أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد .. صرخت العميلة بهلع: اسألوني وسأجيب

أمينة المفتي .. أشهر جاسوسة عربية للموساد .. صرخت العميلة بهلع: اسألوني وسأجيب بصراحة .. لا أريد أن أموت
أمينة داود المفتي1

أمينة داود المفتي
قد يعتقد البعض أن اعترافات أمينة المفتي التي أدلت بها لا تفي بالغرض. فالضابط الفلسطيني لم يسألها سوى خمسة أسئلة فقط. وأقول: لقد حملت إجاباتها اعترافاً صريحاً بالتعامل مع الموساد، وكذا أسماء شركائها في شبكة الجاسوسية، وعند هذا القدر الهائل من المعلومات في الاستجواب الأول. ظهر فريق من رجال المخابرات الفلسطينية يترأسهم العقيد أبو الهول، لمهمة مباشرة التحقيق مع الجاسوسة المنهارة، دون منحها فرصة واحدة للراحة أو لاسترداد أنفاسها، إنه التوقيت الذهبي لاستجلاء خفايا الأسرار التي يحملها الجاسوس المعتقل، حيث يكون واقعاً تحت ظروف نفسية وجسدية مرهقة. ومنحه فرصة – ولو قصيرة – للراحة، معناه خسارة فادحة لا تعوض، لأنه بذلك سيرتب أفكاره ويتحصن بالأكاذيب التي درب عليها واسترجعها لحظة عمل العقل المعطل.
وكان لوصول أبو الهول وقع الصدمة عند أمينة، فهو رجل بدا بلا قلب أمامها عندما أعدم الفتاة الفرنسية، وأمر برميها خلف الجبل وتحطيم رأسها بالصخور.
صرخت الواهنة المدلاة من سقف الكهوف عندما لمحت الرجل المتجهم يقترب منها، ويأمر أحد الجند بأن يعري ظهرها.
تأوهت المرأة ألماً والجندي يرخي سترتها، ولما انكشف الظهر بدت خطوط السياط الحمراء المتقاطعة في كثافة، فصرخ في جنوده بصوت جهوري أجش:
– أكنتم تدللونها يا أولاد الـ…؟ أما زلتم في مرحلة الحضانة؟
وانهال ضرباً على الجنود الذين تناوبوا تعذيبها وهو يسبهم ويقول:
– كانت الفرنسية تمطر دماً.. أين دم هذه الـ… يا أوغاد؟
ثم اتجه بوجهة الضابط الذي حقق معها وسأله:
– هل اعترفت بكل شيء؟
أجابه الضابط على الفور وهو يقف منتصباً في انتباه:
– لم تعترف بعد سيادة العقيد إنها كاذبة.
هنا.. أدركت أمينة أن النهاية قد قربت.. فاستجمعت ما بقي لديها من قوة وقالت للقائد في هلع ووهن: اعترفتُ.. اعترفتُ.. حتى بأسماء شركائي.. اسألوني وسأجيب بصراحة. لا أريد أن أموت.. أن أموت. فصمت أبو الهول للحظات مرت بطيئة.. مرعبة، ثم نطق آمراً في حسم:
أنزلوها..
وبداخل كهف السعرانة، شرع العقيد أبو الهول في استجوابها.
ورصت عدة مقاعد خشبية على شكل نصف دائرة يتصدرها القائد، بينما جلست أمينة على الأرض بلا قيود في وضع القرفصاء، حيث بدأت تعترف بقصة سقوطها في شرك الجاسوسية منذ البداية.. البداية الأولى في فيينا. وكانت خائرة تماماً لا تملك إلا قول الصدق.. كل الصدق أملاً في النجاة.
وجاء في ملف استجوابها أنه في يوم 12 أيلول “سبتمبر” 1975، الساعة الواحدة وخمس دقائق مساء، أُخضعت أمينة المفتي للتحقيق، وكان استجوابها برئاسة العقيد أبو الهول، وبإشراف القائد محمد داود عودة “أبو داود” كما يلي:
– اسمك بالكامل..؟
– أمينة داود محمد المفتي.
– جنسيتك..؟
– أردنية.
– تحصيلك الدراسي..؟
– بكالوريوس علم النفس الطبي بجامعة فيينا عام 1963.
– والدكتوراه..؟
– مزورة.. فأنا لم أكمل دراساتي العليا.
– أين ومتى تم تجنيدك في الموساد..؟
– أنا لم أجند. لكنهم هددوني في فيينا في شهر مايو 1972.
– كيف؟ نريد كل التفاصيل.
