إلى أين يتجه التاريخ..؟- جاسم المطير

في ليالي اجتماعات الخلية الحزبية الطلابية، التي انتميت إليها بداية خمسينات القرن الماضي ..كنا نسمع من (منظم الخلية) ومن القادة الزائرين المشرفين عليها ما مفاده:
الاتحاد السوفييتي دولة نموذجية.. هواؤها ليس مثل هواء بلاد الرأسمالية الامريكية والبريطانية والفرنسية وأن لحم الخروف السوفييتي ادسم واطيب وأن بيض الدجاج أكبر وألذ.. العامل السوفييتي ارقى البشر جميعا وان الاتحاد السوفييتي بلد ليس فيه لصوص ولا افاعي ولا عقارب ولا كذابين ولا دجالين..! كنا نُلقن بمعلومات ان الشيوعيين السوفييت هم انجح الناس وان الرأسماليين الغربيين هم افشل الناس, كنا نتلقى الاحصاءات عن نجاحات الاتحاد السوفييتي كأنها بوابة الدخول الى جنان الارض. لم نكن نشعر باي غربة عن الاتحاد السوفييتي أو عن بلغاريا وهنغاريا ورومانيا بالرغم من انه لا يوجد أي شيوعي من البصرة قد زار تلك البلدان.
القوة الجاذبة
سحرتنا كلمتا (الاشتراكية) و(الشيوعية). صار الانتماء للحزب الشيوعي معناه القدرة على تعزيز الكفاح المرير، ليس ضد الاستعمار البريطاني وحسب ، بل ضد الاستغلال والعبودية . كنا نجد في دولة الاتحاد السوفييتي قوة جذابة عظمى يمكن ان نستظل بتجاربها وبأفكارها وبأمثلة المناضلين الشيوعيين فيها بقيادة فلاديمير لينين.
اندفعنا نحو النضال من اجل (العدالة الاجتماعية) تمثلا بنضال الشيوعيين الأوائل (البلاشفة) احفاد مناضلي ( كومونة باريس) ظنا منا ان العدالة متوفرة في البلد السوفييتي الى اعلى مستوى ،مثلما كنا نظن ان الاتحاد السوفييتي قد تخلص نهائيا من الفقر والجهل والمرض.
اعتقدنا ان رفاقنا البلاشفة الروس بنوا بلدا بلا سجون ولا معتقلات ولا منافي ولا شهداء وان القصص والروايات والكتب القادمة من بيروت تعلمنا قراءتها ان الاتحاد السوفييتي صار رب الحضارات كلها ، لا جدال ولا تشكيك بيننا نحن اعضاء خلايا الطلاب في الحزب الشيوعي العراقي بالبصرة.
الصورة والتجربة
مرّ قرن من الزمان على ثورة اكتوبر الاشتراكية، قرن من زمان التصور الثوري اللينيني . كان التصور يحمل حجما كبيرا من آمال الحزب الشيوعي الروسي لبناء أول دولة اشتراكية ذات حداثة تكنولوجية وعلمية اوصلت اول انسان الى سماوات الفضاء الخارجي ، كما اعتمد بناء هذه الدولة على حداثة ابداعية انسانية وجمالية أبدعت اجمل الآداب والروايات والافلام السينمائية .
استمر عمر الدولة الروسية الاشتراكية حوالي ثلاثة ارباع القرن ثم انهارت بسرعة ، مما جعل اسئلة البشرية في كل مكان بالعالم تتركز منذ ربع قرن على سؤال :لماذا حدث انهيار الدولة العظمى ، الاتحاد السوفييتي، ولماذا إنهار المعسكر الاشتراكي ..؟
ترى هل كان توظيف العقل الاشتراكي – الشيوعي مناسبا وصائبا في خدمة الانتاج الاقتصادي وقوانين السوق بدولة كبرى، ممتدة على مساحات واسعة في قارتي اوربا واسيا ..؟
اهتزاز العالم
في اول شبابي قرأتُ مثلما قرأ غيري من الشيوعيين والتقدميين وكثير من الشبان كتاب عنوانه (عشرة ايام هزت العالم) لمؤلفه الصحفي الامريكي (جون ريد) علّمنا ، نحن جيل التقدميين العراقيين، من خلال صفحاته ان ثورة اكتوبر عام 1917 هي اعظم عملية تاريخية في العصر الانساني الحديث تمكنت من تحويل الشيوعيين الروس المناضلين المضحين الى قدرة اجتماعية هائلة جديدة لبناء نظام جديد يقضي على كل مخلفات الطبقة القيصرية ،الحاكمة السابقة الفاسدة .
لكننا ، الآن ، نشارك ، جميعا، بعد مرور 100 عام على ميلاد تلك الثورة في سؤال كبير جديد هو: هل استطاعت قوى الدولة الاشتراكية وقادة حزبها الشيوعي ان يخلقوا خلال 70 عاما نظاما قادرا على تحقيق حلم العمال والفلاحين والمثقفين في بناء دولة متواصلة في تطورها وجعلها دولة لا تتوقف ولا تنهار ولا تسقط ..؟
منذ ربع قرن تجمعت كتابات فلسفية وابداعية كثيرة جدا ( قصص وتحليلات وروايات وتحقيقات صحفية ومذكرات ومقابلات تلفزيونية وافلام سينمائية..) تناولت فترة المائة عام من عمر ثورة اكتوبر على النطاق العالمي . ساهم كتاب شيوعيون عراقيون في صياغة بعض الممكنات حول اسباب انهيار الدولة الاشتراكية ومعسكرها العالمي كان منهم اولاً الرفيق عامر عبد واخرهم الرفيق صالح ياسر . حاول كل منهما الكشف عن الاصول العميقة والمظلمة، التي ادت الى انهيار اول حضارة اشتراكية قدمت للبشرية جمعاء قدمتها ثورة اكتوبر الاشتراكية.
النزعات الضارة
استمر بهذه المقالة السريعة في محاولة اكتشاف النزعات الضارة والخاطئة في اطار (العلاقات الصعبة) التي قامت بين الدولة والمجتمع في ظل دولة الثورة الاشتراكية الأوكتوبرية ، بين قادة الدولة الاشتراكية ومواطنيها المتعطشين للحرية والحياة الحرة المرفهة.
اجد نفسي في هذه اللحظة عائدا الى كارل ماركس حيث الشيوعيون العراقيون مثل الشيوعيين الروس والفرنسيين واللبنانيين والبريطانيين يعودون اليه في كل مازق ومحنة. أعود الى قوله في (البيان الشيوعي) حيث أكد ان تاريخ المجتمع البشري حتى الان هو تاريخ الصراع بين الطبقات ، بين الحر والعبد ، بين السيد والتابع، بين الرئيس والمرؤوس، بين المضطهد والمضطهد، وقد كانوا جميعا في نضال دائم وفي صراع يظهر احيانا ويختفي احيانا اخرى وينتهي الامر بكل مرة: اما بقلب نظام المجتمع بأسره او بتحطيم الطبقات المتناقضة جميعا .
هل التفت القادة السوفييت بعد نجاح ثورة اكتوبر بكل مراحل نشوء وتطور الدولة الاشتراكية الى هذا القول المهم ام ان اولئك القادة او اغلبهم وجدوا انهم غير معنيين بهذا القول الماركسي الهام ..؟
ربما وجد بعضهم ان المجتمع السوفييتي الجديد قد خلا من العبيد لانهم في يوم 7 اكتوبر 1917 صاروا جميعا احرارا.. ربما تصور بعض القادة ، خاصة في زمان سيطرة ستالين على الدولة الاشتراكية الاولى في التاريخ وعلى المعسكر الاشتراكي العالمي الاول. تصور الستالينيون ان الدولة الاشتراكية ليس فيها وزير متبوع وليس فيها قيادي حزبي تابع او متبوع. ليس في الدولة رئيس ومرؤوس وليس المواطن تابع لهذا او ذاك..!
