الشهداء اكثر منا جميعاً – نور القيسي

العنوان الذي اخترته لمقالتي ليس من اكتشافي ايضاً، هي جملة قفزت امامي في الفيس بوك من صديق لي عاش اليتم منذ ان كان جنينا في بطن امه، يقول لي احياناً امي صارت تغلط بأسمي وتناديني بأسم ابي، خفت عليه بصراحة انا اؤمن بالخرافات واؤمن ان الامهات “گلبها يعلم” وتصرفاتها باللاوعي تنذر بما هو آتي، حين صارحت صديقي بمخاوفي ضحك كالمجنون قال لي ان اباه حين تعرف بامه كان بعمره تقريباً، والشبه بينهما كبير جداً حد ان امه تناديه باسم ابيه ولا داعي لخوفي الغير مبرر، اتمنى ذلك اتمنى ان تكون الخرافات التي اؤمن بها غير صحيحة.
انا لا افهم الحرب لكنني عشت  الثلاثين عاماً التي مضت من عمري  في مطحنتها، اعرف معنى ان تضطر من العطش تشرب ماء آسن واعرف معنى ان تأكل ما لا يشبعك لتنقذ اصغر اخوتك من الانهيار جوعاً.
لا اعرف من اخترع مكبرات الصوت او المكان الذي تنطلق منه اصوات الغارة، لكنني اعرف جيداً صوتها حتى انني جيدة جداً بتقليده في الحمام، واستطيع ان اشرح لكم بالتفصيل الممل جداً معنى ان تفز من نومتك على صوتها، لا اعرف كيف تصنع الصواريخ ولا من اول مخترعها ولا كلفتها ولا بائعيها لكن اعرف كيف تهتز الارض من تحتك حين تمر من فوق  منزلك في طريقه الى منزل جارك.
ولدت في حرب العراق مع ايران  كبرت وانا اكره ايران واكره الايرانين لانهم كانو السبب بدوام الحرب هكذا تعبىء رآسي، ثم كبرت عرفت ان صديقتي الايرانية ايضا لا تعرف الحرب واسبابها لكنها عاشتها وعايشتها وهي مثلي بالضبط لا تعرف “من او كيف او الماذا قامت الحروب”  لكنها تعرف ان تصف يومياتها فيها، هي شبيهتي على الطرف الاخر من الجبهة، كانت تكره العراقين والعراق لانهم كانو السبب بدوام الحرب. الحرب كانت بين  طرفين ارعنين “صدام وخميني ” لم يهتم احد منهم بسرب التوابيت التي كانت تنقلها السيارات العسكرية الى المدن، ولم يهتم احد “الارعنين” لسرب الايتام والارامل والامهات الباحثات بين الجثث عن اثر لفلذات اكبادهن، كانت المنابر تصب الزيت على الحطب تصف الجنان وتزوق الموت في الجبهات فوزاً عظيماً، وتوزع مفاتيح وادعية خرق بالوان متعددة خرز واوراق لا تخلو من الطلاسم والخرافات قيل انها ستردهم سالمين، ومع ذلك لم يرد احداً منهم سالماً، كِلا الطرفين كان مجنون بالتاريخ يريد ان يخلد اسمه ولو بالدم ولتذهب البلدان ومن فيها الى الجحيم.
صدام يشبه نظيره الخميني كلاهما دمر اجيالاً، كلاهما ركس في الوحل و
بلدان متحضرة “العراق /ايران” في وحل التخلف الصحي والعلمي والخدمي والاقتصادي، كلاهما حكم بعقلية ابعد ما تكون عن السياسة الارعن العراقي قاد العراق بعقلية “شيخ العشيرة” والارعن الايراني حكم ايران بعقلية “سيد الحسينية” اعتقد الان صار واضح اهم واكبر نقاط الشبه بين الطرفين.
ماكتبته ربما سيتسبب بتكفيري وربما سيعرضني للخطر وفي احسن الاحوال سيكتفي عباد الطرفين بسبي وشتمي وطعني، مع ذلك لا يهم معلم على الطعنات گلبي.
