الرئيسية / افكار / 31 آذار و (پ. ب. راي) وذيوله- زكي رضا
زكي رضا

31 آذار و (پ. ب. راي) وذيوله- زكي رضا

يتعرض الحزب الشيوعي العراقي اليوم وهو يحتفل بعيد تأسيسه الرابع والثمانون الى هجمة منظّمة وواسعة النطاق وهي ليست بجديدة عليه، فالحزب كان كما اليوم يتعرّض دوما لمثل هذه الهجمات ومن مختلف الأنظمة الحاكمة. خصوصا في المنعطفات السياسية الحادّة، من تلك التي مرّ ويمرّ بها شعبنا ووطننا اليوم. فالتحضير لضرب شعبنا ووطننا، يبدأ بحملة واسعة النطاق ضد الشيوعيين وحزبهم. والعمل على مصادرة الحرّيات وقمع الجماهير، يبدأ بحملة واسعة النطاق ضد الحزب الشيوعي العراقي. الدخول في أحلاف مذلّة وعلى الضد من مصالح شعبنا وشعوب المنطقة، تبدئان بحملة واسعة النطاق ضد الحزب الشيوعي العراقي. توريط البلاد في حروب مدمّرة، تبدأ بحملة واسعة النطاق ضد الحزب الشيوعي العراقي. حتّى في المعارضة، فأنّ فتح قنوات إتّصال مع السلطات تبدأ هي الأخرى بحملة واسعة النطاق ضد الحزب الشيوعي العراقي

لم يكن الحزب وهو يناضل من أجل غد أفضل لشعبنا ووطننا، بعيداً عن بال المخابرات البريطانية لتحجيمه وإقصاءه عن دوره الريّادي والفاعل بالحركة الوطنية العراقية. فالحزب الشيوعي العراقي أثبت ومن خلال التأريخ السياسي العراقي الحديث، من أنه ولليوم الحزب الوحيد بالعراق الذي لم تكن له إرتباطات بأيّة جهات دولية وإقليمية وكان “الشيوعيون، مع تمسكهم بالأممية، يؤكدّون حبّهم لبلدهم وشعبهم. وكان الولاءان لا يتعارضان – في رأيهم – إلا في المظاهر، وإذا ما فهمت الأممية كما يجب فأنّها تعمّق المشاعر الوطنية” “1”. وقد كتب رئيس الشرطة السياسية بالعراق “بهجت العطّية” بتأريخ 12 آذار 1946 “بالرغم من الإعتقاد السائد بأنّ المفوضّية الروسيّة والعملاء الروس يوجّهون النشاط الشيوعي في هذا البلد، فإننا لم نتمكن حتى الان من إكتشاف ما يدّل على هذا أو حتّى يوجد أرضيّة للشك” “2”. ولكي نصل الى نتيجة نهائية حول عدم إرتباط الحزب بأيّة جهة إقليمية أو دوليّة، علينا الرجوع الى إعتقال الرفيق الخالد “فهد” في 18 كانون الثاني 1947 والذي أجاب المحققين بعد سؤاله عن علاقته بالسوفييت، إذ “نفى بشكل قاطع أن يكون للحزب – الشيوعي العراقي – أية علاقات تنظيمية مع أحزاب شيوعية أخرى أو أي إتصال مهما كان نوعه مع دول أجنبية” و “كرر فهد نفيه أمام محكمة بغداد الجزائية العليا يوم 23 حزيران 1947” “3”

لقد إنطلق تفكير الضبّاط السياسيين البريطانيين بالعراق في محاربة الحزب في تركيزهم على ثلاث نقاط أساسية، بلورها ضابط الإستخبارات الملحق بالقوّات الجويّة الملكية البريطانية “پ. ب. راي” وهنّ (ضرورة إقامة إرتباط وثيق جدا بين قوّات الشرطة في العراق ومثيلاتها في بلدان مجاورة)، ليضيف (كل ضبّاط الشرطة ومهما كان البلد الذي ينتمون اليه، إخوة في السلاح ضد عدو مشترك ويجب الا تفصل بينهم حواجز عقائدية أو قوميّة أو مصالح أنانيّة) “4”، وقد أثبتت فكرته نجاحها في شباط 1963 حينما وقفت الأجهزة الأمنية للدول الإقليمية مع القتلة والمجرمين لتنّكل بالشيوعيين العراقيين.

