«اقتل… وبا يقع صلح»!- طارق الحميد

في الوقت الذي ينتظر فيه المراقبون تفاصيل الاتفاق النووي الأميركي – الغربي – الإيراني بمفاوضات فيينا، فوجئ المتابعون بملامح ما يمكن أن نسميه «الاتفاق الميليشياوي» بدلاً من الاتفاق النووي؛ حيث قال تيم ليندركينغ المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن، «خبرتي المتعلقة بالحوثيين تقول إنهم قالوا من قبل إنهم ملتزمون بالسلام في اليمن… مستمرون بالتواصل معهم».
وأضاف ليندركينغ، وهذا هو الأهم: «اعترفت الولايات المتحدة بهم كطرف مشروع، ونعترف بهم كجماعة تمكنت من تحقيق مكاسب كبرى… دعونا نتعامل مع الواقع القائم على الأرض»، وعلى أثر ذلك سارعت الخارجية الأميركية للتوضيح على حسابها بـ«تويتر».
قالت الخارجية: «رأينا بعض التقارير الإعلامية الخاطئة حول التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص لليمن بشأن الحوثيين والصراع» هناك، مضيفة: «تعترف الولايات المتحدة، مثل بقية المجتمع الدولي، بحكومة اليمن، وهي الحكومة الشرعية الوحيدة المعترف بها دولياً في اليمن».
وقالت الخارجية الأميركية: «يسيطر الحوثيون على الناس والأراضي في اليمن»، كما أوضح المبعوث الأميركي الخاص إلى اليمن أنه «لا يمكن لأحد إبعادهم أو إخراجهم من الصراع عبر التمني فقط، لذلك دعونا نتعامل مع الحقائق الموجودة على الأرض».
وعليه، أيهما نصدق… تصريح المبعوث الأميركي الخاص لليمن، أم توضيح الخارجية الأميركية، وإقرارها بأنها تعترف بالحكومة الشرعية اليمنية؟ أيهما نصدق الأفعال الأميركية، أم الأقوال؟
المشكلة هنا معقدة، حيث فاوضت الولايات المتحدة «طالبان»، وعليه لماذا لا تعترف بالحوثي، وتفاوضه، ورغم كل الانتقادات الأميركية لـ«طالبان»، وحتى كتابة المقال، حيث تتقدم «طالبان» عسكرياً على الأرض، بينما واشنطن تنوي النظر بمنح المترجمين الأفغان المتعاونين معها أماكن إقامة في دول مجاورة لأفغانستان، وليس حتى الولايات المتحدة؟
والأمر نفسه تفعله واشنطن، حيث لا تزال تواصل انتقاد إيران، لكنها تدعوها لمواصلة التفاوض والاتفاق، وفي الحالة الحوثية فقد رفعت الإدارة الأميركية الحالية الحوثيين من قائمة العقوبات.
ولذا فإن توضيح الخارجية الأميركية بخصوص الشرعية في اليمن، والحوثيين، غير كافٍ، ومثير للشكوك، بل إنه يؤيد كل الشكوك «الحقائق» عن التراخي الأميركي بالتعامل مع إيران وميليشياتها الإرهابية في المنطقة.
ما لا تعيه واشنطن أنها فتحت نافذة أمل لكل الجماعات الإرهابية في منطقتنا؛ «حزب الله»، و«حماس»، و«الإخوان المسلمون»، وقبلهم «طالبان»، وربما «القاعدة» و«داعش»، وأنها قد تمنح هذه الجماعات طوق النجاة، وتساهم من ثم في شرعنة وجودهم على الأرض، مهما ارتكبوا من جرائم.
وهذا الأمر ينطبق أيضاً على قرابة مائتي ميليشيا إرهابية إيرانية من العراق إلى أفغانستان، مروراً بسوريا ولبنان. وهذه الكارثة تعني أن «مدمني الفشل» من الديمقراطيين يساهمون في تدمير مفهوم الدولة بمنطقتنا.
مثلاً، كيف يثور الديمقراطيون بسبب دخول متظاهرين أميركيين للمقرات التشريعية بواشنطن، ويعتبر ذلك «إرهاباً محلياً»، بينما لا تمانع واشنطن في تدمير أربع دول عربية من قبل إيران، وميليشياتها المسلحة؟
هذا العبث السياسي ذكرني بصديق قال لي ذات مرة: «لا تستغرب شيئاً… فلدينا مثل حضرمي يقول اقتل… وبا يقع صلح»، أي لا تهتم… اقتل وسيعقد صلح. وهذه اللعبة التي تلعبها إيران وجماعتها الإرهابية في منطقتنا، وبتفهم، وتساهل، «مؤثرين» في واشنطن.