اساليب التغيير عند محمد باقر الصدر- وليد الحلي

اساليب التغيير التي نفذها السيد الشهيد محمد باقر الصدر

المقدمة:
التحديات التي جابهت السيد الشهيد محمد باقر الصدر  شملت الجوانب الدينية والسياسية والاقتصادية والفلسفية والاجتماعية وغيرها تعكس الواقع الديني والسياسي والفكري والاجتماعي الذي عايشه، واستمرت هذه التحديات إلى آخر يوم من حياته عندما سقط شهيدا مضرجا بدمه معلنا صرخته المدوية على نهج جده الامام الحسين (ع) (لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل، ولا اقر لكم اقرار العبيد) تحدى السيد الصدر حزب البعث وفكره ونظامه فكريا فسياسيا وجهاديا، وحذرهم بان دمي يكلفكم نظامكم فكانت شهادته في 9 نيسان عام 1980 وسقط البعث وطاغيته في 9 نيسان 2003.
استمر تحدي السيد الصدر حتى بعد شهادته بواسطة التيار الإسلامي الواعي الذي أوجده، وحزب الدعوة الاسلامية الذي اسسه، ومن خلال محبيه ومن تأثر بشخصيته كمرجع ديني، وكقائد سياسي. وسار على نهجه أتباعه في العراق والدول العربية والإسلامية وغيرها من الدول،  وفكره الذي شمل عدة ميادين من المعرفة الفكرية والفسلفية والسياسية والجوانب الحركية، وتنبأ السيد الشهيد بسقوط الطغاة عندما قال “الجماهير اقوى من الطغاة وقد تصبر ولكنها لن تستسلم” فسقط طغاة عندما انتفضت الجماهير الأقوى والتي لم تستسلم لهم.
السيد الشهيد الصدر لم يؤلف الكتب لهدف التأليف فحسب، وإنما ألف الكتب وكتب المقالات وأعلن النداءات لمعرفته بحاجة الأمة لهذا الفكر والمواقف. كان يكتب دفاعا عن الاسلام، وعن القيم والمبادىء، يكتب للانسانية، وينظّر للتصدي ضد الطغاة، ويتحدى الأشرار، لم يخاف التهديد والارهاب، كان مصمما على الشهادة فنالها.
بداية التحدي:
كانت الأيام الأولى من خمسينات القرن الماضي التي عاشها  السيد محمد باقر الصدر حينما بدأ التفكير، وهو في سن الشباب المبكر، ثم وضع خطة التحدي، وبعدها شرع بكسر حاجز الجمود وهاجس الخوف من العمل السّياسي الاسلامي، وانتفض على العديد من العادات والصيغ السائدة في ذلك الوقت. فكان يجتمع بالكثير من علماء الدين وطلبة العلوم الدينية لمناقشتهم واقناعهم بضرورة التحرك السياسي الاسلامي، وضرورة تغيير الامة، وضرورة التصدي وعلى اعلى المستويات للتهديدات التي حلت بالامة الاسلامية من الجوانب الاسلامية والسياسية والفكرية، واعتبر ذلك ضرورة شرعية وحاجة ميدانية ملحة للتغيير في المجتمع، ومطلبا مهما لمواكبة التطور الحاصل في اساليب التنظيم التربوي التغييري في عدد من دول العالم.
التصدي الحركي
نشط السيد الصدر في الدعوة للانتماء الى حزب الدعوة الإسلامية في الجامعات العراقية وفي مختلف الاوساط الطلابية والمهنية والعشائرية.   ولطبيعة النشاط الواسع الذي قام به، تعرض لحملة مضادة  خاصة من بعض المؤسسات الدينية والاجتماعية في النجف الاشرف وبقية المدن المقدسة.
بدأت الحملة ضد السيد الصدر تأخذ أبعادا أخرى أشد قسوة عندما تسلط حزب البعث على السلطة بالعراق عام 1968، ولكن ذلك لم يثن السيد الصدر من الاستمرار في نهجه التغييري رغم الظروف القاهرة والتصفيات الجسدية التي طالت معظم طلبته في الحوزة العلمية.
جند السيد الصدر اتباعه للبدء بعدة مشاريع تغييرية لأحداث التغيير المنشود في اوساط الامة، واستخدم سياسة التدرج في طرح متبنياته، وعلى عدة مستويات، فمشروع لتطوير الحوزة العلمية، ومشروع لتطوير العمل السياسي للجمهور، ومشروع مستقبلي لقيادة العمل.