الوقائع الضارة
هذا ما وقع في الدولة الاشتراكية وفي المجتمع الاشتراكي كما عرضته مباشرة او غير مباشرة كثيرا من الاعمال الروائية والادبية السوفييتية مثل رواية (دكتور جيفاكو) لبوريس باسترناك حيث تعرض صعوبات الحياة الروسية اثناء الثورة وبعدها . كذلك في رواية أخرى مثل (ارخبيل كولاك) لمؤلفها الكسندر سولجنستين أو في رواية (يوم من حياة إيفان دينيسوفيتش) حيث كان الخوف متسلطا على عقول الناس جميعا من المواطنين العاديين او الحزبيين القاعديين. لقد تجاهل ستالين واجهزته جميع ما كان يهمس به الناس في بيوتهم .
ما يقوله الادباء في رموز قصصهم ورواياتهم واشعارهم ومسرحياتهم يعني ذلك ان قادة المجتمع الاشتراكي الجديد تجاهلوا الصراع الخفي في اعماق المجتمع وهو ينمو ببطء متدرج .. لم يكونوا يتصورون ان في تلك الاعماق الاجتماعية توجد اشياء يمكن ان تهدد بقلب نظام المجتمع وتحطيم طبقته المتناقضة في دست الحكم الشيوعي على وفق نبوءة كارل ماركس.
انقلابات قيادية
حين انقلب خروتشوف على الستالينية بعد وفاة ستالين عام 1953 اعلن ان (دولة دكتاتورية البروليتاريا) لم تعد تتناسب مع الدولة السوفييتية فابدلها عام 1956 الى ما يسمى بـ(دولة الشعب كله) . كان هذا التبديل تغييرا ورقيا مجردا.. خربشات بقلم خروتشوف على ورق ابيض لم تسمح للحزب الشيوعي في البحث عن الاعشاب الضارة المحيطة بدولة البروليتاريا .. لم يفتش ولم يكتشف الحزب الشيوعي العريق ماذا يجري عبر مسالك الدولة الخفية .. ماذا يبقى في ارضها وماذا يتبخّر.. ما هي الامراض التي يمكن ان تظهر في جسم الدولة الكبير جدا وفي جسم الحزب الشيوعي الكبير جدا ايضا .. ما هو الفيروس البورجوازي المحتمل نموه وظهوره وانتشاره في جسد الحزب الشيوعي واصابته بأمراض غير متوقعة ..؟
لم يستطع قادة الشيوعيين الروس منذ المؤتمر العشرين عام 1956 حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 ان يميزوا بين الخليط الحسن في الدولة الاشتراكية العظمى وبين الموروث الاقطاعي – الامبراطوري السيء فيها وبين المقابل الرأسمالي المحيط بها.
لم يستطع القادة السوفييت المتعاقبين ابتداء من خروتشوف حتى بوريس يلتسون ان يكتشفوا حقيقة واحتمال تداخل الاجزاء بين القبيح والحسن في جسد الدولة الاشتراكية . كما لم يكتشفوا ان من المحتمل ان تتداخل وتلتقي امراض البورجوازية في جسد الحزب الشيوعي واولها امراض الفساد الاداري والمالي.
ربما لم يدرك الشيوعيون السوفييت حقيقة ان في الاتحاد السوفييتي، البلد الاشتراكي الاول، يوجد (حكام) و(محكومون) مما يعني ضرورة ان يقوم الحزب الشيوعي بمراقبة عنصر اساسي من عناصر السلطة -أي سلطة – حتى وان كانت اشتراكية حيث يمكن ان تتأسس وقائع بين (ظالمين) و(مظلومين).
