الرئيسية / افكار / كلا، لم يحن الوقت بعد لذبح البقرة السعودية!- عبدالخالق حسين
عبدالخالق حسين

كلا، لم يحن الوقت بعد لذبح البقرة السعودية!- عبدالخالق حسين

لا شك أن مقتل الصحفي السعودي المعارض، جمال الخاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا على أيدي رجال الأمن السعوديين يوم 2 أكتوبر الجاري، يعتبر جريمة بشعة لا مثيل لها في الوحشية، يندى لها الجبين، لذلك أثارت غضب واشمئزاز واستنكار العالم كله، خاصة وقد أكدت الحكومة التركية أن لديها أدلة بالصوت والصورة، عن وقائع الجريمة، وليس بإمكان الحكومة السعودية إنكارها. كذلك اهتمام الاعلام العالمي والمنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة بهذه الجريمة، مما أضطر حتى الرئيس الأمريكي دولاند ترامب، الصديق اللدود المقرب للعائلة السعودية الحاكمة، إلى استنكار الجريمة وإدانتها، وتهديده بمعاقبة السعودية عقاباً شديداً إذا ما ثبت ضلوعها بالجريمة! و”لكن بدون إلغاء صفقات السلاح”!!(1)

ورغم أن مقتل صحفي ليس بالأمر الجديد، إذ هناك عشرات الصحفيين يُقتلون سنوياً في مناطق مختلفة من العالم، بل وحتى هناك شعوب تتعرض للإبادة كما الحرب السعودية على الشعب اليمني الآن، ولم يثر هذا الاستنكار والإدانة العالمية، إلا إن الطريقة الوحشية الهمجية البشعة التي مارسها المسؤولون السعوديون في قتل الخاشقجي، هي التي أثارت كل هذا الاستنكار والاشمئزاز، حيث تم قتله إثناء التحقيق معه تحت التعذيب الوحشي في القنصلية السعودية في اسطنبول، ومن ثم تقطيع جسده بمنشار عظام جلبه فريق الأمن السعودي معهم، جاؤوا خصيصاً لتنفيذ هذه الجريمة حسب تقرير مراسل بي بي سي (BBC Radio4 صباح يوم 16/10/2018)، ليسهل عليهم التخلص من جثة القتيل وإخفاء معالم الجريمة.

وإزاء تهديدات ترامب ضد السعودية، استبشر الأخيار في العالم خيراً أن نهاية مملكة الشر قد دنت، خاصة وأن أمريكا لم تعد بحاجة إلى النفط السعودي، وذلك لوجود مصادر الطاقة المتجددة، وغيرها، وأنه (ترامب) قال مراراً خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016، وبعدها، أن السعودية هي البقرة الحلوب، وإذا ما جف ضرعها فإنها ستذبح. وقد حان الوقت، وهاهي أمريكا تتهيأ لذبح البقرة السعودية بعد جفاف ضرعها، وتصاعد وتيرة جرائمها ضد الإنسانية، وتدهور سمعتها إلى الحضيض.

في الحقيقة البقرة السعودية لم يجف ضرعها بعد، إذ مازالت وحسب تصريحات ترامب نفسه، أنها تملك أموالاً هائلة تقدر بالتريليونات الدولارات، وعليها أن تدفع لأمريكا تكاليف حمايتها، وأنه لولا الحماية الأمريكية لما صمدت السعودية يوماً واحداً…الخ. كذلك تشكل السعودية مع إسرائيل الذراع الضاربة لأمريكا في المنطقة، فالسعودية ليست تملك أموالاً هائلة فحسب، بل ومازالت أمريكا والغرب بحاجة إلى النفط السعودي، إضافة إلى العقيدة الدينية الوهابية التكفيرية التي بواسطتها تمت برمجة وتسميم عقول مئات الألوف من الشباب المسلمين، وتحويلهم إلى قنابل بشرية، وتشكيل منظمات إرهابية مثل القاعدة وطالبان وداعش وغيرها كثير، تشكل ما يسمى بـ(الجيل الرابع) في شن الحروب، واستخدامها هراوة تضرب بها أية حكومة تهدد أمن إسرائيل، ومصالح أمريكا في العالم.

