أسلم طريق في مواجهة المليشيات المنفلتة- عبدالخالق حسين

يمر العراق اليوم بأخطر أزمة في تاريخه الحديث، وخطورة الأزمة هذه تتمثل في وجود عشرات المليشيات المسلحة المنفلتة الموالية لدولة أجنبية ألا وهي إيران، لذلك تسمى بـ(المليشيات الولائية)، أي أنها تأخذ أوامرها وتعاليمها من الولي الفقيه، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي، وليس من القائد العام للقوات المسلحة العراقية كما يقتضيه الدستور. والأنكى والأشد والأخطر أن هذه المليشيات رغم أنها تقتل العراقيين لمصلحة دولة أجنبية، إلا إنها تعمل بغطاء ديني وطائفي، وبما يسمى بـ(الحشد الشعبي)، الذي تأسس استجابة لفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها آية الله السيد علي السيستاني في ظروف خاصة استجدت بعد أن احتلت فلول داعش التكفيرية الإرهابية المحافظات الشمالية الغربية في حزيران عام 2014، وراحت تهدد باحتلال بغداد والمحافظات الأخرى.

كذلك يحب التوكيد على التمييز بين الحشد الشعبي الحقيقي الذي تأسس استجابة لفتوى السيد السيستاني كما ذكرنا، والذي تم دمجه مع الجيش بقانون، حيث يأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وبين المليشيات الحزبية الطائفية الأخرى التي استغلت الوضع المتأزم، فراحت تتكاثر كتكاثر الفطريات الطفيلية وبغطاء الحشد الشعبي. وقد أكدنا مراراُ على التمييز بين الإثنين، وعلي سبيل المثال في مقالنا الموسوم: (المليشيات الولائية ليست من الحشد الشعبي)(1)

وقد تفاقمت أزمة المليشيات هذه بعد انفجار الانتفاضة الشعبية السلمية في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر، عام 2019، مطالبة الحكومة بحقوق مشروعة مثل تحسين الخدمات والأمن، وإيجاد العمل للعاطلين، ومحاربة الفساد، والتحرر من الهيمنة الإيرانية…الخ. وكانت هذه التظاهرات سلمية ومشروعة كفلها الدستور، ولكن واجهتها المليشيات الولائية بالرصاص، وكاتمات الصوت، والاختطاف والاغتيال، فلحد الآن بلغ عدد ضحايا الانتفاضة التشرينية نحو الف شهيد، والجرحى نحو 30 ألف، أما عمليات الاغتيالات والاختطاف، واختفاء قياديين ومرشحين للانتخابات البرلمانية القادمة فلا يُعرف عددها، وبالتأكيد تبلغ العشرات، والناس تعيش في حالة رعب من هذه المليشيات السائبة.

وهذا يعني أن هذه المليشيات التي كان الغرض منها مساعدة الأجهزة الأمنية الحكومية (الجيش والشرطة) في محاربة داعش وبقية التنظيمات الإرهابية، صارت الآن هي نفسها مشكلة إضافية، تمارس الإرهاب ضد الدولة والمواطنين، و بأوامر من الولي الفقيه الإيراني في ضرب سفارات الدول الأجنبية ببغداد وخاصة السفارة الأمريكية. فإيران تريد حكم العراق من خلال هذه المليشيات، وتفرض عليه أجندتها، وتجعله في حالة عداء مع العالم وخاصة الدول الغربية، وساحة لمحاربة أمريكا وبدماء العراقيين. وهذه السياسة هي انتحارية للعراق الذي مازال يئن من تركة حكم البعث وتداعيات سقوطه.