صعود السلّم البورجوازي
مثلما السلطة ظاهرة جذابة في المجتمع البورجوازي – الرأسمالي اصبحت في المجتمع الاشتراكي جذابة ايضا. لن يتركها من يصعد اليها الا في حالة الموت – ستالين نموذجا – او الاعدام – الرئيس الروماني جاوجيسكو نموذجا – حتى المرض الشديد لم يجعل برجنيف ان يتركها .
لم يدرك الحزب الشيوعي السوفييتي ان كلمة (السلطة) ذات معنى واحد حتى وان كان ممثلو العمال والفلاحين على رأسها. السلطة خلقت تمايزا مرئيا وغير مرئي بين (الحكام والمحكومين).. شيئا فشيئا كان ستالين والستالينيون قد الزموا انفسهم وحزبهم بنوع من احتكار وسائل القهر المنظم والاكراه الشرعي. بذلك تحولت السلطة الاشتراكية الى غايات شخصية ليست هي غايات واحلام العمال والفلاحين.
بعد انتصار الثورة الاشتراكية عام 1917 بدأ، تدريجيا، بمراحل مختلفة ، متعاقبة، تحوّل الجهاز الحزبي المناضل المضحي الى طبقة حاكمة جديدة محل الطبقة الحاكمة السابقة الفاسدة.
صحيح ان الدولة الاشتراكية هي المالك الجديد لجميع ادوات ووسائل الانتاج لكن: من يمسك الدولة.. من يحكم الدولة ..؟ انهم نماذج الناس القادمين من رحم المجتمع البورجوازي – القيصري.
لم ينتبه الشيوعيون الى صفات من يمسك الدولة الجديدة وتطلعاتهم. لم ينتبهوا الى ستالين وتحول شخصيته الى متحكم اول بالحزب والدولة .. لم ينتبهوا الى احتمالات تحوّل الطبقة الشيوعية الحاكمة من طبقة مناضلة الى طبقة بيروقراطية. ربما لم ينتبه لينين قبل رحيله الى تركيب القيادة الجديدة بعد محاولة اغتياله. لم يضع احد في الحسبان احتمال ولادة طبقة جديدة من داخل الحزب الشيوعي نفسه.. لم يتوقع لينين ان يكون المسار الستاليني بعد رحيله هو احتمال ظهور طبقة جديدة، طبقة شيوعيين بيروقراطيين ، من داخل الوسط الستاليني لتبني دولة سوفييتية بيروقراطية ظل مواطنوها منشغلين بتمجيد قائد الحزب، ستالين. كانت الاناشيد ترتفع لتسهيل عبادة الفرد التي ادخلت الوصولية الى اخلاقية اعضاء الحزب الشيوعي ، خاصة بعد الانتصارات الباهرة ، التي حققها الاتحاد السوفييتي ، مما اوجد كوادر انتهازية في اغلب قيادات الدولة الحزبية الوصولية تتسلق الى اعلى بوسائل ليست شرعية لان القيادة في الاعلى تتمتع بامتيازات هائلة ، بينما المواطنون السوفييت كانوا يتراجعون امام معاناتهم المتفاقمة في زمان الحرب العالمية الثانية ، خاصة بعد الانتصارات الباهرة التي حققها الكادحون السوفييت من العمال والفلاحين اعضاء الجيش الاحمر، الذي كان له دور رئيسي في القضاء على الفاشية الهتلرية بعد انجاز احتلالها برلين وانقاذ البشرية كلها من شرور الحرب العالمية الثانية ، التي اشعلها اعداء الانسانية من النازيين الالمان والفاشيين الايطاليين المتوحشين .