لذلك، فأمريكا مازلت بحاجة إلى النظام السعودي، وما تهديدات ترامب للسعودية إلا مسرحية لذر الرماد في العيون، والإستهلاك المحلي، فقد أشغلت الإدارة الأمريكية نفسها في الأيام القليلة الماضية في عملية إيجاد طريقة للخروج من المأزق، وتمهيد الطريق لتبرئة القيادة السعودية العليا من الجريمة، وبالتالي تبرير عدم معاقبتها، واستمرار العلاقة الودية وخاصة التجارية معها و(Business as usual).
فقد قال ترامب للصحفيين بعد مكالمة هاتفية أجراها مع الملك سلمان بن عبد العزيز، إن العاهل السعودي نفى تماما علمه بما حدث لخاشقجي. و إنه بعث وزير خارجيته، مايك بومبيو، إلى السعودية لإجراء محادثات عاجلة مع الملك سلمان.(نفس المصدر-1)

وماذا نتوقع من هذه التهديدات والاتصالات؟
لا بد أنه تم الاتفاق بين أمريكا والسعودية وحتى تركيا، إذ تحدثت صحف عربية عن إمكانية التوصل إلى “صفقة” ثُلاثيّة، أمريكيّة تركيّة سعوديّة، لإغلاقِ ملف اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي.
وتتم الصفقة بإيجاد ذريعة لتبرئة القيادة السعودية كالتالي: أن تعترف السعودية بأن الصحفي جمال الخاشقجي فعلاً تم قتله في القنصلية السعودية في تركيا إثناء التحقيق معه على أيدي بعض الموظفين في القنصلية، ولكن بدون علم القيادة السعودية العليا (أي الملك سلمان وابنه الأمير محمد ولي العهد). وأن قتل الصحفي المعارض حصل خطئاً كحدث طارئ (by accident)، إثناء التحقيق معه بواسطة موظفين مارقين (Rogue officials). وأن “قتلة خارجون عن السيطرة ربما كانوا وراء اختفاء خاشقجي”. وربما سيتم معاقبة عدد منهم واتخاذهم اكباش فدى، وتبرئة الملك سلمان، وابنه المهيمن على كل شيء في السعودية. فهل يُعقل أن تحصل هكذا جريمة كبرى في سفارة دولة بوليسية مثل السعودية، بدون أوامر أو حتى علم من الملك وابنه؟ هذا مستحيل.

هذا مجرد تبرير واهي لإعادة العلاقة بين أمريكا والسعودية إلى حالتها الطبيعية الودية. وقد قالها ترامب صراحة عندما سأله الصحفيون عن نوعية العقوبة التي يهدد بها السعودية، وهل ستشمل تصدير السلاح؟ أجاب: كلا، لأننا في هذه الحالة سنعاقب أنفسنا ونخسر عشرات المليارات الدولارات سنوياً.
وهكذا نستنتج أن السعودية تحتاج أمريكا لحمايتها من شعبها، وأمريكا تحتاج السعودية لحلب ضرعها الذي مازال يدر لها المئات من مليارات الدولارات.

فالسعودية لن تسقط على يد أمريكا، بل إذا شاء لها السقوط فإنها ستسقط على يد شعبها، وبالأخص بسبب الصراع الدائر بين أمراء العائلة الحاكمة أنفسهم، وتذمرهم من تصرفات الطاغية ولي العهد محمد بن سلمان الذي أثبت أنه نسخة من صدام حسين في تهوره، واستبداده، وتعامله بمنتهى القسوة مع كل من يعارضه في الرأي.
وفي هذا الخصوص تفيد الأنباء أن أحد الأمراء، واسمه خالد بن فرحان آل سعود (41 سنة)، اللاجئ حالياً في ألمانيا، كشف أن السلطات السعودية قد وعدت بإعطائه مبالغ كبيرة من الدولارات مقابل ذهابه إلى القنصلية السعودية في القاهرة، والتحدث إلى السلطات، إلا إنه رفض خوفاً من أن يلقى مصير الخاشقجي. وقال إن خمسة من أفراد الأسرة الملكية حاولوا رفع صوتهم ضد اختفاء خاشقجي، وقد تم احتجازهم على الفور، واضاف أن هناك العديد من الأمراء في السجن الآن في المملكة العربية السعودية. وأنه قبل خمسة أيام حاولت مجموعة من الأمراء زيارة الملك سلمان، للإعراب عن خوفها على مستقبل عائلة آل سعود، وذكروا قضية السيد خاشقجي، فتم وضعهم جميعاً في السجن ولا يُعرف مصيرهم، وأن الجميع خائفون.(2)

ومن كل ما سبق، نعرف أن غضب ترامب على السعودية، وتهديداته بالعقوبة الشديدة ما هي إلا مسرحية من نوع الكوميديا السوداء، وأن البقرة السعودية لم يجف ضرعها، لذلك لم يحن الأوان بعد لذبحها، بل الأمل هو في انهيارها من الداخل، وذلك بسبب ما يرتكبه ولي العهد المتهور، محمد بن سلمان من جرائم بشعة ضد الشعب السعودي، وبحق الإنسانية جمعاء، ومصيره ونظام حكمه سيكون كمصير أي طاغية في التاريخ.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.