الرئيسية / افكار / صدّام حسين في عفرين- حازم الأمين

صدّام حسين في عفرين- حازم الأمين

حازم الأمين

كان محبطاً فعلاً أن تتولى جماعة من “الجيش الحر” استحضار شعارات من الثورة السورية في سنتها الأولى، وأن تطلقها في تظاهرة غريبة عجيبة نظمتها لدعم حملة رجب طيب أردوغان على مدينة عفرين. وليس ابتذال شعارات الثورة التي صارت حرباً أهلية ما بدا غريباً في هذه التظاهرة، انما أيضاً إقحام اسم صدام حسين بصفته “بطلاً” توازي بطولته “بطولة” أردوغان في هذه التراجيديا. وللمرء أن يطلق لنفسه عنان الاستنتاج، فصدام خارج المشهد الواقعي للمذبحة السورية اليوم، وهو اذ يدخلها بصفته أيقونة من أيقونات “الظلامة السنية”، يُستحضر في لحظة لا تمت لمتن “الجرح السني”  بصلة مباشرة، ذاك أن الحرب هذه المرة تشتغل على جبهة أخرى، هي الجبهة التركية الكردية، وصدام هنا ليس في صلب هذا الصدع.
يعيدنا هذا المشهد إلى حقيقة بائسة من حقائق الحروب الأهلية المشتغلة في إقليمنا منذ عشرات السنين. شيعة العراق هم ضحايا صدام حسين، وهم اليوم يقاتلون إلى جانب جلاد أقرانهم في سورية، أي بشار الأسد. وسنة سورية ضحايا بشار الأسد يرفعون صورة طاغية وجلاد أقرانهم في العراق. الجماعتات تشكلان غالبيتان في بلدهما، وكل واحدة منهما تحب جلاد الجماعة الأخرى وتكره جلادها. ثمة قدر من التعميم في رسم هذا المشهد، لكن ثمة قدر كبير من الحقيقة. وهذه مأساة تدفع إلى التفكير بمضامين الظلامات، وإلى التمهل في الذهاب مع المظلوم إلى حيث يمكن أن تأخذك ظلامته.
لكن لماذا هتف عناصر “الجيش الحر” في تظاهرة لدعم أردوغان لصدام حسين؟ هذا التساؤل ليس من قبيل المعاتبة أو التحسر انما محاولة لسبر المشاعر التي رافقت مقاتلين سوريين في طريقهم لقتال سوريين آخرين، في حرب يخوضها جيش غير سوري. الحماسة التي أبداها هؤلاء المقاتلين وهم في طريقهم إلى هذه الحرب تعيد طرح السؤال الأصلي عما اذا كانت سورية هي سورية فعلاً. ثم أنه منذ متى صار الأكراد، بقوتهم الأكثر راديكالية والأكثر قومية، أي حزب العمال الكردستاني، مصدراً لاستدراج هذا القدر من المشاعر الفضة والقاتلة. تظاهرة المقاتلين في تركيا تكشف عن ضغينة تشكلت على مدى عقود، وما تجربة “روج آفا” سوى محطة فيها. والقول في أنها ضغينة قومية لا يكفي، ذاك أن المقاتلين السوريين ذاهبون إلى حرب بين الأتراك والأكراد، ولا موقع فيها للجرح النرجسي العربي الذي استحضر صدام في سياق اشتغاله في نفوس هؤلاء.
الأرجح أن على المرء أن يبحث في هذه المشاعر عن أثر للاخوان المسلمين ربما، ليس بصفتهم من اشتغل عليها بشكل مباشر، انما بصفتهم مسؤولون عن مراكمة وعي تولت فيه عروبة ما طرد غير العرب من الوجدان الأكثري السني، ثم عادت وألحقت هذا الوجدان بما تمثله تركيا من بقايا خلافة، جاء أردوغان ليعيد بعثها. وصدام ليس بعيداً عن “الوجدان الاخواني” السوري تحديداً، فهو من أوى الهاربين من قيادة هذه الجماعة، وهو من سبق أن بث في قناعاتهم طموحات في السلطة في سورية.
لكن لصورة صدام في التظاهرة، وللهتاف له، مصدر آخر، فصدام “قاهر الكرد” وقاتلهم بالسلاح الكيمياوي، واستحضاره في سياق هذه الحماقة، موازٍ لاستحضار الجماعات الأهلية صور طغاة الجماعات الأخرى. صدام قاتل الأكراد، كما هو قاتل الشيعة، فيما بشار الأسد قاتل السنة، وبالسلاح الكيمياوي أيضاً. الضحية تحب جلاد الضحية الأخرى وتطالبها بكره جلادها. وكلما رفع الجلاد من منسوب الجريمة، كلما خاطب في الجماعة الأخرى مزيداً من الحب.
وهنا علينا أن نبحث لأردوغان على موقع في هذه المأساة وهذه الملهاة. فالرجل عدو الأكراد وطاغيتهم. بالأمس القريب تحالف مع الشيعة في العراق لمنع الأكراد فيه من تحقيق حلمهم بالإستقلال، وها هو اليوم يفك اشتباكه مع النظام في سورية في سياق حربه على الأكراد.
لا بأس إذاً، فأردوغان قاتل “الأغيار” يصلح لأن يكون بطلنا، حتى لو فك اشتباكه مع قاتلنا.

هنا القصة الثالثة

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت