الرئيسية / افكار / ما تفسير كلمة الرحلة في سورة قريش- مهند محمد صبري البياتي
مهند محمد صبري البياتي

ما تفسير كلمة الرحلة في سورة قريش- مهند محمد صبري البياتي

يُجمع معظم الرواة ان سورة قريش مكية، نزلت بعد سورة التين لوثيق الصلة بين السورتين وتعتبر السورة الوحيدة في القرآن الكريم والتي تحتوي على كلمة قريش، لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ .
واذا تمعنا بالسورة الكريمة نجد انها تخاطب اهالي قريش وتشرح لهم وضعهم قبل الاسلام وتذكر في البدايه ايلاف قريش، والايلاف إشارة الى العقود والمواثيق والاحلاف التي اقامتها قريش مع بقية القبائل العربية، وهذا الايلاف يتعلق برحلتي الشتاء والصيف فقط وضرورة حمايتها، ثم يربط ذلك بالطلب من قريش بعبادة رب البيت، والبيت هو اشارة واضحة للبيت الحرام في مكة والذي تتولى ادارته قريش، وتنتهي السورة بالاشارة الى اطعام قريش وقت الجوع وتأمينها من الخوف، ولقد حاول معظم مفسري سورة قريش الى اعتبار الرحلة كونها التجارة التي كانت تقوم بها قريش، ثم اشاروا الى رحلتين احداهما الى الشام في الشمال صيفا، والاخرى الى اليمن جنوبا وفي الشتاء، ثم يحاولون ان يربطوا هذه التجارة بالطلب الى قريش بعبادة رب البيت الحرام والذي اطعمهم من جوع وأمنهم من خوف، وهذا الربط ليس مترابطا ولا مقنعا، لان التجارة في اي مكان تجلب الربح للقائمين بها والمشاركين فيها لوحدهم عادة، ويحاول اصحاب التجارة والقائمين بها ان يأمنوا على تجارتهم بعقد الاحلاف مع جيرانهم ومع القبائل المتواجده على طريق التجارة لحمايتها من السلب ومنع الاغارة عليها، وكذلك ان التجاره غير محصورة في الصيف او في الشتاء فقط، لانها يمكن ان تحصل في اي وقت من العام وقد تكون رحلة الصيف هي الاسوأ بسبب الحر والجفاف، وكلما توفرت الاموال اللازمة للتاجر يقوم برحلة لشراء البضاعة من مصادرها الرخيصة ويقوم بنقلها الى اماكن تكون اسعارها عالية ومجزية و تجلب له وللمساهمين برأس المال بربح وفير.
ولكن اذا كان المقصود بالرحلة، هي السفر الى البيت الحرام او بالاحرى الحج الى البيت الحرام، عندئذ يكون الترابط بين ايات سور قريش الاربع قويا ويكون تفسيرها منطقيا ومعقولا، وخاصة ان معنى كلمة الرحلة لا يمكن ان تُربط فقط بالتجارة، بل هي ارتحال من مكان لاخر، للتجارة او الزيارة او الحج او الانتقال لاي سبب اخر، وعندما نقوم باعادة تفسير السورة الكريمة واعتبار المقصود بالرحلة هو الحج، نستطيع القول ان تحالف او اتفاق قريش مع القبائل المختلفة لتأمين طرق الحج والسماح للحجيج في موسمي الشتاء والصيف بالوصول الآمن للبيت الحرام للقيام بمراسيم وطقوس الحج، وهذا الحج وما يرتبط به اشهر حرم معروف ويوئمن وصول الحجيج لمكة وممارسة شعائر الحج ثم الرجوع لديارهم وتجلب الامان للجميع، وكذلك ستضمن الطعام لمجتمع قريش، بما يجلبه الحجيج من مأكولات وطعام وبضائع للمتاجرة وما يصرفونه اثناء مكوثهم في مكة ومشاركتهم بالاسواق الكثيرة والمقامة اثناء فترة الحج، ولهذا يطلب الله تعالى من اهل قريش ان يتركوا الشرك به ويعبدوا رب هذا البيت الحرام الذي يؤمن لهم كل هذا.
واذا دخلنا في تفاصيل اكثرلمواسم الحج، فمعلوم وجود حجان لبيت الله الحرام، الحج الاكبر في شهر ذي الحجة وهو ينتصف الثلاثة اشهر الحرم المتتالية وهي ذي القعدة وذي الحجة ومحرم وهي التي كانت تقع في الشتاء، وقد تحالفت قريش مع معظم قبائل الجزيرة وليس فقط مع القبائل الواقعة على مسير التجارة بين مكة والشام واليمن، بتحريم ومنع القتال في هذه الاشهر والسماح للحجيج بالرحيل الى مكة والقيام بمراسيم الحج في العاشر من ذي الحجة والرجوع بامان الى ديارهم بعدها ونلاحظ بوضوح ان هنالك اربعون يوما امنا قبل الحج للمسير الى مكه ومثلها اياما اخرى بعد الحج لتامين رجوع الحجاج الى ديارهم، وهؤلاء الحجيج يأتون لاداء مراسم وطقوس الحج في البيت الحرام. والحج الاخر والذي يسمى بالحج الاصغر والذي يكون في رجب ويسمى رجب مضر ايضا، وفيه اتفقت قريش مع القبائل العربية بتحريم القتال في هذا الشهر فقط، والسماح للحجيج باداء مراسيم الحج والرجوع ولكن بفتره اقصر، وهذا يحصل في الصيف، ومعلوم ايضا ان مواسم الحج تكون عامره بالحجيج وتنصب اسواق كثيرة فيها و تكون عامرة، وتصرف مبلغ كثيرة فيها وهي مستمرة لحد الان، فتجارة اصحاب المحال في مكة، وفي شهر ذي الحجة لوحدها يعادل او يزيد عن التجارة في اشهر السنة الباقية وكذلك يجلب الحجيج وخاصة القادمين بالبر الكثير من البضائع ويمكن مشاهدتها الان في الاردن والعراق وسوريا اضافة للدول الاخرى والتي يمر بها الحجاج، وفي الاماكن التي تتوقف فيها حافلاتهم.
