الانتخابات الامريكية: المال له كلمة الفصل في تحديد هوية المرشح وحضوظه

المال ثم المال ثم المال، أبرز مظاهر العمليات الانتخابية في الحياة السياسية الأميركية ،حيث يؤكد الخبراء أن السياسة تُعَدُّ أكبر تجارة في الولايات المتحدة، لاسيما وأن الأموال هي التي تحرك هذه السياسة، وتأتي بأشخاص في المشهد السياسي ليس اعتمادهم الكلي على سياسات إصلاحية تخدم شعوبهم ومواطنيهم، بل على الإنفاق والدعاية، مضيفين أن سر الانتصار يكمن في جذب الرأي العام الأميركي عبر عروض للقدرات والامكانات والمبالغة في الحديث، وكل ذلك عبر ضخ الكثير من الأموال إذا كان عبر تجار السلاح أو المستثمرين الذين يسعون للحفاظ على مشروعاتهم الكبرى، وتاليا فانه تبقى المؤسسات المالية الكبرى و الشركات الغنية الكلمة الفصل في تحديد هوية المرشح وحظوظه.
وظهر ذلك جليا في الايام الاخيرة من خلال المواقف الاخيرة لهذه المؤسسات والشركات من دونالد ترامب المثير للجدل، فقد اثار احتمال فوز مرشح الحزب الجمهوري بالرئاسة مخاوف أقطاب الرأسمالية الأميركية، على رغم امتلاكه كل المميزات المطلوبة للحصول على مباركة وول ستريت، التي ساعدته على بناء إمبراطوريته.
وحسبما نقلت وكالة “فرانس برس”، فإن قائمة مخاوف أسواق المال طويلة، بدءا من حرب تجارية مع الصين والمكسيك، وصولا إلى زيادة الضرائب على الأكثر ثراء، مرورا بنزاع مفتوح مع الاحتياطي الفيديرالي الأميركي والعرقلة في الكونغرس، وغيرها من المواضيع المقلقة.
ولخص مسؤول الاستراتيجية في صندوق “هورايزون إنفستمنتس” الاستثماري، جريج فالير، الوضع، قائلا:” دونالد ترامب، يخيف وول ستريت. إنه غير ملتزم بأي قيود، يحمل الغموض، والأسواق تكره الغموض”.
وتثير التصريحات العشوائية والمدوية، التي يدلي بها رجل الأعمال ترامب منذ دخوله حملة الانتخابات التمهيدية، حيرة الشركات. فهو يندد بالأجور الطائلة التي يتقاضاها رؤساء الشركات الكبرى، وبجشع المصرفيين والوسطاء الماليين، كما يحمل على سياسات الهجرة الأميركية، في حين ترى أوساط الأعمال مكاسب في توافد اليد العاملة المتدنية الأجر من المكسيك.
ومن بواعث القلق أيضا، هجمات ترامب المتكررة ضد الصين واليابان، واتهامهما بالتلاعب بعملتيهما، وهجومه على التبادل الحر، في وقت تسعى الولايات المتحدة لعقد اتفاقات تجارية مع آسيا والمحيط الهادئ، كما مع أوروبا. كما تثير الحمائية التي يدعو إليها ترامب، استياء الشركات المتعددة الجنسية، ولا سيما حين يهاجم “فورد” و”آبل” اللتين تصنعان قسما من إنتاجهما في الخارج.
مبادرات للارضاء
غير أن ترامب يحسن طرح مبادرات ترضي أوساط الأعمال، حيث يعد بخفض العجز وبتخفيضات ضريبية للشركات، ويثني على الملياردير كارل إيكان، وهو أحد المستثمرين الذين يثيرون أكبر قدر من الرهبة في وول ستريت، مؤكدا أنه يعتزم في حال فوزه بالرئاسة تعيينه وزيرا للخزانة.
ومن جهة أخرى، يسود في الأوساط المصرفية عداء لـترامب، حيث قال رئيس مجلس إدارة “غولدمان ساكس” لويد بلانكفين في وقت سابق:”صورة ترامب وإصبعه على الزر النووي تثير ذهولي”.
وبينت استطلاعات الرأي المتتالية في الولايات المتحدة ، واخرها استطلاع مشترك جديد لصحيفة “النيويورك تايمس” وشبكة “إن بي سي” للتلفزيون أن غالبية ساحقة من الناخبين الأميركيين يعتقدون أن الأموال الضخمة التي يتبرع بها أصحاب المليارات وشركاتهم أخذت تسيطر أكثر فأكثر على الانتخابات الاميركية.
ويعتقد عموم الاميركيين أن مجمل العملية الانتخابية زائفة، بحيث إن نتائجها تخدم مصالح المتبرعين وشركاتهم، الذين يضخون الأموال في صناديق الحملات الانتخابية للسياسيين الذين يختارونهم.
وعبّر أولئك الذين شملهم الاستطلاع عن قلق كبير ذي صلة، لأن أصحاب المليارات الذين يحررون الشيكات لمرشحيهم “يختبئون خلف الستار” بشكل لم يسبق له مثيل. والنظام الانتخابي ذاته أخذ يفقد شفافيته أكثر فأكثر.
