الحكم بين السلطة والمعارضة – كفاح محمود كريم

تحدد النظريات السياسية نوع الحكم السائد في الدول بين شمولي وفردي (دكتاتوري) وديمقراطي، ناهيك عن طبيعة الحكم بين جمهوري وملكي وثيوقراطي، وفي كل الانواع هناك تفرعات وتوصيفات وربما نظريات وقوانين تدعم كل منها وتمنحها شرعية الدستور الذي فرضته على تلك الدولة ونظامها السياسي، وفي بحثنا هنا لن نتطرق الى تلك التفاصيل التي غدت من المفاهيم السائدة والمعروفة خاصة في بلداننا التي ادمن الاهالي فيها السياسة بعيدا عن كونها مهنة كباقي المهن حيث ترى الغالبية من الأهالي ومن كل الشرائح منهمكة في الحديث والتحليل والتمحيص في قضايا السياسة، ولذلك سنتعرض لمسألة غاية في الأهمية خاصة في البلدان ذات التجارب الديمقراطية الحديثة التي يتم استنساخها على الطريقة الغربية بعيداً عن واقع وظروف مجتمعاتنا التي تختلف في العديد من مظاهر الحياة وممارساتها وتراكم عاداتها وتقاليدها التي أصبحت جزءاً من شخصيتها كمجموعة وكفرد.
هذه المسألة تتعلق بالسلطة وكيفيتها بعيداً عن نوعها كما ذكرنا في مدخل مقالنا هذا، حيث السؤال الأهم في ماهية السلطة هدفاً أم وسيلة لتطبيق برنامج يتعلق بالحاكمين سواء كان فردياً أو شمولياً أو ديمقراطياً ومدى علاقته بالأهالي من السكان واستحقاقاتهم المواطنية في الحقوق والواجبات، وإزاء ذلك هل يمكن أن يعترض البعض على كيفية التطبيق وحيثياته فيما يتعلق بالوطن والمواطن، وهذا يقودنا الى فكرة المعارضة الوطنية وتبلورها سواء على شكل أشخاص مستقلين أو أحزاب ومنظمات مجتمع مدني.

هذه المعارضة التي لم تتبلور بعد في كثير من البلدان حديثي التجربة الديمقراطية حيث تم تقزيم مفهوم المواطنة وحصره بالولاء للفرد الحاكم أو للحزب المتفرد وبذلك واجهت تلك الأنظمة الجديدة إرثاً متراكماً من حب التسلط والانتقام بما يُغيب المواطنة المنتجة لمعارضة وطنية.
من المعلوم أن أولى دوافع ظهور المعارضة يكمن في حدوث التناقض بين الحاكمين والمحكومين، أو بين الفائزين بالسلطة وبين الخاسرين، مما يدفع مجموعات تتفق فيما بينها على منظومة عمل يطرح بدائل للمشروع الحكومي أو البرلماني يتضمن اتجاهات ومقترحات إصلاحية لما يظنوه هدماً سياسياً واجتماعياً، وهكذا ممارسة تصطدم دائما بموروثات سياسية وقبلية او اجتماعية لا تمتلك إرثا ولا منظومة تربوية في السلوك الديمقراطي الذي يعتمد أساساً على قبول الآخر مهما كان مختلفاً في الرأي أو في الحجم.
وفن المعارضة وثقافتها يقوم في الأساس على فكرة المواطنة وقبول الآخر المختلف كما أسلفنا، وهي بالتالي ضرورة رقابية وتنافس من أجل الوطن وليس من أجل اقتسامه، وهي الأخرى تتصف بتعدد أشكالها ووسائلها ومكان تواجدها وأسلوبها في التعبير عنها، وهنا يقول الاستاذ خيري منصور:

“منها ما يولد في المنفى وما يرتهن لإرادات دولية كما ان منها ما هو اصيل ولا يخرج عن الثابت الوطني، لكن ما شهده العالم العربي في خريفه السياسي الذي ارتدى قناعاً اخضر اً من معارضات كان وما يزال يراوح بين ما هو راديكالي ويطرح شعارات تعجيزية وما هو واقعي وقابل لأن يترجم ميدانيا، والفيصل في الحالتين هو الدور الخارجي في تغذية وتسليح المعارضة الحالمة بالسلطة حتى لو كان ذلك على خازوق او على دبابة عدو”

وواضح جدا هذا التعريف وتطبيقاته في الساحة العراقية والسورية والليبية ومدى تأثير العامل الخارجي الذي يهيمن على اتجاهات البوصلة السياسية سواء كانت في السلطة او ما يسمى بالمعترضين عليها الذين يصرون هم ايضا على اعتلاء كراسي السلطة بأي ثمن كان، ولذلك ستبقى فكرة المعارضة مجرد حديث نظري لا يمكن تطبيقه واقعا لأن ثقافة المواطنة ما تزال تتأرجح بين الانتماء للوطن والولاء الجزئي، وفي كلتا الحالتين تبقى السلطة متفردة حتى فيما يسمى بالديمقراطية مالم تتطور وترتقي ثقافة المواطنة والولاء الوطني الجامع المشترك للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.