النقطة الثانية كانت تعليقا لـ “راي” على مذكرة سرّية لـ “بهجت العطّية” يقول فيها “سيكون من المفيد، لمواجهة التنظيم الشيوعي القائم، إقامة حزب شيوعي منافس تكون له صحيفته السرّية الخاصّة به .. ويُسّير العملاء هذا الحزب بموجب خطوط محددة وبطريقة تخفي طبيعته الحقيقية ….” وكان تعليق “راي” هو “أنّه مشروع ممتاز، ولكن من الصعب جدا جدا أن يعمل. وإستنادا الى خبرة مكتسبة في مكان آخر – يبدو أنه إيران -، فإن الأفضل هو عدم المحاولة الا اذا كنا متأكدين تماما من إمكانية الإبقاء على طبيعته الحقيقية سرّا” “5”. ولم ينجح مشروع “راي” في العهد الملكي ولا في غيره من العهود، الا محاولة النظام الجمهوري الاول والتي ماتت في مهدها. وليبقى الحزب عصيا على معاول الهدم التي حملها كل الطغاة بالعراق “فالحزب الذي شاده فهد لم تستطع لليوم ولن تستطيع هدمه قرد”.

النقطة الثالثة، كانت النقطة الأهّم والمفصليّة في خطط “راي” حينما كتب رسالة مؤرخة في 20 نيسان 1949 موجّة الى مدير الشرطة السرّية العراقية يقول فيها “لن تُقتلع الشيوعية من جذورها بما يمكن أن نسّميه – الطرق البوليسية وحدها – .. ولن تفعل قوّات الأمن، من عندها، الا القليل لإجتثاث الشيوعية ولن تستطيع أكثر من المراقبة وأنتظار نموها، ثم تطبيق إجراءات تصحيحية” “6” ومن هذه الطرق التصحيحية هي إستغلال العامل الديني.

اليوم ونحن نحتفل بعيد تأسيس الحزب الرابع والثمانين وبعد عقود على فشل “راي” ومعه أجهزة إستخبارات بلاده، وعملائهم المحليين في إنهاء أسطورته. وفي خضّم الأحداث الجسام التي يمر بها وطننا وشعبنا، خرج ويخرج علينا المئات من أمثال “راي” فكرا وممارسة للنيل من الحزب ومواقفه. فأن يكون “راي” ومعه كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم بلدنا تقف بالمرصاد للشيوعيين وحزبهم وهم يخوضون نضالا بلا كلل من أجل شعبهم ووطنهم، أمر يجب علينا قبوله. وأن يقف رجال دين وأحزاب إسلاميّة ضد الحزب وهو يناضل لأنهاء نظام المحاصصة الفاسد، ويشّهروا به من خلال الإعلام أو من على بعض المنابر هو مدعاة فخر للشيوعيين وحزبهم، ودلالة على مأزق هؤلاء وعودتهم من جديد لخطاب شرّعه معلمهم “راي”. وأن يخوض رفيقات ورفاق الحزب صراعا فكريّا حول رسم خارطة الحزب السياسية وتحالفاته الإنتخابيّة، ليس بأمر مقبول فقط بل وضروري كونه يدفع العقل الجماعي للحزب للعمل بمبدأ الحوار الخلّاق. لنقف كشيوعيين اليوم ونحن نحتفل بالميلاد المجيد لحزبنا، ضد أتباع “راي” وحملة أفكاره من الذين يريدون إستمرار مبدأ المحاصصة الطائفية القومية كوسيلة للحكم. علينا أن نرص صفوفنا متسلّحين بإرادتنا وتأريخ حزبنا النضالي ودماء شهدائنا البررة، لنكون في مقدّمة الجماهير لخلاص وطننا وشعبنا من المصاعب التي تحيط بهما.

لكل عيد هلال … الا عيدك فهو يزداد كل عيد هلال. في هذه الليلة سأفرح لوحدي وغدا بين رفيقاتي ورفاقي. متذكرّا الحزب وهو يقود إضرابات العمال والفلاحين .. ويحتفل، متذكرا إيّاه وهو يحول السجون الى مدارس للوطنية ..ويحتفل، متذكرا إيّاه وهو يحمل السلاح في الجبل والهور من أجل غد أجمل لشعبنا ووطننا .. ويحتفل. متذكّرا آخر إحتفال بيوم تأسيسه ببغداد وكان مشيا لساعات في شوارع وأزّقة عرفها الشيوعيون وعرفتهم كأبناء بررة لشعبهم ووطنهم .. وأحتفلت.

مجدا للحزب بذكرى تأسيسه الرابعة والثمانين.
مجدا لشهداء الحزب وهو يزّينون سماوات الوطن من أجل غد أجمل وأبهى لشعبنا ووطننا.
الظفر للحزب وهو يخوض معارك شرسة ضد الرجعيين والموتورين.
أربعة وثمانون قبلة على جبين رفيقاتي ورفاقي وهم يحتفلون بذكرى الميلاد المجيد.
أربعة وثمانون باقة ورد حمراء على قبور شهدائنا البررة.

“1” العراق ، الكتاب الثاني – حنا بطاطو ص 234
“2” نفس المصدر 235
“3” نفس المصدر ص 235
“4” نفس المصدر ص 233
“5” نفس المصدر 265
“6” نفس المصدر ص 361

الدنمارك
عشية الواحد والثلاثين من آذار 2018