الرئيسية / شارع المتنبي / مكتبة ابراهيم الجعفري- علي وجيه
مكتبة ابراهيم الجعفري- علي وجيه

مكتبة ابراهيم الجعفري- علي وجيه

علي وجيه
علي وجيه

لا بُدّ لنا أحياناً من ترك الخراب العنيف الذي يحيطنا، فقط لنشغل أنفسنا بتفاصيل صغيرة، لكنها أيضاً تؤدي تماماً إلى الخراب نفسه، بتعبير الشاعر وليم بليك “أن ترى العالم في حبة رمل”، وحبة الرمل هذه، دائماً ما تعبّر على الكثير.
اليوم أودُّ الحديث عن تفصيلة صغيرة، عن المكتبة الشخصية لوزير الخارجية العراقي ورئيس الوزراء الأسبق ابراهيم الجعفري، وهي مكتبة أغلبكم رآها، وتعجّب بحجمها وامتدادها، ودائماً ما يظهرُ “أبو أحمد” واقفاً أمامها في لقاءاته، ولا يعقدُ اجتماعاً ولا يلتقي شخصية سياسية إلاّ في هذه الغرفة الواسعة.
ذات مرّة، اتصل بي صديق في مكتب الجعفري الإعلامي، قال لي “لماذا لا تحضر اجتماعات أو مؤتمرات الدكتور؟”، قلتُ له “لم أحضر مؤتمرات غيره حتى أحضر مؤتمراته”، فقال لي، وهو ذو محبة واحترام لديّ “تعال بصفتك الصحفية، لا الشخصية”، فقلتُ “حسناً”.
وعلى غير العادة، تحدّث الجعفري لعدّة دقائق، تصوّروا!، عدّة دقائق، وبلا فذلكات لغوية، حتى أنني قلتُ لصديق “يبدو أن الجعفري قد تم تهكيره، أو أن هذا شبيهه!”، وضحكنا.
كان لقاءً عادياً، اتجهنا فيما بعد إلى غرفة المكتبة، وبقيت أكثر من 20 دقيقة أنظرُ للعناوين، بشكلٍ مركز، في محاولة لفهم شخصية الجعفري، ذلك أن مكتبة المرء تعبّر عنه، من ناحية العناوين، وحتى ترتيب الكتب.
ربما يبدو للوهلة الأولى أن مكتبته “عظيمة”، لكننا، أعني المشغولين بشؤون الكتب وملاحقة عناوينها، المترّبة أيديهم وبناطيلهم ظهيرة كل جمعة في شارع المتنبي، والذي يقود لساعة كاملة حتى منطقة في الطرف الآخر من بغداد ليأخذ كتاباً بنسخة نادرة، تكفي عدة دقائق لنقول: هذه أتفه مكتبة رأيتها في حياتي.
مكتبة ابراهيم الجعفري، تشبه مكتبات بعض مرتادي المتنبي، ذلك الذي يبحث عن البهرجة بشكل الكتاب، أعني الذي يشتري: تاريخ ابن الأثير، الطبري، لسان العرب، بحار الأنوار، الغدير، موسوعة قصة الحضارة، وغيرها من الكتب التي تمتد على أكثر من 5 مجلدات وصولا لـ 20 مجلداً أو 30، نطلق عليهم لقب “المشتري بحسب الوزن”، فهو يهتم بشكل الكتاب في المكتبة، لا نوعه، ولا قيمته.
ليس هناك نسقٌ في مكتبة الجعفري، هي مكتبة كأنما اشتراها حراسه الشخصيون، العناوين المشهورة، لا يوجد فيها كتابٌ حميميّ، كتابٌ بنسخة مفردة، من الغرابة أيضاً أن ليس فيها أي كتاب عمره أكثر من 20 عاما، أي: أن هذه المكتبة تم إنشاؤها مع رئاسة الوزراء، تلك التي أودت بالعراق الى حربٍ أهلية.
مكتبة الجعفري تُشبه امرأة حديثة النعمة، أكثر من 1500 كتاباً، لا تعدلُ رفاً في مكتبة شخصية لأي أديب عراقي، هذه المجلدات الضخمة، لا تكشف الا عن وجود مال، وتوجيه بالشراء، هي مخزن كتب، وليست مكتبة شخصية، ربما أحدنا لا يبالغ إن جزمَ بأن الجعفري لا يقرأ، وأنّ من يقرأ بالتأكيد سيتشذب خطابه من الزوائد اللفظية، لا أن يكون خطابه زوائدَ أصلا بلا معنى ولا مغزى.
لا أبالغ إن قلتُ إن مكتبة الجعفري هي أتفه مكتبة شخصية رأيتُها يوماً، رغم مصادرها الكثيرة، والعناوين المهمة، لكنها ليست مكتبة، المكتبة طفلٌ يبتدئُ بأول كتاب تقتنيه، ثم يكبر، كتبٌ قديمة وجديدة، كتبٌ بإهداءات، كتبٌ مدعوكة أعلى الصفحة، مليئة بالملاحظات، مكتبة غير مرتبة بالغالب، لكن مكتبة الجعفري تُشبهه، بهرجة، عناوين كبيرة، لكن باستطاعة أيّ شخص يمتلك النقود أن يمتلكها، دون أن تشير يوماً إلى كون هذا الشخص مثقفاً، بل هذا الشخص لديه غرفة جلوس جميلة، فقط.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *