إطمئن يا قاصف النعيرية.. فنحن عراقيون طيبون..!- قصي صبحي القيسي

لم تكن كاميرا خفية ولا مقلباً من مقالب رامز جلال ، كان مشهداً واقعياً جداً ، واقعياً حتى الموت ، عوائل آمنة في منازلها ، رجال ونساء وأطفال معظمهم خلدوا للنوم بعد السحور الرمضاني ، آخر ما بقي في أذهان الأطفال صوت طبل السحور ، لم يتخيلوا أن ثمة زلزالاً له دويّ أعلى بكثير من دويّ طبل (أبي الدمّام) أو (أبي طبيلة) ، ثمة صاروخ سيسقط فوق منزلهم ومنازل جيرانهم (بالخطأ) ليقضي عليهم جميعاً في ثوانٍ .
ثلاثة أو أربعة منازل في حي النعيرية ببغداد هدمت فوق ساكنيها إثر سقوط صاروخ بالخطأ من طائرة سيخوي حلّقت فوق هؤلاء المساكين ، فقصفتهم بدلاً من أن تقصف الإرهابيين ، فاستشهد من استشهد وأصيب من أصيب ، ومرّت الحادثة وكأن شيئاً لم يكن ، فما أسهل الموت في العراق !
ثمة عدة روايات للحادثة ، وإذا استبعدنا منها الروايات البعيدة عن الواقع يمكن أن ندقق النظر في الروايات التي قد يتقبلها العقل السليم بعيداً عن نظرية المؤامرة ، وهنا سنقول أن الطيار شخص عاقل غير مصاب بأي خلل عقلي ، وأنه حسن السيرة والسلوك ولاغبار على سمعته ، وباختصار ليست لديه ميول عدوانية ولم يتعمد ارتكاب هذه المجزرة ، وأن الحادث كان نتيجة خطأ تقني في الطائرة ، فهل هذا يبرر المجزرة ويُغلق ملف القضية عند هذا الحد؟! قُتل الجميع نتيجة خطأ تقني والسلام؟!
لنفترض أن الطيار وفقاً لإحدى الروايات التي صدرت عن شخصيات حكومية وصل الى منطقة يتواجد فيها عناصر داعش في الفلوجة أو غيرها ، وضغط على زر إطلاق الصاروخ فلم ينطلق ، كرر المحاولة عدة مرات فلم ينطلق ، ما الواجب فعله في هذه الحالة ؟
هل من الصعب على الطيار أن يغير مساره الى أية أرض خالية من التجمعات السكانية ويستمر بالتحليق فوقها الى حين إطلاق الصاروخ والتخلص منه؟ وهل من الصعب عليه فيما لو فشل في إطلاق الصاروخ في منطقة خالية أن يتصل بالقاعدة الجوية ليحدد لهم مكانه ومن ثم يضغط على زر النجاة فيقفز من هذه الطائرة المشؤومة ويضحي بها هي وصاروخها بدلاً من أن يضحي بحياة العوائل الآمنة في منطقة النعيرية ؟ ، ولنفترض أن الطائرة لاتحتوي على تقنية قفز الطيار بالمظلة ، لماذا لم يرتطم بها وهو في داخلها بأية بقعة خالية ليموت هو بشرف بدلاً من أن يجلس أمام التلفاز ليشاهد جثة طفلة صغيرة تُستخرج من تحت الأنقاض؟! أليس الموت أخفّ تأثيراً على النفس من هكذا مشاهد مؤلمة؟!

إن تغيير مسار طائرة مقاتلة لأسباب طارئة سهل جداً ولن يثير مشاكل بقدر ما تثيره طائرة ركاب تغير مسار رحلتها ، لماذا لم يغير الطيار مساره؟ لماذا عاد أدراجه بكل سهولة حاملاً معه هذا الموت لتلك العوائل ؟
مات الناس بلا ذنب كما مات الآلاف غيرهم بالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة في بلدٍ بات الموت فيه أسهل من شرب الشاي .
الحكومة وعدت بالتعويض ، وهذا بحد ذاته خبر مذهل ، فكل شيء قد يخطر في أذهاننا قد تقدر الحكومة على فعله ، العدالة الاجتماعية ، توفير الأمن ، الخدمات ، القضاء على الفساد ، أما إعطاؤها وعداً بتعويض الضحايا فهذا شيء انفردنا به دون جميع دول العالم ، لعلنا سنكون أول دولة تتوصل الى ابتكار علمي يعيد أرواح الضحايا الى أجسادهم كما أحيا سيدنا موسى عليه السلام أحد القتلى بقدرة من الله تعالى ، هل وصل أحد المسؤولين الحكوميين الى درجة من التقوى والقرب من الله ليتمكن من إحياء الموتى؟! أما اذا كان التعويض الذي تتحدث عنه الحكومة (مادياً) ففقدان الأحبة لاتعوضه كنوز الأرض .
لستُ هنا لأهاجم رئيس الوزراء ، ولا وزير الدفاع ولا قائد القوة الجوية ولا الطيار الذي قصف تلك العوائل المسالمة وأبادها بالخطأ ، فالكل هنا (شعباً وحكومة) يدورون في دوامة لامخرج منها إلا بصحوة عقل ، عقل لامكان فيه للنزعات العاطفية ، عقل يحتكم للقانون ولا (يلفلف المشكلة ويطمطم القضية لخاطر فلان وعلّان) ، فمشكلتنا أننا نتعامل مع الكوارث على أنها أمور عادية ، لأننا اعتدنا على الخطأ ، كل شيء في حياتنا خطأ ، بدءاً بلعب الأطفال (مسدسات البلاستك) ومروراً بالغش الجماعي في مدارسنا المتخلفة ، وانتهاءاً بمسؤول كبير ينهب قوت الشعب ويودّع أصدقاءه بكل سهولة في مطار بغداد مبتسماً ليستقل طائرة الى دولة متقدمة يقضي بها سنوات عمره وفي خزائنه مال قارون .

المصيبة أننا كشعب بدأنا نستسهل الكثير من الأمور ، تمر بنا شتى أنواع الكوارث فننساها بعد يومين أو ثلاثة ، فتتحول قصة تفجير مأساوي أودى بحياة العشرات من أهلنا الى مجرد (سالوفة عادية) نسولف بها مع جيراننا عندما نتوجه معاً لنلقي بأكياس نفاياتنا في الجزرة الوسطية أو قرب سياج المدرسة ، (وين مات فلان؟ مات بانفجار حي الجهاد ، فلانة وأطفالها وين ماتوا؟ ماتوا بانفجار مدينة الصدر..).
أقول للطيار الذي ارتكب حادثة النعيرية بالخطأ : كُن مطمئناً يا سيادة الطيار ، سيُطوى الملف وتُنسى الحادثة ، فالآلاف من الضحايا في هذا البلد ضاعت دماؤهم هدراً ، نعرف أنك لم تكن متعمداً ولم تكن تضمر العداوة لهؤلاء المساكين بل انك لاتعرفهم أساساً ، لكن الأجدر بك أن تشكر الله الذي خلقك في بلد العجائب وجعلك عراقياً ، فلو حصلت هذه الحادثة في دولة ثانية لقامت القيامة ولاستقال مسؤولون كبار ولأستبدل الشعب حكومته بحكومة اخرى ، لكننا وبكل بساطة.. عراقيون طيبون !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.