اضافه لموائد الاطعام والتي كان يقيمها المترفون من الحجاج وقسم من اغنياء وساده مكه حينئذ، ويجد الكثيرون من ابناء قريش وخاصه الفقراء منهم فرصه للعمل وخدمه الحجيج باجر او بغير اجر ولكن على الاقل بلقمة الطعام والذي قد لا يتوفر في اشهر السنة الاخرى، لذلك يذكِّر القرآن الكريم اهل قريش بفضل الحج عليهم والذي يطعمهم من بعد جوع ويأمنهم من الخوف بسبب حرمه القتال.
و يبقى السؤال المهم لماذا لم يقم مفسروا القرآن الكريم والذين ابتدأوا بالتفسير من نهايه القرن الثاني الهجري باعتبار كلمة الرحلة تعني الحج وهو الاصح والاقرب للمنطق والعقل بدلا من التجارة، ويعود السبب الرئيسي لذلك، انه في فترة التفسير هذه، كان التقويم القمري هو المعتمد في تدوين التأريخ وفي الحياة اليومية، وهذا التقويم يسبب في تحرك الاشهر القمريه ومنها اشهر الحج على مدار السنة ولا يبقى منحصرا في الصيف او الشتاء.
ومن المعلوم ان الانسان ادرك منذ البداية ان الشمس تحدد فترتين زمنيتين قصيرتين ومتعاقبتين، هما النهار والليل، ثم شاهد وادرك ان القمر يكمل دورة كاملة من فترة ظهوره ونموه ولغاية تكامله ثم نقصانه والى اختفائه كل 29 او ثلاثين يوما وبذلك اصبح لديه مقياس اخر للزمن وهو الشهر القمري، وبعدما بدأ يمارس الزراعة ويتجمع سوية، لاحظ ان هنالك دورة زمنية طويلة يتعاقب فيها البرد والحر وكذلك تظهر المراعي وتختفي، وتورد الزهور وتختفي وتثمر الاشجار، وهنا تكون لديه مقياس اكبر للزمن وهو السنة الشمسية، ثم استنتج بعد ذلك ان السنة الشمسية تعادل تقريبا اثنا عشر شهرا قمريا، ومع التطور الحضاري للانسان وتقدمه في الحساب والرصد الفلكي علم ان السنة الشمسية تزيد على الاشهر القمرية الاثنا عشر بمقدار يساوي تقريبا احد عشر يوما، واستطاع البابليون بحساباتهم ومراقباتهم الفلكية ان يضمنوا بقاء الاشهر القمرية في نفس فصول السنة لاهميتها الشديدة في الزراعة وتنظيم امور الدولة، عن طريق اضافة شهر قمري كل سنتين او ثلاث سنين شمسية، وبذلك ظهر اول تقويم قمري شمسي سنوي ولايزال الصينيون يستخدمونه لتسجيل اعايدهم الدينية، وكذلك يستخدمه اليهود ومنذ السبي البابلي، وكانت العرب قبل السلام وحتى في فترة نزول سورة قريش تستخدم التقويم القمري الشمسي، ولكن في فترة لاحقة تم اعتماد سنة قمرية تعادل اثنا عشر شهرا قمريا فقط، واستخدمه المسلمون لاحقا لوحدهم وهو السنة الهجرية، وهو ما تسبب في عدم ثبات الاشهر القمرية في فصولها وجعلها لا تتزامن مع الاشهر الشمسية بل تكرر دورة كاملة كل 33 سنة تقريبا.
ولذلك لم يكن المفسرون يعلمون اوتجاهلوا ان التقويم الذي كان معمولا به وقت نزول سورة قريش، كان تقويما قمريا- شمسيا، والذي يثبت الاشهر القمريه في فصولها ولا يسمح لها بالتحرك من فصل لاخر، لذلك كان الحج يحصل في الشتاء والحج الاصغر او العمرة في الصيف فقط، وكان هذا التقويم القمري الشمسي معمولا به وعلى الاغلب لغايه زمن الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رض، ومن المحتمل انه تم ايقافه والتحول الى التقويم القمري الصرف مع البدء بالعمل بالتقويم الهجري في زمن الخليفه عمر، ولم يذكر احد من المدونيين متى تم التحول من التقويم القمري الشمسي الى التقويم القمري، وحتى ان العالم جواد علي في موسوعته الضخمه المفصل في تأريخ العرب قبل الاسلام وباجزاءه العشرة، لم يستطع تحديد متى تم ذلك.
وامل ان يقتنع بعض رجالات الدين والمتخصصون في التفسير والشأن الديني بهذا التوضيح لكلمة الرحلة، وخاصة انه لايتعارض مع ثوابت الدين او المذهب او الفقه الاسلامي.

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.