أردنياً.. الدواعش بينكم فاقتصّوا منهم!- عباس البغدادي

استفاق الأردنيون يوم الثلاثاء 3/2/2015 على حقيقة في غاية الوضوح، وهي ان الدواعش وحوش مفترسة بإهاب البشر، بعدما أحرقوا الطيار الأردني “معاذ الكساسبة” حيّاً، في منظر لم تألفه البشرية -على الأقل بالصوت والصورة-! والتهب المشهد الشعبي الأردني حزناً وغيضاً وتوتراً، إضافة الى تعاظم الحنق على النظام الأردني باعتباره المسؤول عن “توريط أبناء الجيش الأردني في حرب هي ليست حربه”! كما علت الأصوات الغاضبة من “آل الكساسبة” وجمهور أردني عريض تجهر بذلك، صاحبتها دعوات للسلطات بالانتقام و”أخذ الثأر” و”ردّ الاعتبار لهيبة الجيش والسلطة”!
لا مشاحة في ان هذه الجريمة مُدانة بكل المعايير، مثلما هي كل جرائم داعش ونظائره. والعراقيون هم أول من طالته وحشية الإرهاب التكفيري من أوسع أبواب القتل والفتك والتمثيل بالأحياء والقتلى، ويكفي استحضار مشاهد مجزرة “سبايكر” لتفوق في وطأة مأساويتها مئات المرات حادثة “معاذ” وتفاصيلها!
* * *
بلا أدنى شك، هو يوم أسود للنظام الأردني الذي عليه أن يسدّد اليوم فاتورة تورطه وتوغله في دعم الارهاب التكفيري من وراء حجاب، دعماً وتدريباً وتسهيلاً واحتضاناً! ولا مهرب لهذا النظام من التنصل من كل ذلك، فالدلائل والشواهد والقرائن والاعترافات والتسريبات لم تنقطع يوماً، وهي تطارده وتمسك بتلابيبه في كل لحظة، اذ بات سادراً في وضع كل إمكانات الأردن؛ برّاً وبحراً وجوّاً، ومقدراته عسكرياً ولوجستياً واستخبارياً في خدمة المشروع الصهيو- أميركي، بما فيه فصول “الفوضى الخلاّقة” الجاري تنفيذها في منطقتنا! وكانت أبشع صور ذلك الدعم متمثلة في دعم الإرهاب التكفيري بشتى نُسَخه، البعثي منه والتكفيري، والذي تم تصديرهما للعراق، وما زال هذا الدعم متواصلاً (ظهر الى العلن في احتضان مؤتمر الإرهابيين البعثيين والسلفيين في عمان في حزيران 2014)، ثم ما تبعه من التورط والشراكة البائنة في إشعال الحريق السوري، وتأهيل وحوش “السلفية الجهادية” من أردنيين وباقي الجنسيات، ليكونوا أدوات الطبخة الصهيو- أميركية المعدة لسوريا، ثم العراق ولبنان. فآخر إحصائية لمصادر استخبارية غربية تشير الى انضمام أكثر من 3000 أردني “سلفي جهادي” الى صفوف داعش و”النصرة” منذ بدء الأحداث السورية مطلع 2011، وان هؤلاء يمثلون ثالث أكبر المجاميع الملتحقة بالتنظيمين بعد السعوديين والتونسيين!
لم يتفاجأ المتابعون بما كشفته وكالة “وورلد نيت دايلي” الأمريكية في يونيو 2014 من تسريبات خطيرة لمسؤولين أردنيين بأن “أعضاء داعش سبق لهم أن تلقوا تدريبات عام 2012 من قبل مدربين أميركيين يعملون في قاعدة سرية ببلدة (الصفاوي) التي تقع بالمنطقة الصحراوية في شمال الأردن”. وأشار المسؤولون إلى أن “عشرات من أعضاء التنظيم تدربوا في تلك الفترة كجزء من مساعدات سرية كان يتم تقديمها للمسلحين الذين يستهدفون سوريا، وأن تلك التدريبات كانت تهدف إلى قيام المسلحين بعمليات مستقبلية في العراق”!! أما الصمت الأميركي والأردني على هذه المعلومات فكان فاضحاً بامتياز، وعزّز من مصداقية تلك المعلومات، التي كانت غيضاً من فيض، يتم التستر عليها خلف أسوار فولاذية!
* * *
لقد التزم النظام الأردني الصمت المريب إزاء مسيرات ومظاهرات “التأييد الشعبي” الأردني لتنظيم داعش عشية استيلائه على الموصل، وتصدّرت تلك المسيرات جموع “السلفيين الجهاديين” من أصحاب اللحى الكثة والثياب القصيرة وأصحاب السوابق والعتاة في التنظيمات التكفيرية، وهم يحملون السيوف والخناجر والفؤوس في مدن عدة (انتشرت بكثرة صورهم ومقاطع الفيديو)، في الزرقاء وإربد والسَلط والرصيفة والبقعة، رافعين رايات داعش و”النصرة” والقاعدة، وبُحّت أصواتهم مردّدين شعارات تدعو الى القتل والذبح ونصرة “إخوانهم” الإرهابيين، و هتافات تدعو إلى إزالة “حدود سايكس بيكو”، ولافتات كتب عليها؛ “معان فلوجة الأردن”! ولم توفر تلك المسيرات الفرصة للدعوة الى الانتقام من الشيعة في العراق، وجاء ذلك على لسان أحد زعماء التكفيريين “محمد الشلبي الملقب بأبي سياف” حينما سمّى عدوان داعش آنذاك بـ “الفتح في العراق” ودعا لإبادة “الرافضة”!