– كنت أسعى للحصول على درجة الدكتوراه في فيينا. ولما فشلت في ذلك تزوجت بطيار نمساوي يهودي اسمه موشيه بيراد، هو في الأصل الشقيق الأكبر لصديقتي النمساوية سارة، وكنا قد ارتبطنا معاً بعلاقة حب.
– تتزوجين من يهودي وأنت المسلمة..؟
– كانت ظروفي النفسية سيئة وتزوجته بإلحاح منه، ولم أكن أعلم أن ذلك حرام لأنني غير متدينة.
– ألم تشكي في نواياه وهو يلح في الزواج منك؟
– لا.. مطلقاً.. فهو كان يحبني جداً ويسعى لإسعادي.
– هل يعرف أهلك في الأردن بقصة زواجك من يهودي..؟
– لا.. فقد عارضوني بشدة عندما أخبرتهم برغبتي في الزواج من نمساوي. وكنت قد كذبت عليهم وادعيت بأنه مسلم من جذور تركية. لذلك.. هربت مع موشيه الى إسرائيل خوفاً من أن تطاردني أسرتي.
– وما قصة هروبكما هذه..؟
– جائني موشيه ذات يوم – وكنا نعيش في وستندورف قبلما ننتقل الى فيينا – وبيده إحدى الصحف المحلية، وقال لي توجد بالصفحة التاسعة حكاية غريبة عن طبيب إيطالي، يغتصب مريضاته في حجرة العمليات بعد تخديرهن. ولما قرأت الصفحة لفت انتباهي إعلان بارز الى جوارها مباشرة، كان عن طلب طيارين عسكريين أوروبيين من اليهود للهجرة الى إسرائيل. وكانت المزايا المقدمة متعددة جداً ومثيرة، فتكلمت مع موشيه وناقشت الأمر معه لكنني فوجئت به لا يكترث. فغضبت منه لأنه يعرف مدى خوفي من مطاردات أهلي لي، وحالات التوتر التي لا تكف عن إرهاق أعصابي ليل نهار، وكلما وجدته كذلك ازددت إلحاحاً في مناقشة الفكرة معه، فقبلها بوقت ليس طويلا كان قد حدثني عن رغبته في العمل كطيار مدني بإحدى الشركات الكبرى.
وبعدها بأيام انتقلنا الى شقتنا الجديدة بفيينا، إلا أنني كنت لازلت غاضبة ومكتئبة وخائفة. وكثيراً ما صحوت من نومي هلوعة مضطربة، وأجدني لا أهدأ إلا بعدما أبكي بحرقة، فكان حالي يؤرقه ويضايقه. ولما وافق على مناقشة فكرة الهجرة لإسرائيل، سألني عن قناعتي فأجبته بأن إسرائيل هي المكان الوحيد الذي سأحس فيه بالأمان لأن أهلي لن يتوصلوا الي. فقال إنه يخشى أن يرفضوا طلب الهجرة لأنني مسلمة.. وأردنية، فقلت له وكيف نضمن الموافقة؟
فقال بأن تتهودي.. ولما وافقت اصطحبني الى معبد شيمودت حيث تم تعميدي وأصبحت يهودية.
– هل كنت تكرهين كونك عربية؟
– كنت أكره مظاهر التخلف في بلادي.
– هل عدم اكتراث موشيه بالإعلان الذي جاء بالصحيفة يوحي لك بشيء الآن..؟
– ربما كان يدفعني لأن ألح أكثر فأكثر.. أو أنه كان يرغب العمل كطيار مدني.
– هل موشيه كان يهودياً متديناً..؟ وهل كان يحب إسرائيل..؟
– لا.. لم يكن متديناً. فنادراً ما كان يذهب الى المعبد. لكنه كان يحب إسرائيل ويفتخر بتفوقها وتقدمها.
– وسارة..؟
– كانت مجنونة بإسرائيل، وتصطاف بها كل عام.
– هل استدعتك جهات أمنية في فيينا قبل هجرتكما لإسرائيل..؟
– لا.. نعم.. اصطحبني ضابطان الى جهة أمنية لا أعرفها في تل أبيب.
– ماذا حدث معك هناك..؟
– برروا لي حروبهم مع العرب، وأنهم يدافعون عن وطنهم ولا يبغون عدواناً على أحد، وأنهم يسعون الى السلام.
– هل اقتنعت..؟
– كنت أقول لهم ذلك.. لكنني لم أكن مقتنعة بما يقولون. “كانت تكذب.. فهي نسيت عروبتها وتحولت الى يهودية قلباً وقالباً”..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.