كان لي صديقة في الابتدائية اسمها حلا كانت حلا تنتظر يوم الشهيد كل سنة لتضع شارة نصب الشهيد، لنكرمها نحن الذين لم تثرم الجبهة ابائنا بالتصفيق الحار وفي احسن الاحوال ورقة قصتها المعلمة بطريقة جميلة على شكل وردة مكتوب فيها ابن/ ابنة الشهيد، كان عددنا في الصف ٣٠ طفل ربما اقل، ما يقارب ثلث هذا العدد كانو ايتام، كانت حلا تقف مع ابناء الشهداء لكن استاذ علاء معاون المدير كان ينهرها ويعنفها لان ابوها كان صديق طفولته، وكلما وصلت وجبة جديدة من الاسرى كان يأخذ صورة صديق طفولته ويركض للقادم الجديد، قال له الاسرى العائدين من هناك ان “ابو عمار” مازال حياً” لذلك يرفض ان تقف حلا مع ابناء الشهداء استائ علاء مثلي يؤمن بالخرافات ويخاف على صديقه من “نغط الشهادة”، تعود ان يخبرها هذه القصة كل عام ست سنوات في الابتدائية كان يخبرها نفس الموشح ثم يتركها تغط في حزن ودموع لا تنتهي مع اخر درس في يومنا، الاستاذ علاء الذي يرفض ان يستوعب ان درب الحرب لا يرجع احد مات في الحرب ايضاً بعد ان سقط هاون في المقهى الذي كان يجلس فيه مع اخرين لا انس لهم سوى استكان الشاي.
كبرنا كلنا الحياة لا تتوقف عند احد، الحياة اخذت كل منا الى طريق، لكني مازلت افكر بحلا كلما مر هذا اليوم بالذات، ترى حين تزوجت هل كانت تتمنى ان يكون ابوها اسير فعلاً يدفع الباب البيت الان ويدخل يأخذها عروساً في حظنه مثل الافلام، ام انها صدقت حدسها باستشهاد والدها وقطعت الامل لا اعرف لم التقي بها منذ ال١٩٩٦ يوم تخرجنا من ابتدائية احمد حسن البكر،.مثل قصة هذه الطفلة صادفت الكثير في حياتي اعرف ان اصف لكم لحظات مرو بها لكن للاسف لا استطيع ان انقل مشاعرهم وكيف عايشو اليتم وعاشو به.
اؤمن بالمعجزات رغم شحتها اؤمن ان الاطفال ايتام الحروب التي مرت كبرو كلهم لكن البعض مهم صارو ابائاً صالحين وامهات حنونات، كما انني اعرف ان من لم ينجح باعطاء ما لا يعرفه “الابوة” منحو كل شيء لاولادهم واولاد غيرهم في محاولة لوقف فيضان اليُتم والعنف الذي يجتاح العراق.
اعرف ان للمعجزات زمن وتنتهي معه، وخوفي ان تنتهي معجزة الابوة الصالحة التي فلتت من حيث لا ندري ولا يعود لجيل الحرب الحالية القدرة على ان يكونو اباء وامهات صالحين في المستقبل القريب، وخوفي الاكبر ان يضيع الذين يحاولون سد فيضان اليتم بالانجراف مع تيار العنف الذي عاشوه.
النصر كذبة ومحاولة بائسة لتبرير خسارتنا نحن الاجيال التي عاشت في الحرب لاجمل سنوات حياتنا، تجميل لجثث ابنائنا الملقاة ببراري الجبهات وحرقة ارواح وذويهم، حتى حربنا هذه ضد الارهاب رغم قدسيتها وصدق مقاتليها بالدفاع عن وجودنا نحن “البطرانين” الجالسين خلف حواسيبنا نشرح وننضر، جيرت باسم “الي الله معافيهم” المتكئين على كراسي الحكم ومن يدعم وجودهم من تجار وشيوخ، مثلما تجيرت غيرها من الحروب باسم صدام وغيره من المجانين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.