البعث ومشكلة ملايين العراقيين- كفاح محمود كريم

لا نعرف إن كانت استقالة السيد رافد جبوري الناطق الرسمي باسم رئيس مجلس وزراء العراق استقالة أم إقالة، خاصة وانه قد تعرض إلى حملة مسعورة من ماكينة دعاية من ينافس السيد عبادي على الكرسي ويريد إفشاله، رغم إن كثير منهم كانوا أعضاء فاعلين في حزب البعث، والأكثر غرابة إن العديد قد طالبوا العبادي أو على اضعف الإيمان السيد جبوري الاعتذار من الشعب العراقي لهذه الجريمة النكراء، فعلا هزُلت وشر البلية  ما يضحك حتى البكاء، من هذه المزايدات الرخيصة التي تستخدمها الطواقم الدعائية لأفشل إدارة عرفها العراق في تاريخه، والتي أدخلت البلاد طيلة ثمان سنوات في متاهات التخلف والكراهية والأحقاد والطائفية المقيتة والإفلاس المخزي لبلاد أنتجت خلال نفس الفترة ما يزيد على سبعمائة مليار دولار، مستخدمة وسائل ومفاتيح غرائزية لإشاعة الأحقاد والفتن كما فعلت وما تزال تفعل في حملتها المشينة ضد الكورد تارة وضد السنة تارة أخرى، ولا يفوتها أيضا التنكيل والتشكيك بالقوى الشيعية الوطنية التي رفضتها ورفضت هيمنتها وتسلطها.

لقد حكم حزب البعث العراق ما يقرب من أربعين عاما حتى أصبح ظاهرة اجتماعية في معظم العراق خارج إقليم كوردستان، وضم بين أجنحته وتنظيماته مختلف الشرائح والطبقات والمستويات والمكونات، ولم يبقَ طفلا تجاوز التاسعة من عمره إلا وكان في منظمة الطلائع البعثية، كما لم يتخلف فتى عن منظمة الفتوة وكذا الحال في منظمة الشباب، ومنها صعودا إلى طلبة المتوسطات والثانويات والمعاهد والجامعات، إلا وقد استقبله زبانية الاتحاد الوطني وفرضوا عليه الانتماء راضيا أو مجبرا، إلا اللهم القلة القليلة التي لا تخضع للقياس العام، كما يعرف العراقيون جميعا من الذين ما برحوا أراضيهم والتصقوا بها، إن ما من طالب وصل الجامعة أو طلب دراسة عليا في الماجستير أو الدكتوراه إلا وفرضت عليه البعثية كما تفرض الضرائب، فهل هذا يعني إن كل هؤلاء مجرمين وخونة وعملاء وغير وطنيين!؟

اتقوا الله أيها الناس فقد كان في حزب البعث رجالا ونساءً ترفع لهم القبعات، لا لكونهم بعثيين بل لتربيتهم وأخلاقياتهم ومواقفهم النبيلة، وليتذكر كل منا في موقعه أو محلته أو مكان عمله، كم منهم كان له مواقف لا تنسى، ولعله من باب الوفاء أن اذكر  اثنين ساهما في إنقاذي من الإعدام في سجن الأحكام الثقيلة في بادوش ليلة 27-28 آذار 2003م، ولم يكونا من الكورد أو من البيشمركة، بل كان احدهم عربيا شمريا يعمل قاضيا لأمن محافظة نينوى والثاني تركمانيا ونقيبا لأمن الدواسة في الموصل، وكليهما عضوين في حزب البعث، ولو كانت قيادتهما قد شعرت بهما وما فعلوه من اجل إنقاذي، لأعدموهما قبلي، فكيف لي ولغيري من ملايين العراقيين أن ينسوا مواقف لرجال ونساء في تلك الأيام الحالكة، ممن كانوا محسوبين على البعث وظيفيا، وعلى الشعب أخلاقيا؟
 هل يستطيع على أيام صدام أي فنان تشكيلي أو مسرحي أو غنائي إن يكون خارج السرب إلا في المنافي؟ وهل كل الناس كانت تستطيع أن تختار أو ترحل إلى المنافي؟ هل يعقل هذا أيها الناس لكي نأتي ونزايد على رافد جبوري وغيره؟
لماذا التقط المالكي وفريقه جنرالات البعث وكوادره الأمنية والإعلامية والدعائية، وأعتمدهم في مكاتبه القيادية بحجة تزكيتهم أو سيناريو ازدواجيتهم في الانتماء!؟
وهل علينا أن نطلب الاعتذار من كل هؤلاء لكي يعتذر رافد جبوري الخلوق والشجاع والمثقف؟
فإذا ما اعتمدنا هذه القياسات في التعامل مع كوادر الدولة العراقية فسنحتاج إلى اعتذار الملايين أو إقالتهم كما حصل مع المغدور به الأستاذ رافد جبوري، أنها فعلا جزء من مسخرة العراق ومخازي من يحكمون هذه البلاد الموبوءة بالنفاق والازدواجية التي تقودها إلى التقهقر والتخلف والانهيار، بينما أعطى إقليم كوردستان وقيادته متمثلة بالرئيس مسعود بارزاني وجلال الطالباني وقادة الأحزاب الكوردستانية مثالا إنسانيا راقيا قبل ربع قرن من الآن، أي بعد انتصار انتفاضة شعب كوردستان في ربيع 1991م وانتخاب أول برلمان كوردستاني في تاريخ كوردستان والعراق، حيث اصدر الرئيس بارزاني باسم قيادة كوردستان وشعبها قانونا للعفو العام شمل كل أتباع نظام صدام حسين بكافة تسمياتهم وتشكيلاتهم وأفواجهم حتى تلك التي حاربت الثورة، بشروط ترك الماضي والتوجه لبناء كوردستان مع قيادتها وشعبها، وخلال سنوات أثمرت تلك الأخلاق الرفيعة والقيم العليا فأصبحت كوردستان زهرة العراق والشرق الأوسط وملاذا أمنا لملايين العراقيين على مختلف مكوناتهم العرقية والدينية والمذهبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.