وتميز السيد الصدر بانه قاد المشاريع ونظّر لها فكريا، ووضع اٌسسَ التحرك فيها، ومارس التنفيذ بنفسه من دون كلل او ملل او خوف او تباطؤ حيث كان جريئا في طرحه لا يخاف لومة لائم ومعتقدا انه على طريق الحق.
ورغم ان هناك العديد ممن تصدى لمثل هذه المشاريع في التاريخ، لكننا قلما نجد مثيلا لمشاريعه لسعة تحّركه وتنوعه ولبلوغه العلمي في الكثير من معارف العلم إضافة إلى انتهاء حياته بالشهادة في سبيل الله من اجل الوطن وعلى يد أعتى نظام ديكتاتوري دموي عرفه التاريخ الحديث.
كان السيد الصدر مرجعا دينيا ومفكرا اسلاميا وفيلسوفا ومؤسسا وقائدا لحزب الدعوة الاسلامية ومرشدا لحركات اخرى، وكان منفتحا على الحركات السياسية، وإضافة إلى ذلك كان قائدا للثورة على نظام حزب البعث في كل المجالات الجهادية والفكرية والسياسية.
 ومن مشاريعه ما يأتي:
أولا: تأسيس حزب الدعوة الاسلامية
أسس السيد محمد باقر الصّدر مع مجموعة من علماء الدّين والرّساليين، حزب الدّعوة الأسلامية في 17 ربيع الاول 1377 هـ  (12/ 10/ 1957) و كان عمره 24 عاماً، ووصف السيد الشّهيد العمل الحزبي في الدعوة كما نشر في نشرة داخلية لحزب الدعوة الاسلامية بما يأتي: (إن اسم “الدّعوة الإسلامية” هو الاسم الطّبيعي لعملنا، والتعبير الشّرعي عن واجبنا في دعوة الناس إلى الإسلام، ولا مانع ان نعبر عن أنفسنا بالحزب والحركة والتنظيم، فنحن حزب الله، وأنصار الله، وأنصار الإسلام، ونحن حركة في المجتمع وتنظيم في العمل، وفي كل الحالات نحن دعاة إلى الاسلام، وعملنا دعوة إلى الاسلام. والشّكل التنظيمي الّذي اخترناه في دعوتنا، هو تطوير للشكل الشّائع في التنظيمات المعاصرة مع ملاحظة ما تقتضيه مصلحة الدّعوة إلى الاسلام. وسبب اختيارنا له يعود إلى مشروعيته اولاً، وفائدته ثانياً (نشرة داخلية لحزب الدّعوة الإسلامية).وفي نشرات اخرى وصف  السّيد الصدر أسلوب عمل الدّعوة  بانه تغييري لأن الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه المبين: (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم).
 ظل السيد الصدر قائدا لحزب الدعوة الإسلامية منذ تأسيسه عام 1957 إلى عام 1962، حيث استبدل علاقته التنظيمية بقيادة الحزب ليكون مرشدا لحزب الدعوة الاسلامية ولم يترك علاقته بحزب الدعوة الاسلامية الى اخر يوم من حياته. لقد رعى السيد الصدر بكل ما يستطيع الحزب في مختلف الميادين، فقد اشترك بكتابة النشرات الداخلية الحزبية وترأس مؤتمرات الدعوة ودفع الأموال وعمل جاهدا لإقناع من يستطيع إقناعه للانتماء إلى حزب الدعوة الإسلامية، وشمل ذلك علماء الدين وطلاب الحوزات العلمية وشخصيات العراق والمثقفين وأساتذة الجامعات والمعلمين والمهندسين والطلبة وغيرهم. كان السيد الصدر مؤسسا وقائدا ومنظرا وداعما لحزب الدعوة الإسلامية طيلة حياته الشريفة.
ومن وفائه الذي اشتهر به للدعوة والدعاة انه آثر الشهادة في سبيل الله ولقاء الله مخضبا بدمه الطاهر على ان يكتب فتوى ضد حزب الدعوة الاسلامية بعد ان خُير بين نعيم الدنيا ودعم الطاغية صدام له أو الموت إعداما في حالة عدم الأستجابة لواحد من مطالب صدام فاختار الشهادة (كان ذلك عبر وسيط عضو في حزب البعث وهو عالم لبناني حيث طرح على السيد الصدر بعد رفضه شروط صدام السابقة، طلب الموافقة على واحد فقط من الشروط الثلاثة ليتخلص من الاعدام ويكون مقربا لصدام، والشروط هي:
1- فتوى حرمة الانتماء لحزب الدعوة الاسلامية.
