الإسلام الحركي والدولة الوطنية.. العلاقة المأزومة/الجزء الخامس- انمار نزار الدروبي

حسن البنا بين الدين والسياسة:-
كان لاشتغال جماعة الإخوان المسلمين بالسياسة الأثر في دفعها لتكوين جهاز سري، حيث كان المنظم والمنظر الأول لهذا الجهاز هو (حسن البنا)، ومع الوقت وتطور الظروف السياسية لم يستطيع البنا السيطرة عليه، فارتكب هذا الجهاز السري العديد من حوادث
الاغتيال، جاء على قمتها اغتيال رئيس وزراء مصر حينها (محمود فهمي النقراشي)، في ديسمبر سنة 1948م، عندما أقدم النقراشي على حل الجماعة في نفس الشهر، وهو ما ادخل الجماعة في صدام مباشر مع النظام السياسي. لم يدرك البنا أن العمل السياسي له أدواته، وإن العمل في مجال الدعوة له أدواته، وأن الخلط بين الاثنين قد كلف الجماعة كثيرا. ومع استمرار الجماعة وانتشارها، فقد قُدمت شكاوى ضدها عديدة، أتُهم فيها حسن البنا بأنه شيوعي، وأنه على اتصال بموسكو التي تمده بالأموال لبناء المساجد، وأن البنا ما هو إلا (حسن بناتوف) ربيب موسكو الشيوعية، وأنه يعمل ضد حكومة (صدقي) وضد دستور 1930م، وأنه يهاجم الملك والوزارة، وفي نفس سياق الاتهام، أن البنا يتعصب للمسلمين ويسيء معاملة الطلاب المسيحيين بالمدرسة التي يعمل بها. لقد كانت القفزة الكبرى للجماعة عندما بدأ عملهم يأخذ طريقه للانتشار، حيث انشأ البنا وجماعته فروعا عديدة أطلق عليها أسم (الشُعب)، تتبع مركز الدعوة بالإسماعيلية، وفي بور سعيد تكونت شعبة أخرى على يد مجموعة كانت من الذين كانوا يترددون على المركز العام بالإسماعيلية. ومن بور سعيد انتقلت الدعوة إلى شمال البحر الأحمر والغردقة وسفاجة ورأس غارب. وفي القاهرة كون البنا شعبة أسسها اثنان من طلاب مدرسة التجارة المتوسطة في شارع الفلكي، وهما (عبد الرحمن الساعاتي، ومحمود سعدي الحكيم). لقد اختلفت الآراء حول المصادر التي اعتمد عليها مؤسس الجماعة حسن البنا في بناء هيكل جماعته التنظيمي، فقد رأى البعض، أن هذا التنظيم استلهم روحه عن طريق الطريقة (الشاذلية)، وأن أصحاب هذا الرأي يرون أن هتلر موسوليني وستالين سرقوا عقيدتهم الروحية من الطريقة الشاذلية. والبعض الآخر يرى أن تنظيم الإخوان، خصوصا التنظيم السري قد أكتسبه حسن البنا، بعد دراسة معمقة للحركات السرية التي أنشأت في الدولة الإسلامية في عهد بني أمية. وهناك رأي ثالث يرى أن تنظيم الإخوان لم يستوح فقط من الحركات السرية في الإسلام، بل أن البنا استفاد جدا من حركات الغرب عندما أوضح، أن المؤسسين اطلعوا على جميع الأنظمة أيا كانت إسلامية أو غربية( ). الإخوان المسلمون والاتصال بالأمريكان:- أرسل (فيليب أيرلاند السكرتير)، الأول للسفارة الأمريكية مبعوثاً من قبله للبنا كي يحدد له موعداً لمقابلته بدار الإخوان، وقد وافق البنا على هذا اللقاء، لكنه فضل أن يكون في بيت أيرلاند حيث أن المركز العام مراقب من القلم السياسي. وكان اللقاء في دار أيرلاند في شقة عليا بعمارة في الزمالك، قال أيرلاند للبنا، (لقد طلبت مقابلتكم حيث خطرت لي فكرة وهي لماذا لا يتم التعاون بيننا وبينكم في محاربة هذا العدو المشترك وهو الشيوعية ؟رد البنا بأن فكرة التعاون جيدة، ونستطيع أن نعيركم بعض رجالنا المتخصصين في هذا الأمر على أن يكون ذلك بعيداً عنا بصفة رسمية ولكم أن تعاملوا هؤلاء الرجال بما ترونه ملائماً دون تدخل من جانبنا غير التصريح لهم بالعمل معكم ولك أن تتصل بمحمود عساف فهو المختص بهذا الأمر إذا وافقتم على هذه الفكرة) . فلا مانع عند حسن البنا أن يتعاون مع دولة أجنبية خلف ظهر الحكومة إن كان ذلك في مصلحة فرقته، فهل هذه المفاهيم لها مسوغات شرعية؟ أم أن الأدلة الشرعية ضد الافتئات على السلطة لكن ليس مهماً أن يلتزم الإخوان بالحاكمية لأن حاكمتيهم هنا ليست الكتاب والسُنة وإنما حاكمتيهم هنا الميكيافلية، أي الغاية تبرر الوسيلة وكل هذه المفاهيم باسم الدين والدين منها براء. الجاسوسية من منهج الإخوان :- لطالما الوصول إلى السلطة هو الغاية الأساسية لجماعة الإخوان المسلمين، فشيء طبيعي يتبع التنظيم التجسس في عمله،على بعض الأعيان والمشاهير والخصوم، وبما أن الاغتيال وارد لمواجهة الخصوم فالتجسس على الخصوم نتيجة طبيعية وكل هذه الأفعال السيئة، كانت وما تزال باسم الإسلام وتحت شعار (مصلحة الدعوة)، فكل شيء وارد عند الإخوان وإن خالفوا صريح الشريعة التي يتسترون خلفها. إن البنا كان يجمع معلومات عن (أحمد ماهر باشا) رئيس الوزراء حين ذاك، لاسيما أن النظام الخاص للإخوان متورط في هذه الجريمة ( مقتل أحمد ماهر باشا )، بالإضافة إلى أنهم كانوا يجمعون معلومات عن جميع الزعماء والمشاهير من رجال السياسة والفكر والأدب والفن سواء كانوا من أعداء الإخوان أو أنصارهم. إن الفكر الاخواني الطائفي يرسخ على أنهم جماعة المسلمين والبيعة للمرشد بيعة للإمامة العظمى، إلا إن تطبيقاتهم تدل على هذا المعنى ومن هنا سوغوا لأنفسهم التجسس والترصد والحكم على البعض بالتكفير والتقتيل، بل طبقوا نفس هذه التأويلات الباطلة مع أحد قياداتهم حينما أحسوا منه نفوراً وسخطاً على التنظيم السري فقتلوه بأبشع طريقة( ). نماذج من بعض العمليات الإرهابية التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين في عهد حسن البنا:- 1.مقتل المستشار القاضي الخازندار ومصدر الكلام في ذلك محمود الصباغ أحد قادة التنظيم السري للإخوان ود. محمود عساف السكرتير الخاص لحسن البنا ومسئول المعلومات ومستشار التنظيم السري. 2. مقتل رئيس الوزراء السابق محمود النقراشي ومصدر الكلام هو المصدر السابق. 3. تفجير قنابل في جميع أقسام البوليس في القاهرة يوم 2/12/1946 م،حيث قال محمود الصباغ مفتخراً بهذه الأعمال، أنها تمت بعد العاشرة مساء وقد روعي أن تكون هذه القنابل صوتية بقصد التظاهر المسلح فقط دون أن يترتب على انفجارها خسائر في الأرواح وقد بلغت دقة العملية أنها تمت بعد العاشرة مساء في جميع أقسام البوليس ومنها أقسام بوليس (الموسكي والجمالية والأزبكية ومصر القديمة والسلخانة). 4.عمد النظام الخاص للإخوان إلى إرهاب الحزبين الذين منحا صدقي باشا الأغلبية البرلمانية للسير قدماً في تضييع حقوق مصر دون أن تقع خسائر في الأرواح وذلك بإلقاء قنابل حارقة على سيارات كل من (هيكل باشا)، رئيس حزب الأحرار والنقراشي باشا رئيس حزب السعديين في وقت واحد .ويستمر محمود الصباغ في جهالته قائلاً : ولقد زادت هذه العملية من رعب الحكومة وأعوانها خاصة أن كل فئات الشعب كانت ثائرة ضد ما اعتزمت الحكومة أن تقدم عليه فأضرب المحامون واشتدت المظاهرات حتى اضطر صدقي باشا إلى تقديم استقالته. 5. حوادث تفجير محلات (شيكوريل) والشركة الشرقية للإعلانات وشركة أراضي الدلتا بالمعادي وكلها ملك اليهود بمصر في هذا الوقت وكذلك نسف بعض المساكن في حارة اليهود بالقاهرة. 6. حادث تفجير النادي المصري الإنجليزي وتفجير فندق الملك جورج وإحراق مخازن البترول في سفح جبل عتاقة. في الحقيقة هناك خلط في الأوراق يحتاج إلى تنبيه،حيث أن العمليات الإرهابية للإخوان أيام حسن البنا كان معها بعض العمليات ضد الإنجليز وضد يهود كانوا يعيشون في مصر، وهنا نحن ليس بمعرض مناقشة مشروعية العمليات ضد الإنجليز أو اليهود فهي مسألة شائكة، لكن يحاول كاتب هذه السطور توضيح أن” مبدأ الاعتداء على الغير سواء كان مسلماً أو غير مسلم أمر مرفوض طالما أن هناك حكومة أعطت لهؤلاء حق الأمان كما أنه ليس من حق فرد أو جماعة تفسير موقف لمسلم أنه كفر يُلزم بقتله أو اغتياله، فمثلاً تفجير محلات شيكوريل اليهودية وغيرها مما تم