الرئيسية / افكار / مايشبه اللوعة والاسى لرحيل نبيل مغترب قسرا..فاروق عبد الجليل برتو نموذجا
رشدي رشيد الرمضاني

مايشبه اللوعة والاسى لرحيل نبيل مغترب قسرا..فاروق عبد الجليل برتو نموذجا

مايُشبه الّلَوعَة والأسى لرَحيلِ نَبيلٍ مُغتَربٍ قَسراً

ألأستاذ د.فاروق عبد الجليل برتو نَموذجاً

 

( أجراسُ موتى في عُروقي تُرعشُ الرَنين،

فَيدلَهمُّ في دَمي حَنين،

الى رصاصةٍ يَشُقُ ثَلجَها الزّؤام،

أعماقَ صدري كالجَحيم يُشعِلُ العِظام،)

أودُّ لوعدّتُ أعضِدُ المُكافحين،

أشدُّ قَبضَتي ثمَّ أصفَعُ القَدَر،

أودُّ لو غَرَقتُ في دَمي الى القرارِ،

لأحملَ العبءَ مَعَ البَشَر،

وأبعَثُ الحَيّاةَ إن موتي إنتصار.) بذا حسمها السياب بدر شاكر.

••• عبد الجليل حسن برتو، القانوني القضائي البارز الإداري الكفء،

ومؤسس مجلس الخدمة العامة. ولد في الديوانية عام ١٩٠٢

ينتسب لقب العائلة الى جدهم بأسمه ولقبه ( پيرتيڤ/ PERTEV ) ويرتد

الى الحاج بكتاش( المتصوف المعروف، مؤسس الطريقة البكتاشية.)

فِي العراق تحوَّل اللقب وتحور وأستَقَرَّ إلى برتو. للعائلة مقام كبير في

الدولة العثمانية. والجَد ألأكبر أعدَمَهُ السلطان العثماني، أمامه بالسم،

في وقتٍ كان مستشاره. عائلة عَريقة وتاريخ مُشَرِف. أبناء وأحفاد حملوا المَوقف والخُلُق السامي، وعُرِفَت بسلوكِهِم وبالجيرة وبالتَلازُم والشَخصي.

••• قبل بضعة أيام أهداني الراحل فاروق، مؤلفه القيّم ( ذكريات عراقية )

وشَفَعَها برسالةٍ خَطيّة، وقبلها بالحَديث المُباشِر، ورَسائل مُتَبادَلة على

الخاص . طَلَبَ مني تَصْحِيح ما يُنسَب للعائِلة. حَيثُ سَبَقَ وأن ذَكَرتُ الوالد وسيرَتُهُ، عندالكتابة عن الصديق الراحل حسن كاظم النهر، والمنشورة بصَفحَتي على الشبكة ( فيسبوك ) كما وَرَدَ ذكرُهُ أيضاً، حيّن كَتَبتُ عن

سيرَة وحياة وشعر الراحل بلندأكرم الحيدري، بذات المجال. لذا تمَّ النشر .

••• جدته لأبيه كُردية من السليمانية، انتقلت الى بغداد، وتَزوَجهاالجَد حسن برتو، وكان موظفاً أيام الدولة العثمانية، تنقل بين العمارة والديوانيةً.

أستقرت العائلة في بغداد لفترة، بحكم الوظيفة والأهتمام بدراسة الأولاد،

درس الوالد( عبد الجليل ) بكلية الحقوق، وعاد للبصرة ومارس المحاماة.

بعدها تنقل بوظائف مختلفة. عين في بغداد، مسؤلاً عن مشروع الدجيل

عام/١٩٤٤، بعدها عاد لسلك القضاء، مفتشاً إدارياً، ومتصرفاً للواء كركوك. وعودة إخرى لسلك القضاء بأعلى المراتب، وعضواً في محكمة تمييز العراق. وآخرها تمَّ إختياره ، رئيساً لمجلس الخدمة ( المدنية)، وكمؤسسٍ لها..

