الرئيسية / افكار / حول تقرير واشنطن بوست عن علاقة البعث بداعش- عبدالخالق حسين

حول تقرير واشنطن بوست عن علاقة البعث بداعش- عبدالخالق حسين

تطرقنا مراراً عن دور البعث في الإرهاب، وعلاقته بالتنظيمات الإرهابية الإسلامية، وأكدنا أن جميع العمليات الإرهابية التي تُرتكب ضد الشعب العراقي تقوم بها فلول البعث، ولكنهم يتخفون وراء أسماء تنظيمات إسلامية بعضها وهمية مثل (جند الإسلام)، و(جيش محمد)، و(النقشبندية) وغيرها، وتنظيمات أخرى دولية حقيقية يتحالف معها البعث ويوجهها كما يريد مثل (القاعدة) وأخيراً (داعش). والحقيقة أن حزب البعث هو تنظيم إرهابي يمارس الإرهاب سواءً كان في السلطة أو خارجها. وقد بات من المؤكد أن جميع التنظيمات الإسلامية الوهابية الإرهابية في العراق هي تحت سيطرة ضباط بعثيين، ولا يمكن تنفيذ أية عملية إرهابية إلا بتوجيه وقرار من هؤلاء البعثيين. فاغلب البعثيين لا يؤمنون بالحياة بعد الموت، وليسوا مستعدين للموت أصلاً، ولكنهم هم الذين يوجهون الانتحاريين ويستفيدون من سذاجتهم وضعف عقولهم فيستخدمونهم كقنابل بشرية لتحقيق غرضهم الرئيسي وهو العودة إلى الحكم.
هذه الحقيقة ذكرناها مراراً وتكراراً في عدة مقالات، وأكدها آخرون، و شكك بها كثيرون. وعذر المشككين هو أن البعث هو حزب علماني لا يمكن أن يتحالف مع تنظيمات إسلامية تؤمن بالعقيدة الوهابية. وأخيراً أصبح الأمر واضحاً كوضوح الشمس في رابعة النهار، فطلعت علينا صحيفة واشنطن بوست لتؤكد هذه الحقيقة ببحث مطول الذي ترجم بعنوان: (ماذا يفعل ضبّاط صدام حسين في “داعش”؟)(1)، وعنوانه الأصلي (The hidden hand behind the Islamic State militants? Saddam Hussein’s)(2)