2- فتوى جواز الانتماء لحزب البعث.
3- برقية ضد الجمهورية الاسلامية.
وفاء السيد الصدر لحزب الدعوة الإسلامية لم ينته بقبوله الشهادة على عدم الاستجابة لطلب صدام بتحريم الانتماء للحزب، وإنما تعدى ذلك إلى ما بعد موته، حيث ارسل وصيته الخالدة الى حزب الدعوة الاسلامية كما نقلها لي اية الله السيد حسين إسماعيل الصدر الذي كان حاضرا وشاهدا لوصيته في منزل عمه (اب زوجته)  السيد الشهيد الصدر، ونقلها لي ايضا الشيخ محمد رضا النعماني الذي كان محتجزا مع السيد الشهيد أثناء فترة احتجازه من قبل البعثيين اوائل عام 1980عندما أمره السيد الصدر باخبار السيد عبدالعزيز الحكيم (رحمه الله) بهذه الوصية لنقلها إلى خارج العراق والوصية هي: (أوصيكم بالدعوة فانها امل الأمة)، وقد نقل السيد عبدالعزيز الحكيم هذه الوصية للدعوة في سوريا وايران ونقلها لي شخصيا اوائل عام 1981. في وصية السيد الصدر هذه الأخيرة إلى الأمة اوصى ان ترعى الجماهير  وتكون مع حزب الدعوة الاسلامية لأنه سيكون امينا على حمل الأمانة وفي عمله واطروحاته وسيرته وهو ضمان لمستقبلها لان الدعوة هي النبتة التي ترعرعت بفكر الشهيد الصدر ومارست دورها التغييري في زمن المعارضة لـ 23 عاما اثناء حياة الصدر وخبر فكرها وجهادها والتزامها بالقيم والمبادىء .
 قيادة حزب الدعوة الاسلامية والدعاة والجماهير العراقية المحبة للسيد الصدر تحركوا جهاديا وسياسيا وإعلاميا وفق توجيهات ومنهج وقيادة السيد الصدر عام  1978 ، وكانوا أوفياء له وقدموا عشرات الالاف من الشهداء من اعضاء حزب الدعوة الاسلامية وانصاره ومؤيديه والسائرين على نهجه قرابين لله لنصرة وطننا الحبيب العراق.
  لم يتوان حزب الدعوة الإسلامية  في كل صراعه مع الطواغيت والاشرار التي امتدت 58 عاما من نصرة الشعب العراقي والأمة الإسلامية، وعانى أعضاؤه وأنصاره ومؤيدوه من كل أنواع التعذيب والقهر والحرمان والهجرة أو الاعتقال والإعدام أو السجن، وعانت عوائلهم كذلك أشكال الحرمان والتهجير والحجز والمطاردة والتضييق على معيشتهم وطردهم من دوائر عملهم أو محاربتهم اقتصاديا واجتماعيا.
ثانيا: تأسيس جماعة العلماء في النجف
تمكن السيد الصّدر من إقناع خاله آية الله الشّيخ مرتضى آل ياسين ليقوم بطرح مشروع تأسيس جماعة العلماء عام 1958 (أو 1959) على المرجع الدّيني الراحل الإمام السّيد محسن الحكيم ومجموعة من المراجع وعلماء الدّين… وقد تشكلت الجماعة فعلاً، واختارت المرجع الأعلى السّيد محسن الحكيم مشرفاً لها، وآية الله الشّيخ مرتضى آل ياسين معتمداً لها وحجة الإسلام والمسلمين السّيد محمد تقي بحر العلوم ممثل اللجنة التنفيذية.
ولم يكن السيد الصّدر عضواً في الجماعة لصغر عمره (25 عاما)، ولكنه كان لولب حركتها واعتمد على قيادات حزب الدّعوةالاسلامية وكوادره في انجاح التجربة وديمومتها لبعض الوقت، ومارس الشّهيد مهمة كتابة المنشورات الصّادرة من الجماعة والّتي بدورها تذاع في الرّاديو وتوزع على المدن والقرى عبر الوكلاء والزّوار للمدن المقدسة، كما كان يقوم بكتابة افتتاحية مجلة الاضواء (رسالتنا)، والقيام بأعمال عديدة أخرى.