بعدها استقرَّت العائلة في بغداد/ الوزيرية، أخر مطاف لسكناهم. كانت الروايات والأخبار المُتَداولة، حول أبا فاروق ونَزاهَتّهِ وغزير علمه، في الإدارة والقانون تَتْرى. سأورد مثالاً يختصر الحديث. تَحَدثَ يَوماً الصديق السيد عبد الكريم الياسري، بأنه تقدم لأمتحان على أول إعلان من لدن مجلس الخدمة لتأهيل المستحق. فِي القاعة ومع توزيع الأسئلة، دخل الاستاذ عبدالجليل وبيده رزمة أوراق، وقال أجيبوا فالأعمال سَتُنَسَب لِمَن يَتأهل بالإمتحان . أما هذه الرسائل فمن جاء بها، لابدَّ أن يعلم والجميع، أنَّ مكانها سلة النفايات، وسار نحوها وأودعها الأوراق. وقال هذا مكان التوسط اليوم وكل يوم . كانت نتيجته السيد الياسري النجاح وتم تعينه في ناحية تكريت. هكذا كانت فلسفة الحكم( ما لَهُّ وعلِّيهِ ) وسلوك معظم الإداريين وقتها، ليدوم العراق واحداً موحداً.

الغريب أنه اعتقلّ في ١٤رمضان/١٩٦٣، وأستمرفي محبسه بحدود أربعة

أشهر، فصل من الوظيفة، وعاد للممارسة المحاماة مهنته ألأثيرة .

••• إما ولده الراحل البكر فاروق ولد عام ١٩٢٨في البصرة الفيحاء، واكمل الدراسة في بغداد، وقد بدأت باكورة ميله لليسار، وأنتمى للحزب الشيوعي، وكان متحمساً نشطاً، فصل من كلية الطب، ومرق أخرى من الوظيفة، وفصل مَرةً ثانية وأعتقلَ في/ ١٤رمضان، ومكث لحدود عشرة أشهر وأوذيَّ. من تلكَ الأيام ، أنهى انتمائه وعلاقته بالحزب،( والَّتي وهنت قبل ذلك، وكان لا يني عن رفض بعض السياسات حينها، إضافة لوجوده خارج العراق للدراسة ) واستَقلَّ تَماماً، ومَكَثَ محافظاً على ثوابته الوطنية العراقية.. ولَم يبخل بالموقف والكلم والتضحية كما عَوَدَنَيّاه. بعد حبسه وفصله من الوظيفة، فتح عيادته في البصرة الفيحاء . وعام ١٩٦٩، غادر العراق للعمل في منظمة الصحية العالمية.ومكث فيهابعد تركه للوظيفة.

من نشاطه البارز مشاركته وتنظيمه للأجتماع الثاني، لمؤتمر السلم

الَّذي عقد في منزلهم، كما فُصِّلَ في النَشرَة الَّتي تَعَرَّضَتُ لسيرة الراحل حسن كاظم النهر ( كان الوالد مسافراً لشمال الوطن وقتَئذٍ، ولَم يَسلَم

من المحاسبة والسؤال، دون أي إجراء، فالعَهدُ ذاك فيه بعض القانون )

••• عائلة كريمة بخُلق وتواصل مع الآخرين، بشكلٍ لافت، لهم مَكانة و وداد

من جَميع سكَنَة الجوار، والمَنطِقَة كانت مَعروفة بناسِها وعوائلِهاالكرام .

كان الفقيدالوجه البارز، ذكاء تواضع طيبة حب الناس والخير والوطن،

ولكلٍ فردٍ منهم ذات المَكانة، ولَم يعرف عنهم غيره. وكانت تعتبر من الحالات النادرة والمتميزة، وسط هذه المنتكسات السياسة، ألَّتي مرت، والفقيد وجهها الأبرز، للتفاهم والتواصل، مَعَ الآخر . وبمَوقف مُتَفَهم للحوار رافض للغلو.

