السياسة في العراق الى اين ؟- عبدالكريم الكيلاني

السياسة هي عبارة عن خلق قرارات تلزم المجتمع بتنفيذها على أساس المصلحة العامة للبلد  بهدف تحسين الاداء العام وتطوير البنى الاجتماعية والاقتصادية والامنية وغيرها من الاركان المهمة لاي بيئة قابلة للعيش معنويا ومادياً ويخضع السياسي الى مطالب وضغوط معينة يفرضها الواقع الداخلي والخارجي حسب ايدولوجيا واضحة لتحقيق الاهداف المرسومة على خارطة التخطيط الشامل للبلد وحسب رؤيا المؤسسات الحكومية والمجتمعية والنخب على مختلف المستويات، وهي تمثل الحد الامثل للعلاقة بين السلطة والشعب باعتبارها اعلى الهرم الذي يمثل ارادة الناس في التجمعات الانسانية الموزعة على رقعة الارض، وبالتالي فانها تمتلك القوة اللازمة لتنفيذ قراراتها كالجيش والشرطة والاجهزة الامنية الاخرى، والسياسات تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات والتوجهات العامة ونوعية العلاقات بين الافراد والمكونات والمؤسسات، ويطلق على السياسي هذا الاسم لانه يؤثر على المجتمع من خلال تأثيره على القرارات او الاشخاص الذين يصنعون القرارات وعلى السياسي ان يمتاز بالدهاء والحنكة لكي يمرر فكرته او خطته الى ارض الواقع، وبكل الاحوال فان السياسي عليه ان يعمل من اجل ناخبيه والذين اوصلوه الى مراكز صنع القرار او الذين وجدوه مهيئاً ليشارك في صناعة القرار وعليه أن يمتلك الجرأة اللازمة لتمرير طروحاته وسياسته على ان تهدف هذه السياسة خدمة الناس وتطوير المجتمع.
للأسف أن السياسة في مجتمعنا اصبحت سلعة رائجة مستهلكة باهتة اخذت البلاد الى منحدرات خطيرة ومناحي عمياء واختلط الحابل بالنابل حتى اصبحت هذه الكلمة او هذا المصطلح ( سياسة ) من اشد المصطلحات كرهاً لدى الناس، فعندما نقول هذا الرجل سياسي، بمعنى اننا نقول ان هذا الرجل فاسد وسارق وقاتل وقل ماشئت من الاوصاف بحقه، وهذا الامر مشاع لدى مختلف شرائح المجتمع بسبب الكم الهائل من الاخطاء والخطايا التي ارتكبها بعض السياسيون والتي اودت الى اعادة العراق الى حضيرة الدول الأسوء في العالم بحسب دراسات اجرتها مراكز البحوث العالمية خلال السنوات الماضية فجواز السفر العراقي هو ثالث اسوء جواز في العالم بحسب مؤشرات “هينلي آند بارتنرس”، التي تنشرها شركة “هينلي آند بارتنرس، وهو ثاني اسوء مكان للمرأة في العالم العربي حسب دراسة نشرتها مؤسسة تومسون رويترز، وهو  أخطر مكان بالعالم متقدماً على 144 دولة بينها إسرائيل والصومال وأفغانستان حسب معايير (دليل السلام العالمي)، وهو ثالث اسوء دولة في العالم في الفساد الاداري بحسب منظمة الشفافية الدولية، وصنف العراق كأسوأ البلدان التي عجزت حكوماتها عن التوصل للجناة في جرائم قتل الصحفيين، واكاد اجزم باننا نمتلك اسوء برلمان في العالم بسبب الفوضى الغير منطقية التي تعصف به والتي جعلت منه مثار كلام الناس وسخريتهم، والقائمة تطول.
ان العراق ومنذ سنين طويلة بات شبه فاقد لسيادته، فالتدخلات بشؤونه وسياسات قادته مستمرة من دول الجوار كايران وتركيا ومن دول اخرى كالسعودية وقطر، اضافة الى تدخلات الدول الكبرى كالولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا، اما الاوضاع الداخلية والعلاقة بين بغداد والاقليم تسير باتجاه الزوال، فاقليم كوردستان يعاني ومنذ سنوات من ظلم واجحاف الحكومة الاتحادية بحقه في مختلف المجالات وعدم التزام بغداد في دفع مستحقاته من الموازنة العامة وقطعها لرواتب الموظفين في الاقليم وتشبثها المستمر بوضع العصا في عجلة الحياة والتطور والاستقرار فيه، ومحاولة هدم العلاقات بين الاحزاب الكوردستانية في الداخل لاضعافه، وليس مع الاقليم فحسب بل اتخذت السياسات العرجاء للحكومة الاتحادية الى اضعاف تواصلها مع محافظات اخرى كنينوى التي تحارب التنظيم الارهابي داعش منذ اكثر من سنتين والتي تعاني من اهمال بغداد لها وعدم صرف مستحقاتها من الموازنة العامة للسنوات 2014/2015/2016 بالرغم من المطالبات المستمرة لحكومة نينوى المحلية التي تقف شبه عاجزة عن اعادة اعمار المناطق المحررة ومساعدة النازحين بسبب هذا الامر، علما ان 50 % من اراضي نينوى تحررت على يد قوات البيشمركة الكوردستانية التي تقارع الارهاب على مسافة اكثر من 1000 الف كم .
ان جميع القوى المدنية والمؤسساتية تتفق على ضرورة اجراء اصلاحات في البنية السياسية العراقية ومراجعة شاملة لها، فالعراق بحاجة الى وضع سياسات جديدة لها واعادة رسم خارطتها واعادة النظر بين علاقة بغداد باقليم كوردستان ومحافظاتها واستحداث محافظات جديدة للحفاظ على الاستقرار واعادته واعادة الثقة بين مكوناته واطيافه فماحصل خطير جدا ولا يمكن العودة باي شكل من الاشكال الى الاوضاع التي كانت عليه قبل دخول داعش واحتلالها لعدد من المحافظات، لان الشرخ الحاصل بين الاديان والمكونات والاطياف كبير جداً ولا يمكن ترقيعه بالشعارات والخطب الرنانة العاطفية، اذا نحن على موعد مع تغيير شامل لخارطة العراق سيما وان اتفاقية سايكس بيكو انتهت قبل مدة ، والسؤال هنا هو العراق الى اين ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.