تنامي الانتهازية
في ما بعد الحرب وولادة المعسكر الاشتراكي بعد نهايتها ظلت مجاميع قوى الجهاز الحزبي السوفييتي كما كانت خلال ثلاثينات القرن العشرين تقف وراء الامين العام للحزب الشيوعي في مراحل مختلفة لترسيخ مبدا (عبادة الفرد) وتمجيده سواء كان الامين العام ستالين او خروتشوف او اندروبوف او برجنيف او جيرنينكو ..! صارت المكاتب الحزبية اضخم من مكاتب الوزراء . صارت دائرة امن الدولة تحمي مكاتب الحزب اكثر من حمايتها للمواطنين الاعتياديين او مؤسسات الدولة .
افترق ستالين عن المجموعة اللينينية في نهاية عشرينات القرن العشرين ووصل الى فرض سلطته الفردية بذريعة الكفاح ضد المعارضة الانشقاقية والانتهازية بادعاء الحفاظ على نقاوة التعاليم اللينينة. افترق خروتشوف عن المجموعة الستالينية وجاء الى السلطة بذريعة الكفاح ضد (عبادة شخصية ستالين) ومحاولة اعادة روح (الجماعية) الى قيادة الحزب الشيوعي. انقسم بريجنيف وشركاؤه عن خروتشوف بحجة الكفاح ضد الاخطاء والتصرفات الذاتية . صارت الاشتراكية السوفييتية اشكالية مع تعاقب الرؤساء والقيادات في الاتحاد السوفييتي.
الخوف والتخويف
كل هذه الانقسامات اوجدت مجاميع حزبية ، متنفذة، متميزة، غارقة في الفساد الاداري والمالي داخل الحزب والدولة. كانت هذه الطبقة تعارض وتقمع الاصوات النقدية بالتخويف والاتهام بخيانة مصالح الطبقة العاملة . اصبح الكي جي بي يقوم بنشاطات المراقبة الداخلية لكل من يرفع صوتا نقديا لقيادة الحزب. اصبح الاهتمام الرئيسي لهذا الجهاز المخابراتي هو ادارة هيئات التنكيل بالمواطنين السوفييت وبالشيوعيين الحقيقيين المخلصين وقد تم اعتقال ونفي الكثير من المعارضين والمثقفين الذين ينتقدون بعض قادة الحزب وسلطاته حتى اصبح تعذيب المواطنين يجري بعلم القادة في الحزب والدولة و يقال ان اندروبوف اكثرهم علما. اشتد صراع القيادات بين مجموعات حزبية تريد المحافظة على مراكزها ومجموعات اخرى في القواعد الحزبية تحلم مثل المواطنين السوفييت بالارتقاء الى اعلى ، لكن الصراع بين عناصر الوصولية والارتقاء اوجدت قيادة نفعية داخل الحزب وداخل مراكزه القيادية اشد خطرا من اعداء الحزب واعداء الشيوعية.
كما نهض الاعلام الرأسمالي الغربي بحملة تضليلية واسعة ايضا عن احتمالات انهيار الاتحاد السوفييتي وانقسامه بسبب انقسامات التوجهات في قيادة الحزب الشيوعي، حتى صار الناس بكل مكان في العالم يسمعون لأول مرة عن احتمالات حصول انقلاب عسكري سوفييتي على نفسه بعد ان اصبحت العجرفة القيادية في الدولة تقود الى تشديد البيروقراطية في الحزب، بينما كانت قيادة الحزب الشيوعي (المكتب السياسي واللجنة المركزية) مهتمة بخلق التوازن بين الكي جي بي وهيئة التصنيع العسكري، بين قيادة الحزب الشيوعي والاعلام الغربي التضليلي. ظلت مجاميع الجهاز الحزبي في القواعد وفي المنظمات الحزبية حائرة ازاء ما يحدث في رأس الدولة واطرافها ، خاصة في ظروف تشير الى ازدياد اعداد الدببة الضخام والذئاب المتوحشة والثعالب المفترسة في جميع اجهزة الدولة والحزب تتحين الفرصة للانقضاض على الحزب وتحويل الدولة السوفييتية من الاشتراكية الى الرأسمالية، خاصة وقد تسارع نشاط هذه الفئات الحيوانية خلال الفترة من عام 1988 حتى عام 1990 لأنهاء وجود الدولة الاشتراكية الاولى في التاريخ الانساني وتحجيم الحزب الشيوعي السوفييتي تمهيدا للقضاء عليه.