إن تأسيس مثل هذه التنظيم المتقدم على طريقة الطرح السائد انذاك في الحوزة العلمية في النجف الأشراف هو أمر مهم جدا، لم تتعود عليه الاوساط العلمية في المدن المقدسة، ولذلك تعرضت الجماعة لعدة حملات مضادة، وكان الشّهيد المدافع والمحامي الميداني للجماعة، ولو قدّر لمثل هذه الجماعة استمرارية العمل لتغيرت الكثير من الأحداث السّياسية في العراق.
ثالثا: أطروحة المرجعية الصّالحة والرّشيدة:
 قدم السيد الصدر أطروحة المرجعية الموضوعية بهدف تحويل العمل المرجعي الى مؤسسة تستفيد من تجارب المرجعيات السّابقة كما شرح ذلك احد ابرز تلاميذ السيد الصدر وهو آية الله السيد كاظم الحائري في كتابه مباحث الأصول الذي وصف ان اطروحة المرجعية  “تتطلب وجود قاعدة قد آمنت بشكل وآخر بهذه الأهداف في داخل الحوزة وفي الامة، واعدادها فكرياً وروحياً للمساهمة في خدمة الاسلام، وبناء المرجعية الصّالحة. ولتحقيق الاسلوب الجديد في تطوير المرجعية وواقعها العملي قد كتب السيد الصدر أسس بنائها وفقا لما ياتي :
1- : إيجاد جهاز عملي تخطيطي وتنفيذي يقوم على أساس الكفاءة والتخصص، وتقسيم العمل، واستيعاب كل مجالات العمل المرجعي الرّشيد في ضوء الاهداف المحددة. ويقوم هذا الجهاز بالعمل بدلاً من الحاشية الّتي تعبر عن جهاز عفوي مرتجل يتكون من أشخاص جمعتهم الصّدف والظّروف الطّبيعية لتغطية الحاجات الآنية بذهنية تجزيئية، وبدون أهداف محددة واضحة، ويشتمل هذا الجهاز على لجان متعددة، تتكامل وتنمو بالتدريج الى ان تستوعب كل امكانات العمل المرجعي.
2-: إيجاد امتداد أُفقي حقيقي للمرجعية يجعل منها محوراً قوياً، تنصب فيه قوى كل ممثلي المرجعية والمنتسبين إليها في العالم.
3- : امتداد زمني للمرجعية الصّالحة لا تتسع له حياة الفرد الواحد. فلابد من ضمان نسبي لتلك المرجعية في الإنسان الصّالح المؤمن بأهداف المرجعية الصّالحة، لئلا ينتكس العمل بانتقال المرجعية الى من لا يؤمن بأهدافها الواعية.. ويؤكد السيد الصدر في أطروحته، استمرار العمل المرجعي من خلال مؤسسة المرجعية وليس من خلال المرجع نفسه.  فواقع الحوزة هو انّه اذا مات المرجع الدّيني، تعطل جهازه المرجعي، اما اذا مات المرجع وهو ضمن المؤسسة المرجعية، فان الجهاز المرجعي، يقوم بدوره من دون توقف لحين ترشيح المرجع الجديد. ويضيف السيد الصدر هذه الحالة بأن شخص المرجع هو العنصر الّذي يموت، واما الموضوع فهو ثابت، ويكون ضماناً نسبياً الى درجة معقولة بترشيح المرجع الصّالح في حالة خلوّ المركز، وللمجلس والجهاز بحكم ممارسته للعمل المرجعي، ونفوذه وصلاته وثقة الأمة به القدرة دائماً على اسناد مرشحه، وكسب ثقة الأمة الى جانبه”.
السيد الصدر كان يشعر وهو بكامل الثقة والوعي في إمكانية تطبيق اطروحاته، وكان يعيش في زمان سبق فيه من عاصره في مسائل الوعي الحركي والتنظيمي للحوزة. وكان يعيش المستقبل في نظرة واقعية.
رابعا: القيادة النائبة
 لما تجلت معالم إصرار حزب البعث على إعدامه، خطط السيد الصدر لمشروع (القيادة النائبة) لتقوم بدوره في حالة شهادته وخلو الساحة العراقية من قيادة لتستمر في العمل البناء للانقضاض على صدام ونظامه.
