الخطاب الشعبوي لمؤتمر برلين! الشعبويون ممثلوا اية جماهير؟

يعد بعض الاشخاص منهم مصطفى الصافي مسؤول تنظيم جديد اطلق على نفسه اسم “التيار الوطني العراقي للتغيير”، لعقد مؤتمرين الاول في الولايات المتحدة والثاني في برلين في الشهر الجاري. في هذا المؤتمر من المقرر ان يطرح الصافي، ومعه اخرين، انفسهم كبديل للحكومة العراقية، كـ”حكومة انقاذ،” ويدعو كل “عراقي” الى الحضور وتأييد مؤتمره، كل عراقي “شرب من ماء دجلة والفرات، و”انحدر من بلد الحضارات داعيا الانتفاضة والمنتفضين في البصرة لنصرة مؤتمرهم، بخلافه، بعدم تأييد مؤتمرهم ومبادرتهم، فان “العراقيين”، ولا بد، واقفين على الجانب الخطأ من التاريخ.
النقطة الرئيسية التي تريد تثبيتها هذه المقالة، والتي ظهرت بشكل واضح في خطاب الصافي للتحشيد لمؤتمره هو الخطاب الشعبوي. اي وضع الجميع تحت يافطة واحدة “العراق” “الوطن” “ابناء الرافدين” او غيره. خطاب “مناهض للنظام” او للحكومة الحالية تحديدا. خطاب فوق طبقي، يفخر بكونه غير طائفي، مدني، او حتى – وقد زاد جرعة جرأته- بالقول بانهم يريدون العلمانية. ويطرح نفسه ومن معه كحكومة انقاذ. هذا الخطاب ليس معنيا على الاطلاق بمطالب اولئك المتظاهرين والساخطين. الجماهير العمالية والكادحة والشبابية والنسوية تريد امان اقتصادي، تريد سبل عيش من عمل، اووضمان بطالة، تريد ماء وكهرباء قبل العلمانية وقبل الدولة المدنية، وسواء كانت الدولة مدنية ام عسكرية، علمانية ام دينية.
يتحدث هذا الخطاب عن العمالة مع ايران، و”رفع راية العراق!” ولكن من لا يرفع راية العراق والقانون وفوق الطائفية وعبر الطائفية، اليست كل الطبقة الحاكمة الان، -باستثنائات قليلة تجهر بولائها لايران- تجاهر بذات الشعارات؟ ان هذا هو ذات الترويج المخادع لرئيس وزراء بريطانيا، في مجرى حديثه عن الازمة الاقتصادية التي ضربت العالم في عام 2008 “كلنا في نفس القارب” ، والحال اننا لسنا “كلنا في نفس القارب”. نحن نعيش في مجتمع مقسم الى طبقات. طبقة تتصارع اجنحتها فيما بينها من اجل ان يحوز كل حصة لنفسه، وطبقة اخرى، مليونية من العمال، والعمال المؤقتين، وعمال العقود، والعاطلين والعاطلات عن العمل، وربات البيوت، واصحاب المهن والحرف الصغيرة، وكل اولئك الذين لا يملكون غير قوة عملهم، يبيعوها، يناضلون يوميا من اجل ان يؤمنوا لقمة العيش لانفسهم، لاجل ان يؤمنوا علاجا لاطفالهم ومسنيهم، وفي الغالب لا يجدو حتى من يشتري قوة عملهم.
فممثلوا اية جماهير، اولئك الذين يريدون عقدوا مؤتمرهم في برلين، او اولئك الذين عقدوا مؤتمرهم “الوطني” في بغداد يوم الثاني عشر من كانون الثاني؟ انهم يمثلون انفسهم ومصالحهم بهذا الخطاب، انه يخدم نفس النخبة ونفس الطبقة من اجل اعادة تثبيت مواقعها في السلطة التي تموقعت بها اصلا واساسات وتمتعت بعطاياها من بعد حرب 2003 ولحد الان.
ما تتطلع له الطبقة العاملة في العراق والكادحين، ان لم يكن التغيير الجذري، وقلع هذه الطبقة الحاكمة، فان مايريدوه وتظاهروا ويتظاهرو لاجله هو الامان الاقتصادي، عدم الخوف من المستقبل، تأمين مستلزمات المعيشة. هذا ما تتطلع اليه الجماهير. عملية تغيير الوجوه، او اعادة تدويرها، ليس هو مطلبها، ولا يهمها اي وجه من هذه الوجوه ان بقيت او استبدلت. المطالب باقية بقوتها.
ليست قليلة تجارب الحكومات البرجوازية التي قامت بانتاج بدائلها من داخلها، بافراز “معارضة” من داخلها، وكأنها معارضة الكادحين والعمال. ان تجربة “كوران” او “التغيير” في كردستان العراق هي نموذج حي على انتاج الحكومات لـ”معارضة “من داخل صفوفها، لبعضها البعض. ان هذه “المعارضة” هي ليست معارضتنا نحن، ليست معارضة الجماهير الكادحة، ويجب ايضاح الحدود الفاصلة بشكل لا لبس فيه. لا تعبر هذه المؤتمرات وهذه المشاريع و”الحكومات” عن ارادة الجماهير، بل انها تريد تسخيرها لاهدافها. السيد الصافي، يحتج في احدى الفيديوهات التي نشرها “كيف تريد ايران بيع اسلحة الى العتبة العلوية، في الوقت الذي قوات بدر تمنح لها الاسلحة ولديها رواتب”!! أنها خلافاتهم الداخلية، خلافات البيت الواحد، خلافات اجنحة الطبقة الواحدة، المهيمنة على المال والسلطة والسلاح. مهيمنة على ادوات العنف في المجتمع.
“حكومة الانقاذ” التي يريد تأسيسها الصافي، هي لانقاذ انفسهم، لانقاذ حصصهم في السلطة الجديدة في ظل توازنات جديدة، نتيجة الصراع الاميركي – الايراني الحالي في العراق. والا مهندس حكومة الانقاذ، لم يتحدث عن اي برنامج لحل مشكلة البطالة، توفير سبل العيش، توفير الكهرباء؟ والخدمات؟ والماء الصالح للاستعمال البشري؟ ان مطلب العلمانية الذي بدأت ترفعه الاحزاب الاسلامية، هو حصان طروادة الجديد الذي يريدون به غزو قلوب الجماهير التي صاحت من عام 2008 وباشكال مختلفة بأنها سأمت وملت وجزعت من حكم الاحزاب الاسلامية. قاموا بتغيير اسماءهم من دينية الى مدنية، بدأو يتحدثو عن المدنية، والان مضوا خطوة جديدة في مغادرة خطابهم الديني، الى خطاب “العلماني”. ان هذه ادعاءات كاذبة، فكل مواطن، كل ربة بيت، كل معلم وعامل وعاطل، وسائق تاكسي، يردد “كلهم، كلهم حرامية”. انهم يتحدثون عن وجوب طرح بديل. ولكن لم يعد ينطلي على احد، افراز “معارضة” من داخله، من تمثيل دور “المنقذ”! الجماهير وحدها، العمال والعاطلون والمؤقتون والنساء والشباب هم الذين ينقذون انفسهم بانفسهم، وليسوا بحاجة الى نواب عنهم ليقوموا بذلك!

نادية محمود