في حارة اليهود كما ذكر الصباغ مبدأ مرفوض طالما أن وجود اليهود وجوداً صحيحاً من قبل حكومة مصر فإذا ثبت حدوث ضرر منهم يبحث فيه الأمر مع الحكومات لتدبر هي الوسائل وتتلافى الأضرار أما أن يترك الأمر لكل صاحب هوى أو صاحب حماسة فهذا هو عين الضلالة”( ). وعندما قامت ثورة يوليو واطمئن الإخوان إلى نجاحها، بدأو في تأييدها والانقلاب على العصر الملكي وذلك من خلال بيانهم الصادر في ذلك التوقيت، وعلى الرغم من استثناء مجلس قيادة الثورة لهم من قرار حل الأحزاب في عام 1953، وإعادة الثورة لفتح الملف الخاص باغتيال (حسن البنا)، وإلغاء الثورة لقسم البوليس السري وعزلهم ومحاكمتهم لـ (محمد الجزار)، الذي كان معادياً للجماعة وكان من المشاركين في اغتيال (البنا)،وعرضهم مشاركة ثلاثة من الجماعة في الوزارة، إلا أن الإخوان طالبوا بالتدخل والمراقبة لجميع قرارات مجلس قيادة الثورة وهو ما رفضه عبد الناصر. وجاءت مواقف الإخوان معادية لتوجهات ومصالح ومكتسبات الجماهير التي ردتها لهم الثورة، فكانوا من أكبر المعاديين لقانون الإصلاح الزراعي، وكذلك رفض الإخوان تأسس هيئة التحرير مبررين ذلك بأن وجود الجماعة يكفي. لم يتوقف الإخوان عند هذا الحد، بل قاموا بعدة اتصالات بالإنجليز لضرب الثورة حيث قام كل من (منير الدله، وصالح أبو رقيق ( باتصالات بكل من مستر (ايفانز) المستشار الشرقي للسفارة البريطانية والقاضي (جراهام)، من السفارة البريطانية للتحالف معهم ضد مجلس قيادة الثورة، ووصل تواطئ الإخوان وتحالفهم ضد الثورة إلى درجة قيامهم بعمل تنظيمات داخل الجيش والشرطة لتجنيد عناصرهما للعمل تحت إمرة مرشد الجماعة، وعندما اكتشف عبد الناصر حاول تحذيرهم إلا أن الإخوان استمروا في ذلك النشاط التخريبي. وتابعوا نهج العنف في الجامعات( ). ومما لاشك فيه وأنا أعد هذه الدراسة، أن أكون حريص على عامل الزمن، بمعنى تسلسل الأحداث والتواريخ، وفي نفس الوقت تعمدت اختيار مصادري من قلب التنظيم ومن أبرز قيادات الجماعة، كي لا أتهم بأني أبحث في مصادر مناهضة لجماعة الإخوان المسلمين. لكن حقيقة ما أدهشني من خلال بحثي في أحدى المصادر لأحد أبرز قيادات تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وهو (يوسف ندا)، المفوض السابق للشؤون الدولية والعلاقات الخارجية للجماعة، والذي كان شاهد على أحداث ما يزيد على نصف قرن من عمل التنظيم، حيث يذكر ندا” قامت السفيرة الأمريكية في مصر (آن باترسون ) في اجتماع لها مع الدكتور (محمد بديع )المرشد العام للإخوان بتهنئة حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين على فوزه بغالبية المقاعد في مجلس الشعب وأضاف البيان أن السفيرة أكدت للدكتور بديع أن الولايات المتحدة تتطلع إلى التعاون مع الجماعة. وقال لها بديع إن الحكومات الأمريكية المتعاقبة من خلال واقع تصرفات حكامها جعل شعبيتها تنخفض لدى مواطني هذه وقد حث المرشد الولايات المتحدة عل استعادة مصداقيتها خاصة فيما يتعلق بالصراع الاسرائيلى الفلسطيني وأقرت (آن باترسون )، بأن الولايات المتحدة قد ارتكبت بعض الأخطاء وطالبت بالتعلم منها حتى لا يتكرر الوقوع فيها مستقبلا”( ). المصادر: 1. إسماعيل، حمادة محمود، حسن البنا بين الدين والسياسة 1928-1945، الناشر، دار الشروق، 2010م، ص11ص12 ولاحقا. 2. عساف، محمود، مع الشهيد الإمام الشهيد حسن البنا، الناشر، مكتبة عين شمس، القاهرة، 1993م، ص27ص28 ولاحقا. 3. بحث، الإخوان المسلمون ما لهم وما عليهم- الحقيقة في سطور، 2013م، www.ekhwantrue.blogspot.com 4. عبد الرحيم علي، الإخوان المسلمون- قرأة في الملفات السرية، الناشر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، m.almogaz.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.