ولم تتوقف يوماً ومنذ ذلك الحين المظاهر العلنية وشبه العلنية لـ”مؤازرة ونصرة” داعش و”دولة الخلافة”، وقد تُرك الحبل على غاربه لتلك الأنشطة، مادام الحريق خارج حدود الأردن، ويستهدف “الرافضة” والشعبين العراقي والسوري، وتتأطر هذه الأنشطة والفعاليات بأشكال شتى، وأبسطها النشاط المحموم لمواقع التواصل الاجتماعي و”الصفحات الأردنية” التي تبجّل جرائم داعش ونظائره بكل حرية وبدون أي خوف من السلطات الأردنية التي تتبجح بـ”قبضتها الأمنية” الشديدة! وبات مألوفاً إقامة “مجالس العزاء” المنتشرة -بكل حرية- في كل أرجاء الأردن على “شهداء داعش” كما يتم وصفهم، ولا يخلو المشهد أحياناً من رفع راية داعش في تلك المجالس، وفي حالات “انتصارات داعش” لا يتورع أولئك عن إعلان مظاهر الفرح وتوزيع الحلوى!
فماذا كان ينتظر الشعب والنظام الأردنيان من ذلك الحمل السفاح، وفيما بعد المولود المتوحش والمتعطش للذبح والتدمير وسفك الدماء وحرق البشر أحياء؟! ألم يهضما حقيقة ان “من يزرع الريح يحصد العاصفة”؟! وما الذي يمكن أن يجنيانه من إفساح المجال لتكاثر حواضن الإرهاب التكفيري الناشطة في أرجاء الأردن، سوى أن يرتد يوماً وحش الإرهاب فيفترس صاحبه ومروّضه؟
يعيش الدواعش والتكفيريون عصرهم الذهبي في الأردن منذ تمدد التنظيم ونظائره في العراق وسوريا، ولا يمكن لعاقل أن ينكر ذلك، حتى ان هناك من التكفيريين من يطبع راية داعش على ملابسه، مثلما اشتهرت ملابس تحمل صور الإرهابي الهالك “أبي مصعب الزرقاوي” الذي “تفتخر مدينة الزرقاء” انه ينتمي اليها! كما يفتخر أستاذه و”ملهمه” الإرهابي “الشيخ أبو محمد المقدسي” بأنه يُنظّر لـ”السلفية الجهادية” من الأردن جهاراً، وبما تمليه عليه تعاليم “ابن تيمية” وتلميذه البار “الشيخ محمد عبد الوهاب”! فهل هي مصادفة أن يُختم الشريط الأخير لداعش المتضمن لمشاهد حرق “معاذ” مقولة “ابن تيمية” التي يؤكد فيها “استحسان” التمثيل بالضحايا، ويعدّه تعبداً بالشريعة!
أجل؛ استفاق الأردنيون يوم تلقوا نبأ التمثيل الشنيع بالطيار “معاذ” على حقائق (وكأنهم يسمعون بها لأول مرة) بأن داعش “يقتل ويذبح ويُمثّل بالبشر أحياءً وأموات، ويهدم أضرحة الأنبياء ومراقد الأولياء، ويجرف المساجد ودور العبادة، ويسبي النساء ويبيعهم كإماء” وغير ذلك من الفظائع والاقترافات المروعة!
وكم من الحكمة بمكان، أن توظف دعوات وصيحات الانتقام والثأر من داعش، بأن يلتفت كل من “احترق قلبه” على “معاذ” وينظر حوله، ليجد ان داعش بين ظهرانيه، ولا حاجة أن يكون القصاص عابراً للحدود! اذ داعش -كما مرّ- لها حواضن و”مضافات” وواجهات معروفة و”مؤسسات إسلامية” ومساجد مؤممة لها، فلماذا “التعامي” عن كل ذلك كما في السابق؟
ولا أدري، هل الإعدام “المتسرع” للإرهابيين “ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي” عقب التوترات التي أعقبت نبأ مقتل “معاذ” ستلبي دعوات “الانتقام والثأر”؛ أم ان المطالبات ستتدحرج كرتها الى أبعد من ذلك، كما ستكشف الأيام والأسابيع القادمة؟! بقي سؤال أخير؛ اذا كانت “الريشاوي” محكومة بالإعدام منذ 2006 و”الكربولي” منذ 2008، فلماذا “استضافتهم” كل هذه السنين الطويلة ولم ينفّذ فيهما حكم الإعدام، حيث كان يُعدّ -على الأقل- رادعاً لأقرانهما؟ أم كانت هذه “الاستضافة” مطلوبة لاستخدامهما ورقة للتفاوض والمساومة كما كان على وشك حصول ذلك في حالة الطيار “معاذ”؟!
سيقال الكثير بعد تطورات إعدام الطيار “معاذ” حول “الدور الأردني” في “التحالف الدولي” وكيف يوازن النظام ذلك مع ارتدادات النقمة والتوتر التي أعقبت نبأ مقتل “معاذ”؟ باب التكهنات مفتوح على مصراعيه، وكل الخيارات ستكون كارثية على النظام الأردني أولاً، وعلى الأردنيين ثانياً، لأنه أزف الأوان بأن يحصد الأردن العاصفة، بعد زرع الريح..!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.