الرئيسية / منوعات / ومضات من كربلاء والكوفة- زكي رضا

ومضات من كربلاء والكوفة- زكي رضا

السيّدة زينب

لولا السيدة زينب بنت الأمام علي، لما كان للشيعة الأماميّة وجود، فهي من أنقذت سلالة الحسين من الإنقراض بعد إنقاذها إبن أخيها علي بن الحسين المعروف بالسجّاد من الموت وهو في دار الإمارة بالكوفة. عقيلة بني هاشم ولبوتهم لم تفقد رباطة جأشها وشيعة أبيها وأخيها يقتلون أهلها واحدا تلو الآخر وهي تنظر إلى مصارعهم في ساحة المعركة، لكنّها لم تطق صبرا وهي ترى شيعة أبيها في عاصمة خلافته يبكون الحسين الذي قتلوه قبل ساعات وهي متّجهة بجيش من الأطفال الأيتام والنساء الثكالى الى دار الإمارة حيث مقر الوالي الأموي كأسيرة، هذه الدار التي كانت يوما تسكنها وأخويها حينما كان أباها الإمام علي خليفة للمسلمين ولها فيها الكثير من الذكريّات.

زينب التي غيّرت مجرى التأريخ الحسيني لم تطق صبرا وهي ترى شيعة أبيها يبكونها والحسين، وهم الذين خذلوا أباها وقتلوا أخاها وقبله إبن عمّها مسلم بن عقيل شرّ قتلة. فجالت ببصرها إليهم متذكرّة أجساد شهداء الواقعة الذين تركتهم في العراء مجندلين فزأرت بوجه هؤلاء الجبناء بعد أن أشارت إليهم أن أسكتوا: أمّا بعد يا أهل الكوفة ” شيعة” أتبكون؟ فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنّة! إنّما مثلكم مثل الذي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا، تتخذّون إيمانكم دَخَلاّ بينكم، الا ساء ما تزرون.أي والله فأبكوا كثيرا وأضحكوا قليلا، فقد ذهبتم بعارها وشَنارها، فلن تَرْحَضوها بغسل أبدا، وكيف تَرْحَضون قتل سبط خاتم النبوّة ومعدن الرسالة، ومدار حجّتكم ومنار محجّتكم، وهو سيد شباب أهل الجنّة، لقد أتيتم بها خرقاء شوهاء.أتعجبون لو أمطرت دما؟ الا ساء ما سوّلت لكم أنفسكم، أن سَخِطَ الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتدرون أيّ كبد فريتم ، وأي دم سفكتم، وأيّ كريمة أبرزتم؟ ” لقد جئتم شيئا إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا”*.

أي والله يا عقيلة الهاشميين وكأنّك اليوم في الكوفة من جديد، فلا زال شيعة أبيك يبكون ولا تسكن عبراتهم. ليس من أجل الحسين وهم قاتلوه إن جاءهم يطلب إصلاح أمرهم اليوم كما قتلوه بالأمس، بل كونهم يعيشون الذلّ تحت حكم بنو أميّة الساكنين في دار الإمارة بالخضراء. وإن لم يحصل يزيد بن معاوية على فتوى من أي رجل دين ليقتل الحسين، فأن رجال الدين بالعراق يمنحون رضاهم وفتاواهم لحماية دار الإمارة، وقتل العراق وشعبه بل والحسين نفسه إن جاء مطالبا بالإصلاح وتغيير الواقع المرّ الذي نعيشه.

أي والله يا زينب، لازلنا نضحك قليلا ونبكي كثيرا. فجثث أبنائنا ملئت المقابر وأصبح اليوم لدينا الف كربلاء وكربلاء، أمّا عاشوراء فتحوّل الى طقس وباب للتجارة لا غير، أمّا قيمه فقد حوّرها رجال الدين لمبايعة السلطان الا تبّا وتعسا لهم. هذا هو حالنا يا إبنة علي، لقد ذهبنا كما قلت بعارها وشَنارها، فها نحن اليوم نبيع الوطن ونرقص على نشيج بكاء أيتامنا وصرخات أراملنا وجثث شبابنا، كي يتمتع أُمويّي دار الإمارة بالخضراء ومريدهم بخيرات بلدنا التي تُسْرَق بفتاوى العمائم وخطابات الأحزاب الدينيّة وأسلحة ميليشياتهم.

الإمام الحسين

حينما طُلِب من الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة أخذ البيعة ليزيد بن معاوية من الإمام الحسين، ورفض الحسين البيعة. طلب منه مروان بن الحكم بعد أن وبّخه أن يضرب عنق الحسين، فقال له الوليد: وبّخ غيري يا مروان حتّى قال : والله أني لأظن أن أمرءا يُحاسب بدم الحسين، خفيف الميزان عند الله يوم القيامة”*
وأنا أقول هنا مخاطبا شيعة العراق وأحزابهم وميليشياتهم ومراجعهم ” والله أني لأظن أن أمرءا يُحاسب بجوع أيتام العراق وأرامله وهو يسرقهم جهارا نهارا، خفيف الميزان عند الله يوم القيامة”. مالكم تبكون الحسين وتحلّون سرقة الأيتام والأرامل، أشيعة أنتم؟ والله أنا في شك بتشيعكم من حيث أقيم الى كربلاء.

لقد كان الحسين وهو في طريقه الى كربلاء بعد خروجه من مكّة وكي لا يثير خوف من معه وخصوصا من النساء والأطفال يتلو هامسا والقافلة تسير الى حيث مصرعها ” ربّ نجّني من القوم الظالمين”* فمن هم القوم الظالمون؟ هل هم بنو أميّة أم شيعته الذين بعثوا له أحمال إبل من البيعة يستعجلون قدومه وهي تقول ” أن قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فإقدم علينا” ؟* من خلال أحداث ما قبل المعركة وسيرها ونتائجها نرى أنّ الظالمين هم كل من إشترك بقتله وعياله وأصحابه، أي قادة الجيش المؤْتمِر بأوامر بنو أمية وشيعته وشيعة أبيه الإمام علي. ومن أجل إتيان الحجّة بالحجّة نقول: هل قُتِلَ سفيره وإبن عمّه مسلم بن عقيل وحيدا دون ناصر في أزقّة دمشق الأمويّة، أم في أزقّة الكوفة الشيعيّة عاصمة عمّه الإمام عليّ!؟ مسلم بن عقيل هذا لم يجد له شبر واحد في مدينة الشيعة هذه ليختبئ فيها، حتّى أنه قال لإمرأة سقته الماء ومتعجّبة من عدم إنصرافه: يا أمة الله، والله ما لي في هذا المصر من أهل، فهل لك من معروف وأجر لعلّي أكافئك به بعد اليوم؟* صدّقني يا بن عقيل إن قلت لك: والله إننا لا نملك في مصرنا شيئا، ومصرنا رهنه قتلتك للأجنبيّ. إن سقتك المرأة شيء من الماء يا إبن عقيل فأطفالنا في البصرة العطشى لا يمتلكون منه شيئا، وهم كما أولادك عطشى. يا أبن عقيل، الأحزاب الشيعية اليوم لا ترمينا من شاهق كما رُميتَ، بل تغتالنا في الساحات والشوارع في وضح النهار، وإن كان بنو أميّة لم يقتلوا النساء لعصبيّة، فأن الميليشيات الشيعيّة تقتل النساء تحت نظر مراجعها وأحزابها.

مسلم بن عقيل وهو يرى الموت قاب قوسين منه أو أدنى بعث برسالة شفهيّة الى الإمام الحسين يقول فيها: إرجع بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة، فأنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنّى فراقهم بالموت أو القتل: أنّ أهل الكوفة قد كذّبوك وكذّبوني وليس لمكذوب رأي”*. فهل الكوفة شيعيّة أم أُمويّة!؟ ما نطقت يا بن عقيل عن الهوى، فها هم شيعة الحسين يكذّبون عيونهم وهي ترى بؤس حالهم وأطفالهم، فهل من يكذّب نفسه من أجل إرضاء سياسي أو ميليشياوي أو رجل دين أو شيخ عشيرة، له كرامة على وطنه وشعبه؟