كان السيد الصدر يعلم إن وجود القيادة الفاعلة في الميدان مهم جداً لاستمرار الثورة وحصولها على النتائج الايجابية، وان بأمكانها استثمار دم السيد الصّدر في حالة شهادته، وبقاء الشّعلة موقدة لحين الاقتصاص من القتلة، وتحكيم العدل في العراق.
صمم السيد الصدر جهاز القيادة النائبة على انّ يتكون من قيادة علمائية رباعية ابتداءً واعطى لها صلاحيات اضافة اشخاص معها في القيادة من خلال مجموعة من الاسماء الّتي وضعها ووصفت بأنها أكثر من عشرة اسماء، وخطط السيد الصدر كيفية تحصيل الدّعم الكافي لهذه القيادة من أئمة المسلمين، ومن الشعب العراقي ومن محبيه ومقلديه في كل العالم من خلال تسجيل نداءات بصوته موجه لهم يدعوهم فيها إلى الالتفاف حول القيادة النائبة واطاعتها واسنادها في تحقيق الأهداف العليا كما انّه خطط للخروج بنفسه الى صحن الإمام علي (عليه السلام) في النجف الاشرف في الوقت الّذي يكون فيه الصّحن مملوءً بالناس ليلقي خطاباً على المصلين ويعلن عن القيادة النائبة ويطلب من العراقيين اسنادهم والسّير على خطاهم.
تحدي السيد الصدر وصل إلى حالة ان يضحي بنفسه ليكشف للعالم طبيعة القمع والإرهاب البعثي الصدامي الذي يعاني منه الشعب العراقي مع الانعدام الكامل للحريات في العراق، كان يتمنى ان يموت شهيداً مضرجاً بدمه وأمام الجماهير في الصّحن الشّريف على ان يقتل أو يعدم في السّر في معتقلات البعث وأقبية الأمن الصدامي.
وأنجز السيد الصدر مشروعه التخطيطي للقيادة النائبة وهيأ نفسه للبدء بالمشروع، واختار أربعة أسماء من العلماء العراقيين البارزين والمعروفين في السّاحة العراقية. وكان ثلاثة منهم  في خارج العراق وقتئذ، اما الرّابع فقد كان في النجف الاشرف، فأرسل عليه السيد الصدر ليتكفل بهذه المهمة ويغادر العراق وينسق الوقت الذي يصل فيه إلى خارج العراق ليذهب السيد الصدر إلى حرم الإمام علي (عليه السلام) ويعلن المشروع للجماهير والعالم، إذ سيكون الإعلان في النجف وفي خارج العراق بوقت واحد.  وفوجئ السيد الصدر بأمر لم يكن يتوقعه إذ رفض العالم الموجود في النجف الاشرف الاشتراك بمشروع القيادة النائبة، مما جعل السيد الصدر يحزن و يتألم كثيراً جدا لذلك لأنه لم يكن يتوقع الرفض منه بأي شكل من الأشكال.
وذكر الشّيخ محمد رضا النعماني الّذي كان مرافقاً للسيد الصدر أثناء فترة احتجازه وعاش مخاضات القيادة النائبة (في صفحة 310 من كتابه الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيام الحصار) ما نصه “وفشل مشروع القيادة النائبة، واصابت السّيد الشّهيد خيبة امل قاتلة، وهم دائم، فتدهورت صحته، واصيب بانهيار صحي، وضعف بدنه، حتى كان لا يقوى على صعود السّلم إلاّ بالاستعانة بي، وظهرت على وجهه علامات وحالات لا أعرف كيف أُعبر عنها.
والحقيقة أن السيد الصدر، كان يريد ان يبني المستقبل في اطروحته هذه، ويخطط لأجيال قادمة، وان عدم تحقق هذه الاطروحة، تشكل خيبة أمل كبيرة له، اذ انّه من خلال تركيبة الاطروحة توقع نجاحها وحصولها على التأييد الكافي لديمومتها، وكان لسان حاله انه إذا كان العالم الديني الذي بجنبه يرفض هذا المشروع فما بال الآخرين الثلاثة من علماء الدين الذين هم في خارج العراق ولم يكن قد ناقشهم في المشروع ليعرف رأيهم، ويبدو أن السيد الصدر بعد هذا الحادث أسدل الستار على مشروعه نتيجة هذه المعارضة التي واجهته من قبل هذا العالم الديني الذي كان موجودا  في النجف الاشرف!.”