والدورة الانتخابية الحالية انطلقت لتوها مع الانتخابات التمهيدية، ولهذا فإن مجموع الإنفاق على الحملات الانتخابية لن يعرف قبل منتصف 2017 على أقرب تقدير. ولكن تظهر منذ الآن مؤشرات في العديد من الولايات على أن انتخابات هذا العام ستحطم جميع الأرقام القياسية للمبالغ التي يتبرع بها أصحاب المليارات، ومصارفهم، وشركاتهم إلى “مرشحيهم المختارين”. ومن بين أبرز المتبرعين الأثرياء الأخوة كوش، وشيلدون أدلسون، وبول سينغر، ومؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية “غولدمان ساكس”، وآخرون من أصحاب الثروات الطائلة. وهؤلاء الممولون يقدمون التمويلات لمرشحين يحنون رؤوسهم أمامهم ويلتزمون بخدمة مصالحهم الاقتصادية وقضاياهم السياسية.
وعلى سبيل المثال، هناك الآن المرشح الجمهوري للرئاسة ماركو روبيو، الذي سبق أن قاد الهجوم على الأرجنتين في الكونغرس الأميركي من أجل الضغط على حكومة الزوجين كيرشنر لكي تخضع لابتزاز قطب المال والأعمال بول سينغر.
وسينغر، الملياردير والناشط سياسياً، هو نصير متحمس لاسرائيل وممول لتوسيع الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية. وحيث إن السيناتور ماركو روبيو هو رجل سينغر في مجلس الشيوخ الأميركي، فهو يتخذ بصورة ثابتة مواقف متشددة خلال كل نقاش أو تصويت يتعلق باسرائيل.
ثم هناك المرشح الجمهوري السيناتور تيد كروز، الذي يموّل حملته الانتخابية أصحاب مليارات يمينيون متشددون، من أمثال روبيرت ميرسر، الذي يدعو إلى العودة لاعتماد قاعدة الذهب، والمولع بهواية جمع البنادق الرشاشة. ومن بين الممولين الآخرين لحملة كروز الملياردير توبي نوجيباور، والأخوان فاريس وستيسي ويلكس، اللذان ينظران إلى الولايات المتحدة من منظور التوراة، واللذان تسببا بتلوث للبيئة في منطقة شاسعة تمتد بين ولايتي تكساس ومونتانا بسبب استخراج النفط بتقنية التكسير الهيدروليكي. وبفضل هؤلاء المتبرعين، امتلأ صندوق حملة كروز بأكثر من 100 مليون دولار.
وبالنسبة إلى جيب بوش، الذي انسحب الآن من الانتخابات بسبب النتائج الهزيلة التي حققها، فقد حصل على معظم تمويل حملته من أمواله الشخصية وأموال عائلته. ولكن مموّلين أثرياء تبرعوا أيضاً لحملته، التي جمعت أكثر من 118 مليون دولار. ومن أبرز المتبرعين لحملة بوش الملياردير هانك غرينبيرغ، الذي أنقذت الحكومة الاميركية، شركة “مجموعة التأمين الأميركية” التي تملكها بضخ 180 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب لتعويمها خلال الأزمة المالية عام 2008.
حملة هيلاري
وبالنسبة إلى حملة هيلاري كلينتون، فهي تحصل على تمويل من مصادر عدة. وبين المتبرعين لحملتها الملياردير جورج سوروس، الذي قدم 8,5 مليون دولار في العام الماضي وحده. وهناك أيضاً، الملياردير حاييم صبان، الذي ساهم بملايين الدولارات في تمويل حملة كلينتون، والذي أفادت تقارير بأنه قدم بين 10 إلى25 مليون دولار كمساهمة غير مباشرة إلى صندوق مؤسسة (الزوجين) كلينتون. وحتى كانون الثاني 2016، جمعت حملة كلينتون 115 مليون دولار.
أما المرشح الجمهوري الأبرز دونالد ترامب، الذي تقدر ثروته بأكثر من 10 مليارات دولار، فقد مول حملته بأمواله الخاصة.. حتى الآن على الأقل.
ووسط هذه المعمعة، يتميز المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز، الذي يصف نفسه بأنه “ديموقراطي اشتراكي”، بالاعتماد على أنصاره وعلى متبرعين صغار. وساندرز ليس ثرياً، وتقدر تقارير إعلامية أن ثروته لا تزيد عن 330 ألف دولار. وحسب هذه التقارير، جمعت حملته الانتخابية حتى الآن 95 مليون دولار.
وفي ضوء هذا، فإن الفقراء محرومون من المشاركة في المنافسة على الانتخابات الأميركية رئاسية كانت أو اشتراعية، تمامًا مثل التجارة التي لا يمكن ممارستها إلا بوجود رأس مال. ولان الموال لاتعطى بالمجان فان المرشح سعيد الحظ ملزم تلبية المصالح الاقتصادية للجهة التي مولته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.