ما أن حوصر الإمام الحسين بعد أن جعجع به جيش يزيد بن حر الرياحي، حتى قال له نفر من أهل الكوفة وكانوا أربعة فقط جاؤوا لنصرته !!!: أما أشراف الناس فقد أُعظِمت رشوتهم ومُلئت غرائرهم فهم ألب واحد عليك! وأمّا سائر الناس بعدهم فأنّ قلوبهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك*. ولعمري فأنّ ” أشراف” شيعة العراق أُعظمت اليوم رشوتهم ومُلئت غرائرهم فهم ألب واحد على شعبنا ووطننا، يبيعونه كما باع أسلافهم الحسين ومثله وقيمه، فأسلافهم باعوا الكوفة لدمشق وقتها وهم يبيعونها لطهران اليوم. أمّا عوام الشيعة فبطونهم اليوم مع الحسين، وسيوفهم تطعن بلدهم بمقتل، فالحسين خرج للإصلاح وهم يخرجون خلف أحزابهم وعمائمهم لمبايعتهم وهو يعرفون من انهم لصوص، الحسين خاطب الناس في أن يكونوا أحرارا في دنياهم وهم يعيشون حياة العبيد، الحسين صرخ هيهات منّا الذلّة وهم يعيشون تحت سلطة العمائم بذلّة ما بعدها ذلّة، فهل أمثال هؤلاء يعرفون الحسين. وإن كانوا يعرفون الحسين، فأي حسين يعرفون؟

صرخة الحسين حين قاربت المعركة نهايتها والقوم يريدون نهب فسطاطه كانت مزمجرة وهو يقول: ويلكم … إن لم يكن لكم دين فكونوا أحرارا في الدنيا، فرحلي لكم عن ساعة مباح*. لله درّك يا أبا عبد الله، فها هم القوم إذ لا دين لهم ولا هم بأحرار، وها هو العراق مباح مستباح. إيه يا أبا عبد الله، لقد جعلنا قتلتك من ساسة الشيعة وعمائمهم نعيش كأسوأ شعوب الأرض، لم يبقى شيئا لم ينهبوه، وخيانة للوطن لم يخونها، وجريمة لم يرتكبوها.

ها هي زينب تنظر الى أخيها نظرة الوداع وهي تصغي الى زئيره الأخير بوجه قاتليه: أعلى قتلي تجتمعون “* يقصد شيعة الكوفة والعراق”؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله، الله أسخط عليكم لقتله مني، وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعروا، أما والله لو قتلتموني لألقى الله بأسكم بينكم وسفك دمائكم ثم لا يرضى بذلك منكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم*. أي والله يا أبا عبد الله، فها هو الله يسخط على العراقيين بأبناء بنو أميّة من شيعتك ومراجعهم وعمائمهم التي على المنابر، وها هو بأسهم بينهم شديدا، وها هو الله يسخط عليهم بأن ولّى عليهم كل أفّاق خؤون. وإني أرى الإمام الحسين وهو يقاتل جيش شيعته حتّى الرمق الأخير يقول لهم كما قال لهم أبيه الأمام علي: يا أهل الكوفة ” يا شيعة العراق”، منيتُ منكم بثلاث وأثنين ! صمٌ ذَوو أسماع، وبكمٌ ذَوو كلام، وعميٌ ذَوو أبصار. لا أحرار صدقٍ عند اللقاء، ولا إخوان ثقةٍ عند البلاء ! تَرِبت أيديكم! يا أشباه الإبل غاب عنها رُعاتها! كُلما جُمِعت من جانبٍ تفرقت من آخر…)*.

والله لعمائم بنو أميّة وهم يصنعون دولة لهي أشرف من عمائم العراق اليوم وهي تدمّر بلدنا، والله لساسة بنو أميّة لأنزه من ساسة الشيعة اليوم وهم ينهبون ثروات شعب أُبتلي بهم. إننا في عصر العمائم الأسود وميليشياتهم وأحزابهم اليوم، نعيش عصر اللادولة. ولكي نعيش كشعب يحترم نفسه ووطنه علينا معرفة حقيقة واحدة، وهي أن لا مجال لبناء دولة في ظل سلطة الإسلام السياسي المدعومة بعمائم الجهل والتخلّف، وأنّ إستمرار سلطة التخلف واللصوصيّة هذه يعني ضياع البلد. هؤلاء المجرمون لا يعرفون الحسين الا من باب التجارة به، ومن يشتري بضاعتهم الفاسدة ليس سوى ساذج.

ختاما أستعير بيتين من الشعر للشاعر الشيعي المتمرّد الكميت بن زيد الأسدي مع تبديل ” لبني أميّة” بـ ” شيعة الخضراء لأقول:

فقل (لشيعة الخضراء) حيث كانوا ….. وإن خفتَ المهنّد والقطيعا:
أجاع الله من أشبعتموه ………………… وأشبعَ مَنْ بجوركم أُجيعا

*النصوص من كتب مختلفة ومنها كتب الطبري وإبن كثير وتراجم سيدات بيت النبوّة لبنت الشاطيء وغيرها.

زكي رضا

 

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.