أنا والوطن- علياء الانصاري

لماذا يموت الناس هكذا سريعا.. دون اي جلبة أو صخب، دون أي قيمة للحظة رحيلهم، لماذا نموت هكذا سريعا في بلدي، دون أدنى مبالاة أو أهتمام.. نموت صباحا ونحن نقطع الطريق لطلب الرزق، وبدل ان نعود بطعام العشاء الى أولادنا، نعود اليهم أشلاء يعجزون عن ترقيعها لتصبح جثة قابلة للدفن على تراب هذا الوطن، الذي لم يسعهم أحياء ولكنه كان كريما معهم وهم أموات.. وطني يحب احتضان أبنائه في أحشائه.
كنت أسمع دائما: نموت ويحيا الوطن.
لماذا؟ لماذا يريد الوطن منا ان نموت؟ ولماذا يكون مهما عندنا ان نموت لأجل الوطن؟
الوطن بحاجة لنا، الوطن يريدنا ان نحيى ونكبر ليكبر بنا.
لماذا لانقول: نحيا في سبيل الوطن، لماذا نموت ويحيا الوطن، كما علمونا في الصغر، لماذا هذه المقارنة بيني وبين وطني؟ لماذا يجب على أحدنا ان يموت، أنا أو هو؟
لنحيا معا، ما الضير في ذلك؟
ذلك العدد الهائل من الشباب الذين أكلتهم الحرب الايرانية العراقية والذين سحقتهم سجون صدام وأعواد مشانقه، ومن قضى نحبه على قارعة الطريق بعبوة أو حزام ناسف، وكل اولئك الذين نزفوا دون اي ذنب سوى إنتمائهم الى هذه الارض، ما بين معلم ومربي وطبيب وعالم ومهندس وفلاح وكاتب وشاعر وفنان و….، كان بإمكانه أن ينهض بوطنه مساهما في تطويره وارتقاءه نحو الأفضل، كان من المفترض ان يقضي أولئك الشباب أعمارهم في المدارس والجامعات والمختبرات والمعامل ليساهموا في صناعة أوطانهم وإعمارها وإزدهار اقتصادها ورقي حضارتها، كما كل الشباب في بلدان العالم الآخر، ولكنهم قضوا نحبهم على حدود أوطانهم المغبرة، ليبني غيرهم أوطانهم ويصنعوا مجدهم على أنقاض جماجم أبنائنا.
في الوقت الذي كان الغرب يبني مجده التكنلوجي وحضارته التقنية وفلسفته التي غزت العالم وأصبحت مصدر إلهام للعديد من الشعوب، كان أبنائنا المسلمين يموتون قرابين لأهواء فاسدة ومصالح متعفنة لرأسمالية قبيحة حكمت ومازالت تحكم العالم تحت عناوين براقة تغري السذج منا بعبادتها.
والمؤلم، أننا مازلنا مشدودين لتلك الفكرة المستحكمة في أذهاننا، بأن الوطن بحاجة الى دمائنا. فمنذ الصغر ودمائنا تنزف برعونة ومازالت، ومازلنا نجتر ذات الفكرة لأبنائنا وأحفادنا، الوطن بحاجة الى دمائكم.
ومازال ذلك الدم يجري، ومازال الوطن فقيرا وعاجزا ومسكينا، لم تنفعه كل دمائنا وتضحياتنا وأرواحنا السابقة والحالية.. فمتى يكتفي الوطن؟!
منذ عقود من الزمن، وحتى عامنا هذا، نزفنا كثيرا ما بين حروب مع الجيران وحروب مع أنفسنا، وإقتتال طائفي، واحتلال داعش لمناطقنا، وعبوات وأحزمة ناسفة، وحشد شعبي، ووو… ومازال الوطن يشرب من دمائنا ولا يرتوي؟!
هكذا قالوا لنا: موتوا ليحيا الوطن.
متنا، ولكن لا حياة للوطن!
أليس الأجدر بنا، أن نعيد النظر في تلك القناعة الخاطئة التي استحكمت فينا، ونعلّم أبنائنا القادمين: الوطن يحيا بحياتكم.
لا خير في الوطن أن لم تكونوا أنتم عماله، ومعلميه، ومهندسيه، وشيوخه، وفلاحيه وعلمائه وشعراءه ومفكريه.