في هذه المداخلة أقتبس بعض الفقرات من هذا البحث، والتعليق عليها باختصار شديد. فقد أوردت الباحثة (ليز سلاي- مراسلة الصحيفة) الكثير من الحقائق عن دور الضباط البعثيين الصداميين في ارتكاب الجرائم وكيف يستخدمون الإسلامين وخاصة الأجانب، و”إن قادة من حزب البعث السابق تسلموا مراكز قيادية في تنظيم الدولة (داعش)”
تقول الباحثة أنها التقت في سانيلفور التركية مع أبي حمزة ((وهو مقاتل سوري وافق على الانضمام لتنظيم الدولة، وبدلا من ذلك وجد نفسه تحت قيادة شخصية عراقية غامضة انتقلت إلى سوريا. وعندما خالف أبو حمزة أميره العراقي، وضع تحت الإقامة الجبرية، وحوكم أمام رجل ملثم استمع إلى محاكمته بصمت وكان يسجل الملاحظات. ولم يكتشف أبو حمزة، الذي جاء من ريف سوريا، هوية أميره العراقي الذي كان ينادى باسم مستعار، لكن كانت تقف وراء هذه الأسماء قيادات سابقة في نظام صدام حسين، بينهم الأمير الملثم الذي عمل في المخابرات العراقية سابقا، ويقدم الآن خدماته لتنظيم الدولة)).
وتضيف الكاتبة: ((وبالرغم من اعتماد التنظيم على المقاتلين الأجانب، إلا أن قيادته عراقية، بما في ذلك قادة الأجهزة الأمنية السرية وأمراء التنظيم وقادته الميدانيون الذين جلبوا معهم خبراتهم العسكرية والأمنية وبعض الأجندات وشبكات التهريب، التي طورت في التسعينيات من القرن الماضي؛ لتجنب العقوبات التي فرضت على النظام العراقي بعد غزو الكويت)).
وكان أبو حمزة قد هرب إلى تركيا بعد شعوره بالخيبة من التنظيم وقادته، ويقول: “كل صناع القرارات عراقيون، والقادة هم ضباط عراقيون يتخذون القرارات التكتيكية، ويخططون للمعارك ولكن العراقيين لا يقاتلون، بل يتركون للمقاتلين الأجانب أمر القتال على الجبهات”.
ورغم التناقض الظاهر بين عقيدة البعث العلمانية، وعقيدة داعش الإسلامية الوهابية، تستنج الكاتبة أن هناك مشتركات بينهما “فالقسوة التي طبعت حكم صدام حسين هي ذاتها وأكثر التي تطبع ممارسات تنظيم الدولة… والميول الدينية التي طبعت نظام صدام في سنواته الأخيرة، أي قبل غزو عام 2003، والحملة الإيمانية عام 1994، وهو ما أثر على تحول البعث من عقيدة علمانية إلى إسلامية.  ففي هذه الفترة تم العمل بأحكام الشريعة، وأضيفت عبارة “الله أكبر” إلى العلم العراقي. وبدأ بعثيون سابقون بالتحول نحو السلفية، وتوقفوا عن شرب الخمر، وأصبحوا أكثر التزاما بالشعائر الدينية.”
إن ما أوردته الباحثة أعلاه هو غيض من فيض من الحقائق عن ألاعيب وحيل وتكتيكات البعثيين لتحقيق غاياتهم، وهم لا يعترفون ولا يلتزمون بأية قيم اخلاقية أو مبادئ في سبيل تحقيق أغراضهم.
ولكن ما يؤاخذ على البحث هو تكراره لنفس الاسطوانة المشروخة عن التبريرات التي يرددها الإعلام العربي المضاد للعراق الجديد، عن أسباب صعود هذه التنظيمات الإرهابية مثل قولهم أن السبب هو قرارات بول بريمر، الحاكم المدني للقوات الدولية بقيادة أمريكا، وأنه بجرة قلم قام بـحل الجيش العراقي، وألقى 400 ألف عسكري في أحضان البطالة والفقر، فلم يكن لديهم بد من تبني المقاومة. وتضيف الباحثة: “وساعد البغدادي في جهوده لتجنيد البعثيين حملة اجتثاث البعث التي قادها نوري المالكي، رئيس الوزراء المعزول بعد رحيل الأمريكيين عام 2011.”

هذه التبريرات باطلة وقد فندناها في عدة مقالات، ولكن لا ضير من الإعادة وباختصار شديد.
أولاً، قرار حل الجيش:
في الحقيقة هذا الجيش اختفى يوم سقوط النظام في 9 نيسان 2003، وبتوصية مسبقة من صدام حسين، كما صرح أحد القياديين البعثيين بذلك للحفاظ على قواتهم وأن يشنوا حرب العصابات فيما بعد. فقرار بول بريمر صدر بعد ثلاثة أشهر من السقوط ولم يكن لهذا الجيش أي وجود  منظور في الشارع العراقي خلال هذه الفترة، وكان قرار بريمر بمثابة توقيع شهادة وفاة لهذا الجيش الذي كان مسيساً أصلاً، إضافة إلى أن صدام أفسده بأيديولوجية البعث. فمن البديهي أنه لا يمكن الجمع بين حكومة ديمقراطية وجيش مسيس ومؤدلج بالعفلقية. إضافة إلى أن كل الضباط والمراتب الذين تم تسريحهم، مُنِحوا رواتب تقاعدية مغرية مدى الحياة تعادل رواتبهم في عهد صدام مئات المرات. كذلك تم إعادة الغالبية العظمى من ضباط ومراتب الجيش السابق إلى الجيش الجديد.
وعن تضخم الجيش القديم، قال بول بريمر، أن الجيش الأمريكي يتكون من مليونين عنصر، فيه 300 جنرال فقط، بينما الجيش العراقي الصدامي الذي كان عدده نحو 400 ألف عنصر كان فيه 12 ألف جنرال، فماذا عسى أن يعمل الجيش العراقي الجديد بهذا العدد من الجنرالات؟ وقد شرحنا مبررات حل الجيش في مقالنا الموسوم (عودة إلى موضوع حل الجيش العراقي السابق)(3)