وقد بلغ السيل الزبى عندما تمادت هذه المليشيات في غيها، وأمعنت في تهديد السلطة الشرعية، وأمن وسلامة المواطنين في أعقاب قيام قوة أمنية، وبقرار من السلطة القضائية يوم الأربعاء المصادف 26/5/2021، باعتقال قائد عمليات الأنبار في الحشد الشعبي قاسم مصلح، بتهمة قتل الناشط في التظاهرات السلمية إيهاب الوزني في كربلاء وآخرين من الناشطين.(2)
ورداً على اعتقال مصلح “احتشدت جموع كبيرة من عناصر المليشيات في عملية استعراض القوة أمام بوابات المنطقة الخضراء، فى ساعة متأخرة من اليوم نفسه، بهدف الضغط على رئيس الوزراء لإطلاق سراح قاسم مصلح، أو تسليمه بشكل فورى، إلى جهاز الأمن التابع للحشد وفق الوساطات التى خرجت سريعاً فى محاولة لاحتواء الموقف”(3).
والجدير بالذكر أن هناك أدلة تثبت ضلوع قاسم مصلح في عمليات قتل الناشطين السلميين، وعلى سبيل المثال: “قالت السيدة سميرة الوزني، والدة الناشط القتيل إيهاب الوزني، إن ابنها تلقى تهديدات مستمرة من القيادي في ميليشيات الحشد الشعبي قاسم مصلح… مناشدة الحكومة بكشف قتلة المتظاهرين والناشطين، ومن بينهم قتلة ابنها.” (4)
كما حصل موقع “الحرة” على تسجيل صوتي للناشط فاهم الطائي، الذي اغتيل قبل أكثر من عام في كربلاء أيضاً، يتحدث فيه عن تلقيه تهديدات من القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح.(5)

وإزاء تفاقم هذا الوضع المتأزم، والذي راح يهدد الدولة العراقية، كتب العديد من الكتاب العراقيين والعرب، مقالات قيمة اعربوا فيها عن استيائهم من الوضع، وطالبوا المسؤولين بأخذ الإجراءات الرادعة واللازمة لوقف هذا التردي قبل فوات الأوان. ومن هذه المقالات، مقال وصلني من الباحث العراقي الدكتور كاظم حبيب بعنوان: ((هل الحشد الشعبي للعراق أم على العراق؟ [في ضوء اجتياح واحتلال المنطقة الخضراء!] ))(6) تساءل الكاتب بحق: “ابتداءً يمكن طرح السؤال الوارد في عنوان المقال بطريقة أخرى: هل العراق دولة كارتونية تحكمها الدولة العميقة ومليشياتها؟ وهل “الحشد الشعبي حصان طروادة” لإيران؟ هذه الأسئلة ذات معنى واحد، ويستوجب الإجابة عنها من كل مواطنة ومواطن في العراق وفي الخارج يدرك قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان واستقلال الدولة وسيادتها الوطنية ويناضل من أجلها.” انتهى.

ونظراً لأهمية المقال والتساؤلات، فقد عممته على مجموعة نقاش، فجرى نقاش هادف ورصين من قبل نخبة من المثقفين الحريصين على أمن وسلامة العراق مشكورين. ومقالي هذا جاء من وحي هذه المناقشات، ويتضمن الكثير من أفكارها. والسؤال المهم هو كيف الخروج من مأزق المليشيات التي باتت تهدد وجود العراق كدولة وتحويله إلى دولة عميقة، أو دولة كارتونية؟ وهل من سبيل سلمي لحلها وإنقاذ العراق من شرورها؟

فما الحل؟
لا شك أن هذه ليست المرة الأولى التي يمر بها العراق بأزمة المليشيات المنفلتة وتجاوزاتها على أمن وسلامة المواطنين، وتسيء إلى هيبة الدولة. ففي عهد حكومة ثورة 14 تموز 1958، تشكلت (المقاومة الشعبية)، ولما حصلت بعض التجاوزات على المواطنين، انتهت سلمياً ببيان من رئيس أركان الجيش (الحاكم العسكري العام) أحمد صالح العبدي آنذاك، دون أية صعوبة. ثم جاء دور (الحرس القومي) البعثي السيئ الصيت بعد انقلاب 8 شباط 1963 الأسود، فعاثوا في الأرض فساداً، والذي أنتهى بعد أن انقلب عليهم الرئيس عبدالسلام عارف في تشرين الثاني من نفس العام، فألقوا أسلحتهم واستسلموا دون مقاومة تذكر. ثم جاء البعثيون ثانية عام 1968، وفي السبعينات قاموا بعسكرة المجتمع، وشكلوا ما سمي بـ(الجيش الشعبي، وفديائيي صدام…الخ)، حيث أرغموا حتى كبار السن بالانضمام لهذا الجيش خاصة أيام الحرب العراقية – الإيرانية العبثية، والذي انتهى بانتهاء النظام البعثي الصدامي بحرب قادتها أمريكا.

ولكن ما يجري اليوم من الحركات المليشياوية هو من نوع جديد لم يألفه العراقيون من قبل، فهذه المليشيات تعمل بالغطاء الديني المقدس، و باسم حماية الوطن والدين والمذهب، وأنها تريد تطهير البلاد من الوجود الأمريكي…الخ، لذلك فكل من يتجرأ بانتقادها، أو حتى تقديم النصح لها باحترام الدستور والقوانين، لم يسلم من التهم الجاهزة بالعمالة للصهيونية وأمريكا. أما ولاءهم لمصلحة إيران وتدمير وطنهم العراق فهذا ليس عمالة في رأيهم.