المفاجأة والانهيار
الفساد الاداري واخطاء قادة الحزب الشيوعي، معا، جعلت الشيوعيين بكل مكان في العالم وفي وطننا العراق، ايضا، يتفاجؤون في عام تسعين القرن العشرين ان ذلك البلد العظيم يتهاوى بسرعة خارقة مما جعل احلامنا نحن الشيوعيين العراقيين متهاوية ايضا.
انهيار الاتحاد السوفييتي جعلنا بحاجة، الان، وفي المستقبل، بحاجة مستمرة للتعرف العميق على اسباب هذا التهاوي ..ليس من الصائب التستر على اخطاء الشيوعيين السوفييت وعلى الفساد المالي والاداري خلال 70 عاما من الدولة الاشتراكية الاولى بالتاريخ. . لا بد ان يقوم الشيوعيون بكل مكان من تحليل اسباب فشل التجربة السوفييتية.. لا بد من معرفة حقيقة ان الطبقة السوفييتية الحاكمة لم تكن هي الطبقة الضرورية، التي كان يحلم بها البلاشفة والشيوعيون بكل العالم فقد ثبت ان هذه الطبقة كانت طبقة بيروقراطية، استطاع بعض قادتها ومنظريها ان يبتكروا اساليب الخداع الاكثر حداثة من الاساليب الرأسمالية نفسها القائمة على استغلال الانسان لأخيه الانسان.
الدولة الروسية الحالية دولة ما بعد الاشتراكية بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين بأساليب غاية في الذكاء والمراوغة قامت بنشر الافكار والاساليب الرأسمالية في مؤسسات الدولة السابقة وفي المجتمع ، كله ، وفي الاخلاق ،كلها، حيث انتشرت الثقافة الرأسمالية بكل خصوصياتها الطبقية، الفردية والجماعية. صارت الثقافة الروسية الجديدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي متزامنة مع كل سيئات الرأسمالية، المتعددة الجنسية، في اوربا وامريكا.. صارت الدولة الروسية الجديدة معتمدة على المظاهر البورجوازية بعد انهيار اشتراكيتها وتراجع انتاجيتها وتصنيعها في ظل الازمات الرأسمالية الدورية والتضخم الاستهلاكي والخضوع لثقافة الموضة وحلول ثقافة السيارات المتغيرة موديلاتها وثقافة ازالة كل مظاهر التاريخ الاشتراكي وطمس تراث الانجازات الشيوعية وتشويهها.
لم يقتصر انهيار الاشتراكية ، نظاما ودولة ومعسكرا، على الداخل السوفييتي وحسب، بل ان انهيار الاتحاد السوفييتي اضعف قوى اليسار العالمي ودورها واصبح الوعي الجمعي الطبقي ضعيفا بالمرحلة الراهنة في المجتمعات المعاصرة جميعها.
السؤال المتشعب الاخير هو : هل البشرية الان في نقطة النهاية في تطور الحكم البشري عند النظام الرأسمالي.. هل نحن في نهاية التاريخ كما يقول الفيلسوف الامريكي فوكوياما.. هل توقفت النظرية الماركسية عن العطاء ..؟
الى اين يتجه التاريخ في عصر نرى فيه كوبا الاشتراكية فقيرة وفيتنام الاشتراكية تتطور ببطء شديد ، بينما الاشتراكية الصينية تحرز اقتحاما اقتصاديا للمجتمع الرأسمالي..؟ هل ما زالت مقولات كارل ماركس تنطبق على طبيعة الازمة التاريخية للرأسمالية المعاصرة ..؟
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بصرة لاهاي في 21 – 10 – 2017