بعد ١٤ تموز سادت، المماحكات،الخلافات،التشاحن، كلها كان مؤذية، ودَّب

التَسقيط والعُدوان . لكنَّ المنطقة ضلت بعيدة عن صراع العنف والتصدي

، وبقيت جموع آل برتو محط حب وأحترام لم يتزعزع. الكثير يختلف في الرأي معهم، وكُنتُ وقتَها أقرب للخِلاف الجُزئي، لكن بشكلٍ أخف، دون التخلي عن شرف الخصومة، فالأحترام واجب .. الكل يحمي الكل، وما حصل من تجاوز وعدوان، جاء من أماكن أخرى ومناطق متفرقة. ولابدَّ للحديث عن الوزيرية وأهلها في تلك المرحلة لاحقاً، فهيََ مثل جيد كنموذج، للألفة والحوار والجدل،

دون فرضٍ إو مصادرة للمختلف.( وكيفَ تُنسى تلك الأيام ووجوهها من الأستاذ صالح الشيخ سعيد التويجري، بدري الحاج شريف الحديثي، رياض ضياء الپاچه چي، لؤي عبد الحميد القرة داغي، محروس القامچي، غسان الجبوري، رشدي الطالب، قصي لاهوب الدليمي، ومحمود إبراهيم المختار وووو)

ولا بدَّ من ذكر الأستاذة الراحلة، بشرى وما تَحَلَت به كمثال لعلوِّ شأنٍ وكَرَمُ خُلقٍ، وهكذا الأخ الصديق عماد، على ذات النهج والسيرة الحَسَنة..

ويَومَّ حَلَّ وباء الحصار والغزو والتدمير الممنهج ، كان موقف الاستاذ فاروق الطبيعي، فشَجَبَ طاعون التمذهب والتخلف، وكل شيء يمس الوطن وأهله..

••• وأِذ كَتَبتُ عن جوانب مَحددة وأوجَزت، لأنها أمانة برقبتي، حيث طلب مني بكل لقاء أوتواصل ، وآخرها مع مؤلفه القيم مشفوعاً برسالة خطية. لكن القدر لم يمهله، ليرى ما أراد وطلب. وأنا حَزين لفُقدانِه. ومن يريد المزيد فعليه بمؤلفه الفٓريد، حيث الصدق الصريح، والمعلومة الدقيقة النزيهة.

••• نَعودُ والعَودُ أحمَدُ، للفيلسوف الشاعر إليِّا أبو ماضي، وقَولُهُ المُمَيّز، وكأنه يُلَخِص سِيرَة الراحِل المَعٌنِي وأمثالُُه، من أهل الخَير والمَوقِف المُشَرِف :

( تَذوي الورُودُ ويَبقَى بَعدَها العَبَقُ،

حَتّى لمَن قَطَفوا مِنها ومَن سَرَقوا.)

ونختمها بقولٍ ألقٍ باهي، ذو مغزى ومعنى، يُنسَب لأمير المؤمنين ( ع ).

( النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت،

إنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها.

لادارَ لِلمَرء بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها،

إلّا الَّتي كانَ قَبْلَّ المَوتِ بانيّها.

فَإن بَناها بِخَيرٍ طابَ مَسكَنُها،

وإن بَناها بِشَرٍّ خابَ بانيها.)

سلاماً لروحِكَ الطيبة، وليتغمدك الرحمن ببالغ كرمه. ولأخي عماد برتو، والعائلة الفاضلة، ولأهلك ومحبيك الصبر والسلوان..فلَم تترك بعدك غير الطيب والمثل الجميل، وإنا للّه وإنّا اليه راجعون. وللجميع التحية والمحبة والسلام..

رشدي رشيد الرمضاني

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.