دعمه وتشجيعه. وهذا من صلب واجبات المثقف والكاتب السياسي.
والجدير بالذكر، إن تغيير المواقف من شخصيات مختلفة ليس بالأمر الجديد، بل نجده في مختلف مراحل التاريخ، وهذا هو التاريخ الإسلامي يؤكد لنا أنه عندما انتصر النبي محمد(ص)، في فتح مكة، كافأ خصومه مثل أبو سفيان بقوله: (من دخل بيت أبي سفيان فقد آمن)، وهذا يعتبر أعلى وسام يمنحه الرسول إلى شخص معروف بتآمره وعدائه له. وكذلك موقف النبي من المؤلفة قلوبهم بمنحهم حصة من الغنائم. فلماذا كافأ النبي هؤلاء؟ السبب هو ليتوقى شرورهم، وتحويلهم من قوة مدمرة إلى قوة داعمة لرسالته.

خلاصة القول، شئنا أم أبينا، مقتدى الصدر يمتلك شعبية واسعة في أوساط الجماهير الشيعية في العراق، وفي السنوات الأولى من تحرير العراق استخدم مقتدى قوته للدمار وزعزعة الأمن، فإذا أمكن توظيف هذه القوة للبناء والإعمار والاستقرار بدلاً من الدمار فما الخطأ في ذلك؟ كما يجب حماية الديمقراطية من أعدائها، ونرحب بأي تقارب بين القوى الوطنية. فالعراق اليوم بأمس الحاجة إلى الأمن والاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي. والواجب الوطني يحتم علينا تغليب الواقعية ومصلحة الشعب على الأيديولجيات التي عفى عليها الزمن. فالمبادئ والأيديولوجيات جاءت لخدمة الإنسان وليس العكس.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.