ثانياً، حول قرار اجتثاث البعث (Debaathification): هذا القرار جاء على غرار قرار اجتثاث النازية الألمانية والفاشية الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية. والحقيقة تؤكد أن حزب البعث يتحمل مسؤولية جميع الكوارث التي حلت بالشعب العراقي وشعوب المنطقة، وعليه فهو لا يقل سوءً، إن لم يكن أسوأ من النازية والفاشية وأية حركة عنصرية ضد الإنسانية. وعليه فإذا كان اجتثاث النازية والفاشية ضرورة لا بد منها، فكذلك اجتثاث البعث. فتاريخ البعث يؤكد أنه لا يمكن الثقة به وقبوله كحزب سياسي مشارك في حكومة ديمقراطية. فالبعث يعقد التحالفات مع القوى الأخرى، فقط في حالة ضعفه، ولكن ما أن يثبِّت أقدامه حتى وينقلب على القوى الحليفة ويفتك بها ويعمل على إبادتها. والبعث لا يقبل بالمشاركة في حكومة ديمقراطية إطلاقاً وإنما باحتكار السلطة كلها، وهذا واضح من بيانات فلوله أنهم يعملون على إلغاء كل ما تحقق بعد 2003، وهذا مرفوض لأنه بمثابة انتحار جماعي للشعب العراقي. يرجى مراجعة مقالنا (البعث والقاعدة وجهان لتنظيم إرهابي واحد)(4).   

ثالثاً، تهمة تهميش السنة من قبل المالكي: هذا الموضوع هو الآخر تناولناه مراراً وأثبتنا بطلانه. إن السيد نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، والنائب الأول لرئيس الجمهورية حالياً، لم يقم ولم يكن بإمكانه تهميش أو إقصاء أو عزل أي مكون، ولم يكن هو من وضع نظام المحاصصة في الحكم، بل استلم رئاسة الحكومة عام 2006 ولم يكن بإمكانه تغييره. وإنما تهمة التهميش هي أسهل طريقة لتبرير الإرهاب وإيجاد كبش الفدى لإلقاء اللوم عليه، وأرادوا بها التخلص من المالكي لأنه تمسك بالدستور، ورفض التجاوز عليه كما ورفض معاداة إيران والمشاركة في إسقاط بشار الأسد. والآن اعترفت أمريكا بصحة وجهة نظر المالكي في موقف العراق من إيران وسوريا.
فحصة مكونات الشعب العراقي في حكومة الدكتور حيدر العبادي هي نفسها في حكومة السيد نوري المالكي دون زيادة أو نقصان. وإذا كان السيد نوري المالكي هو سبب الإرهاب الداعشي في العراق، فما هو سبب الإرهاب في ليبيا والصومال ومصر والجزائر واليمن وغيرها، وهي دول ليس فيها شيعة أصلاً، ولا صراع طائفي. راجع مقالنا (التهميش، وثياب الامبراطور الجديدة)(5). 
خلاصة القول: السبب الحقيقي أيتها السيدات والسادة، هو أن الإسلام السياسي يريد الهيمنة على الحكم وتحت مختلف المعاذير، ويبحثون عن أسباب مختلفة باختلاف البلدان. وفي العراق تحالف البعثيون مع الإسلام السياسي للوصول إلى السلطة. وقد وجد هؤلاء، ومعهم الإعلام المضاد والسعودية وغيرها من الحكومات العربية وتركية في حل الجيش واجتثاث البعث وفرية تهميش السنة والكرد مبرراً للإرهاب، وهو ليس كذلك.
فهؤلاء لم يسألون أنفسهم، ماذا سيكون وضع العراق بعد 2003 لو لم يتم حل الجيش، واجتثاث البعث، وأبقوا كل أجهزة حكم البعث الصدامي الأمنية والعسكرية في مواقعها سالمة دون أي مساس. وهل يقبل البعث بالنظام الديمقراطي؟ الجواب كلا وألف كلا.
فالحقيقة كما اعترفت بها الكاتبة في ختام بحثها في الـ(واشنطن بوست) بالإشارة إلى أنه سواء آمن البعثيون بعقيدة تنظيم الدولة أم لا، فتحالف البعث هو تكتيكي وهدفه الحقيقي هو السيطرة على السلطة.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com  
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.