أما كيف يمكن التخلص من هذه المليشيات المغلفة بالغلاف الديني، وبأقل ما يمكن من خسائر، فقد جاء في مداخلة أحد الأخوة في مجموعة النقاش اقتبس منها ما يلي:
“الذي أنشأَ الحشد الشعبي بفتوى فرض الجهاد الكفائي لأول مرة بغرض الحفاظ على الأرواح من عبث داعش الكافر يستطيع حله (إن أراد) بفتوى انتفاء الحاجة اليه وعبثية استمراره، لا بل وحتى تكفير من استمر بالانتماء له لما يخالطه الآن من دنس قادته، والكثير من افراده الفاسدين. ولا اعتقد انه سوف تعوزه البلاغة اللغوية لتبرير الفتوى الثانية.” وأضاف الصديق: “ولا ينكر ان الانتماء للحشد اصبح مصدر رزق لبعض الناس ولا بد من إيجاد حل للفقر في هذه الدولة الغنية البائسة.” انتهى

وفي مجموعة النقاش من شكك في إمكانية جدوى هكذا فتوى فيما إذا أصدرها المرجع الديني، و قال آخر أن المرجع هو زعامة روحية، ولا تمتلك آليات تنفيذ الفتوى. وربما ستتمرد المليشيات على المرجع الديني، وبذلك يفقد مكانته…الخ. كما وصلني تعليق من صديق متابع للأزمة العراقية قائلاً: ((لا أتفق أن اصدار الفتوى سيحل هذه المعضلة الكبيرة. فالسيستاني سبق وأن عبر عن توجيهه بهذا الشأن وهو حصر السلاح بيد الدولة أكثر من مرة لكن دون فائدة. هذا مخطط كبير للجارة إيران ولن يتخلوا عنه بسهولة.))

أعتقد أن هذه المخاوف رغم احتماليتها الضعيفة ، إلا إنها غير مقبولة ولا تبرر سكوت المرجع الديني عنها، خاصة عندما يكون الوطن مهدداً بالخطر، إذ لا يجب الاستسلام للبلطجة خوفاً منها، كذلك نقول أن الفتاوى لا علاقة لها بآليات تنفيذها، فزعامة المرجع الديني هي زعامة روحية وليست تنفيذية. (إنما الدين النصيحة- حديث شريف). فالقوة المادية التنفيذية تبقى بيد الدولة كما حصل في تنفيذ فتوى الجهاد الكفائي الأول عام 2014. فالمليشيات الولائية الآن راحت تهدد البلاد والعباد واتخذت من فتوى الجهاد الكفائي ذريعة لفرض هيمنتها، وتعيث في الأرض فساداً، إذ تفيد الأنباء أنه حتى السيد السيستاني نفسه مستاء منهم كما غالبية الشعب العراقي.

لذلك فالمطلوب من المرجع الديني هو إصدار فتوى لسحب البساط من تحت أقدام المليشيات الولائية، وتجريدهم من تشبثهم بالدين والمذهب في ارتكاب جرائمهم بقتل و ترويع المواطنين. وإذا ما تمردوا على المرجع وخالفوا الفتوى فهم الخاسرون في جميع الأحوال، لأنهم يثبتون أنهم ليسوا مدافعين عن الدين، ولا يحترمون المرجع الديني الأعلى، بل يعملون لأغراض سياسية ومنافع مادية دنيوية وعمالة لدولة أجنبية. والدولة هي التي تمتلك آليات التنفيذ. لذلك فإصدار فتوى ضد المليشيات الولائية ستكسب المرجعية شعبية واسعة، لأنها ستخدم ليس الشعب العراقي فحسب، بل وتبرئ المرجعية من الإذعان لهذه المليشيات المنفلتة التي أساءت إلى سمعة الشيعة كمذهب مُضطهَد طوال التاريخ، حيث راح خصومهم يرددون أن الشيعة كانوا مظلومين وهم خارج السلطة، ولكنهم بعد أن صاروا في السلطة تحولوا إلى ظالمين. لذلك يجب حماية الشيعة من تلك الفئات الضالة (خوارج العصر) التي ترتكب الجرائم باسمهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.