التَّطرف.. بين «كمونٍ وظهورٍ»- رشيد الخيون

يكمن التطرف ويظهر، مِن عصر إلى عصر، نجده كامناً في كتب الأولين، بموضوعها الدِّيني والمذهبي، كوصفة جاهزة لا تحتاج إلا مَن يرفعها رايةً وشعاراً، وهذا ما حصل، على غرة، في تصاعد الكراهية والطَّائفية في العقود الأخيرة. وبالمقابل هناك ما يُعتشى به مِن ثقافة مغايرة تماماً، نجدها في كتب الأدب والشعر والفن والفكر، مع قلتها إزاء ضخامة مكتبة التطرف، غير أنها كانت ومازالت مؤثرة، وربما لم يُنتج أفضل وأبلغ منها، فمَن يجاري الجاحظ(ت255هـ) والتَّوحيدي(ت414هـ) فيما تركا مِن أدب رفيع، حوى في طياته فكراً يُرد به على متشددي العصر.
فلنَّا تصور الكارثة أن مرجعاً دينياً يتبعه الآلاف يعتبر من منبر صلاة الجمعة، أن الجاحظ والفلاسفة المسلمين كانوا عملاء للغرب، وهو يعني التأثر بالفلسفة اليونانية، لم يتح المجال لرجل الدِّين هذا غير ظروف تصاعد التشدد، الذي طفح خلال الحملة الإيمانية، وكان كامناً، ويسمع خطبته الآلاف مِن القائمين تحت أعواد منبره، وتصل إلى الملايين، وقد حصد المجتمع تلك الثَّقافة، الظاهرة في ما نرى ونسمع.
حتى صار التَّشدد ضد الأديان والتحريض لإقصاء أتباعها أمراً مقبولاً، والنظر إلى الغناء والموسيقى وبقية الفنون بأنها كفر، بينما ليس هناك زمن مِن أزمنة الإسلام كان خالياً منها. لم نذهب بعيداً، بل قبل حرب أفغانستان والثَّورة الإيرانية وحادثة جهيمان العتيبي(1979) كانت كوكوش الإيرانية يُبث صوتها مِن طهران، حتى منع صوتها بعد الثَّورة، يسمعه العرب والفرس.
وقبل الصحوة الدينية، كانت أغاني أُم كلثوم الشهيرة مصدرها نجد، حيث غنت للأمير عبد الله الفيصل: «ثورة الشَّك»، و«من أجل عينيك»، ومؤلف الكلمات تبوأ أرفع المناصب في الدَّولة السعودية، وتحدث عبر تسجيل مصور كيف تعرف بأم كلثوم، وأنه أهدى لها ديوانه فاختارت منه ما غنت له.
زارت أُم كلثوم أبوظبي، واستقبلت استقبالاً باهراً، في الوقت الذي وصل بـإحدى التنظيمات المتطرفة الاعتراض على استضافة شاعر مشهور، هذا ما نقرأه في إصداراتهم. ولو تُرك لهم الحبل على الغارب ما استضافت الإمارات موسيقياً أو مغنياً، ولا كان هذا العمران. ولو ظلت «الصحوة» مهيمنة بالسعودية، ما أٌعلنت «هيئة الترفيه»، لعيش المجتمع السعودي طبيعياً قبل 1979 حسب تعبير مطلقيها، ولظل سماع الموسيقى سراً، يُحرم بثها في المطاعم والمقاهي، وما شيدت دور للأوبرا في معظم دول الخليج، ولظلت قيادة المرأة للسيارة محرمة.
كيف استقبل أصحاب عمائم أم كلثوم ببغداد، في الثلاثينيات، وقالوا في صوتها شعراً مشهوراً، ولم يظهر مفتياً محرضاً ضد تصرف المستقبلين لها، مِن علية القوم، في وقت كانت الإذاعة العراقية تُستهل بصوت البلبل، ولم يشذ المسلمون عن دينهم، بقدر ما كانوا يحييون حياة طبيعية.
كان الغناء والموسيقى في مجالس الخلفاء وأمراء المسلمين، ولم تتمكن حملات التطرف، إلغاء هذا التَّاريخ المحقق، وأن بنات أئمة كان لهنَّ مجالس للشعر والغناء، وأشهر المغنين والملحنين السُّود ابن سريح اتصل بعبد الملك بن مروان(ت86هـ)، وذاع صيته مِن دمشق. كذلك أن الملك العادل أخ صلاح الدين الأيوبي(ت589هـ)، وهو سلطان المسلمين، عبر عن إعجابه بألحان امرأة ملحنة.
فماذا حصل، كي يُعبر التطرف عن نفسه بفتاوى ضد الموسيقى والغناء، إلى جانب فتاوى التحريض على القتل، حتى وصل الأمر أن شاباً يقتل خاله، فالأخير يعمل في الخدمة الحكومية (الكافرة) في عرفه، وتُفجر حفلات الأعراس، لوجود الغناء والموسيقى والاختلاط. فمَن يُسكت صوت التَّطرف، كي لا تصبح العودة إلى ما قبل (1979) منالاً بعيداً، ومعلوم لا يُحقق ذلك إلا مَن وصفهم الجواهري بالقول: «إذا لم ينلها مصلحون بواسل/جريئون في ما يدعون كفاة». لكن، هل كانت الحوادث الثلاث (الثورة الإيرانية وأفغانستان وجهيمان) هي الموجدة للتطرف مِن العدم؟! إذا كان الجواب بنعم، فبماذا نفسر وجود جماعة «صالح سرية» بمصر(1974)، وجماعة العمل الإسلامية بالعراق، و«الجماعة الإسلامية» بلاهور وتأثيرها في الأحزاب الدينية عموماً؟! هناك مكتبة ضخمة من التطرف، فُتحت فروعها في المدارس، طُبعت بنسخ أكثر مِن طباعة «القرآن» نفسه، تسربت إلى المناهج، ومعارض الكتب ملأى بها. وكلها رضعت مِن التراث الفقهي، الذي طغى على الدين نفسه، التراث الكامن في العقول وما أن يجد مجالاً ودعماً حتى يظهر بما هو أكثر تطرفاً.
عودة إلى بدء، الكمون والظهور مقالات كلامية، قال بها بعض المعتزلة: ككمون النَّار في العود، ثم ظهورها عن طريق التَّماس مع نار أخرى، أي أن قابلية الأجسام على الاشتعال ناراً كامنة فيها. واستدلوا بالآية: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ»(يس: 80). فهذا هو الحال مع التراث الفقهي المتطرف منه نار كامنة، تجد مَن يشعلها، إذا لم تعالج جذرياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.