الخلاصة:
من خلال استعراض الاطروحات الاربع الّتي عمل السيد الصّدر على ايجادها في أجواء النجف الاشرف وبقية المحافظات الأخرى، نجده نجح في التحدي الذي التزم به طول عمره في كسر حاجز الخوف من العمل السّياسي، واستطاع باعتماده على الله وعلاقته الحميمة بالجماهير وقدراته أن ينجز التغيير السّياسي الصّعب…..  واليوم ننعم ببركات الله في التخلص من الطاغوت والديكتاتورية، ونال صدام ومن عمل معه جزاءهم بما عملوا من ظلم وجرم وفساد واضطهاد في العراق، وتمكن الشعب العراقي من التخلص من الفتنة الطائفية التي كادت أن تعصف به نتيجة أعمال بقايا نظام حزب البعث- صدام مع التكفيريين، وأعلن الشعب العراقي حربه على الإجرام والخرافات الداعشية والقاعدية.
لقد اختار الشعب الآليات الديمقراطية في الدستور العراقي لبناء عراق حر كريم تسوده العدالة وكرامة الإنسان كما أراد السيد الشهيد الصدر في نداءه الأخير.
وجاءت ذكرى 9 نيسان لتجيب على تحذير السيد الصدر لحزب البعث وصدام عند شهادته في 9 نيسان عام 1980: (إن دمي يكلفكم نظامكم) و(ولـو كان أصبعـي بعثيا لقطعته)
نعم إننا نعيش نعمة التخلص من طاغوت صدام وحزبه، فها هو الشعب العراقي تحرر من طاغوته، وبدأ يمارس حرياته وأعماله وعباداته بحرية، وها هي الشعوب العربية بدأت تتخلص من طواغيتها الواحد تلو الاخر.
التحديات التي تواجهنا اليوم في العراق هي بشكل اخر غير تلك التحديات التي جابهها السيد الشهيد الصدر. اننا نواجه اليوم  بقايا البعث وعصاباته وتحالفاتها مع الأشرار والطائفيين ، وإرهاب القاعدة المستورد من الخارج والذي غزى العراق عبر أبواب الحدود التي كانت مفتوحة أبان الاحتلال، وبقايا اثار التربية الخاطئة التي استخدمها صدام ونظامه طيلة 35 عاما وتركت بصماتها على إداراتنا ومؤسساتنا والتي لا زالت مؤثرة، والفساد بإشكاله المتنوعة الذي انتشر في البلاد منذ العهد البائد لم ينته بعد، والتدخل الخارجي لا زال موجودا، وضياع الأهداف الاستراتيجية عند بعض المتصدين، وأمراض النفس الإنسانية وشرورها لا زالت موجودة في المجتمع.
ورغم كل التحديات التي تواجهه، فان إرادة شعبنا العراقي الأبي هي الأقوى منها،  ولم تستطع الضربات الإرهابية التي وجهت ضد الشعب من القاعدة والعصابات إضعاف عزيمة وقدرة شعبنا للتصدي لها.
ان الجماهير التي أسقطت صدام وحزبه، وتحدت الإرهاب وشاركت في الانتخابات وانتخبت مجالسها التشريعية، وساهمت في الاستقرار الأمني للبلاد، وتعاونت للقضاء على التمييز بكل أشكاله، والتي تعمل لبناء البلاد هي أقوى من طواغيت الإرهاب والعصابات والفساد والتآمر من أي مصدر كان.
ان ثقتنا بشعبنا الابي وقيادته المبدأية المضحية وبدعم المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف هي التي هيأت الابطال من القوات المسلحة من الجيش والشرطة والمخابرات والاستخبارات والقيادة الجوية والدفاع الجوي وجحافل الحشود الشعبية البطلة التي حررت امرلي وجرف النصر ومناطق ديالى وتكريت ومناطق عديدة.
هذه الثقة تجعلنا نؤمن بان النصر ات باذن الله ودعمه، كما اننا اعتقدنا بان دماء السيد الشهيد الصدر واخته العلوية بنت الهدى وشهداء العراق كانت المعطاءة باسقاط البعث وقيادته، فنحن اليوم اكثر عزما واعتقادا على اسقاط الظلم والفساد والاجرام الداعشي البعثي الاجنبي بعون الله تعالى.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.