الوطن بحاجة الى فكركم، علمكم، عملكم، تعبكم، كدحكم، أحلامكم، حبّكم، دمائكم، وكل شيء ينبض بالحياة فيكم.
الوطن بدون أبنائه، لا يساوي شيئا، هذا ما نحن بحاجة إليه، وهذا ما لا يريده الاستكبار العالمي المتمثل بأمريكا واسرائيل وجنودهما من الحكام العرب والمسلمين الذين باعوا ضمائرهم ودينهم وشعوبهم إرضاءا لمصالحهم وشهواتهم. فهم يريدون منا ان نموت باستمرار، ضمن طاحونة الحرب والقتل التي تخدم مصالحهم وعروشهم، نقتل بعضنا البعض، ونضحي بحياتنا ليخلدوا هم. فمملكتهم قائمة بموتنا ودمائنا تروي شجرة خلودها.
فما نحتاجه في زمننا القادم، هو السعي للبقاء! أن تكون أجسادنا، قلاع منيعة للسائل الأحمر في خلاياها، فالوطن بحاجة الى نزف أفكارنا، علومنا، أخلاقنا، لا دمائنا.
والأدهى في هذه القضية، هو اختزل الوطن في شخص واحد!
فالحاكم هو الوطن، إن انتقدت الحاكم فأنت غير وطني، وأن عارضته فأنت خائن للوطن.
الحاكم السياسي هو الوطن، كما علمونا صغارا: بان بابا صدام هو الوطن (انت العراق والعراق أنت)! فمن يقف ضد صدام إذن هو ضد العراق، والعراق لا يسع له فعليه ان يختار وطنا آخر له، أو يصبح الرمس وطنه!
وبدأنا نتفلسف من حينها: الوطن الذي لا يحمي أبنائه لا يستحق ان يعبد! الوطن الذي لا يمنحني الأمان، لا يستحق مني ان اعيش فيه! وهكذا سلبوا منا حبّنا لوطننا وسحقوا شعورنا بالإنتماء إليه. لإننا أيقنا بان الوطن هو منحة السيد القائد، وهو الاوحد الذي له الحق فيه، فعلينا ان ننتمي له كي نشعر بإنتمائنا لوطننا. فبدأنا نحقد على الوطن، ولا نبالي به.
هناك إشكالية كبيرة في علاقتنا بالوطن! مؤشراتها خطيرة فيما يعانيه  الشباب اليوم من فقدان الإنتماء لاوطانهم، وإنتهاز الفرص للإفلات منه الى أوطان اخرى تمنحهم لجوئها وأمنها وإستقرارها.
هذه الإشكالية لها جذور مستحكمة في عقولنا ووجدانياتنا، تشكلت منذ عقود من الزمن، ساهمت الانظمة السياسية بزرع بذورها وتشكيل معالمها، كما ساهم جهلنا وغفلتنا بأستحكامها وتجذرها فينا.
أذكر عندما كنا صغارا، في المدرسة الابتدائية، كنا مبرمجين على ان نهتف عند دخول المعلم الى الصف (قيام): قادسية صدام، و(جلوس): يسقط الفرس المجوس!
نرددها عشرات المرات يوميا، لتختلط بلحمنا ودمنا، كما اختلطت مفاهيم: (الوطن هو صدام وصدام هو الوطن)، ليصبح بعد حين: (الوطن صدام)! ولتنضج الفكرة أكثر عندما يصبح: (صدام عنوانا لكل مظاهر الحياة)، ويكبر ليصبح هو (عبدالله المؤمن)، ومن يدري لو عاش أكثر لاصبح هو: (الحجة المنتظر)!
ولذلك عندما كانوا يقارنون بين موتنا وحياة الوطن، كانوا يقصدون: موتنا وحياة القائد! وهذه حقيقة لا يمكن نكرانها، فحياتنا لا يمكن ان تجتمع مع حياة القائد. وحياة القائد تتضاد مع حياتنا، فلابد لأحدنا ان يموت كي يحيا الآخر.
ومات الملايين كي يحيا صدام، ومازلنا نموت كي يحيا ساسة آخرون، يمثلون الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.