الضربات الروسية لداعش تثير هستيريا الغرب – عبدالخالق حسين

يوماً بعد يوم، وبوتيرة متسارعة، بدت الأمور تتضح أكثر فأكثر عن الدور الأمريكي بدعم داعش وغيرها من المنظمات الإرهابية في سوريا والعراق. وأخيراً جاءت الضربات الروسية للمجموعات الإرهابية في سوريا لتقطع الشك باليقين. وعلى قدر ما يخصنا الأمر فمنذ تسليم الموصل إلى داعش في 10 حزيران 2014، وبمخطط جهنمي خبيث، شاركتْ فيه أطراف دولية ومحلية، كنا قد حسمنا موقفنا من أمريكا، وتوصلنا إلى استنتاج مفاده أن داعش صناعة أمريكية(1)، تخوض حرباً في سوريا والعراق نيابة عن أمريكا وحلفائها في المنطقة (إسرائيل وتركيا والسعودية والدول الخليجية الأخرى)، ضد (المحور الروسي- الإيراني-السوري)، والذي انضم إليه الآن العراق مضطراً بعد أن يئس من الدعم الأمريكي له في حربه على داعش.
طبعاً للإرهاب عواقب جانبية وخيمة غير مقصودة من قبل صناعه، منها ما حصل من عمليات إرهابية في أوربا، ونزوح مئات الألوف من اللاجئين إلى الغرب. ولذلك سارعت أمريكا ومعها الدول الغربية بالتظاهر بشن حملة إدانة ضد المنظمات الإرهابية، وتشكيل تحالف من ستين دولة لمحاربتها. ولكن لأكثر من عام تأكد لنا أن أمريكا ليست جادة في ضرب الإرهاب، وإنما هذه الضربات الخفيفة، والتي أغلبها بالعتاد الخلب، هي لأغراض دعائية لتبرئة ساحتها من دعم الإرهاب. لذلك فما أن تدخلت روسيا وبدأت بتوجيه الضربات الحقيقية الماحقة لعصابات داعش حتى جن جنون الإدارة الأمريكية و حلفائها في الناتو والدول الخليجية، ومعها وسائل إعلامها في شن حملة إعلامية هستيرية ضد الضربات الروسية، مدعية أن روسيا لا تضرب القوات الإرهابية (داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام)، بل تقتل المدنيين السوريين الأبرياء، والمعارضة المعتدلة، لإدامة حكم “الجزار” بشار الأسد…الخ. بينما الحقيقة تؤكد، وباعتراف القلة المنصفة من الاعلام الغربي مثل صحيفة الاندبندنت اللندنية، أنه لا توجد في سوريا معارضة معتدلة(2).
فقد بات من المؤكد أن أمريكا لا تريد القضاء على داعش وأخواتها، لذلك شعر الرئيس الأمريكي أوباما بالإحراج وخيبة أمل فيما إذا لو قضت روسيا على داعش، وهو الذي قال مراراً أن الحرب على داعش قد تطول لخمسين عاماً!! لذلك “أعلن أوباما عن استعداده للعمل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاتفاق يقضي بانتقال سياسي في سوريا.”(3). كذلك الرئيس التركي أردوغان هو الآخر فقد صوابه و راح يدعو بوتين إلى إعادة النظر في العمليات العسكرية الروسية بسوريا.(4). فلماذا كل هذه الهستيريا وخوفهم من الضربات الروسية؟ الجواب هو لأنهم لا يريدون القضاء على داعش. فداعش جاءت لتحقيق أهداف معينة لأمريكا وحلفائها في المنطقة.

فكما ذكرنا في مقالين سابقين، هناك دراسات موثقة، ومن داخل المؤسسات البحثية الأمريكية، تؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة في شن الحروب وإخضاع الحكومات إلى النفوذ الأمريكي، وذلك عن طريق الإرهاب والإعلام والحرب النفسية والثقافية. فإننا نشهد عصراً جديداً من الحروب التي أطلق عليها بـ(حروب من الجيل الرابع)، حيث يستخدم فيها الإرهاب و الإعلام، ونشر الإشاعات والعمل على تدمير النسيج الاجتماعي وثقافة وقيم المجتمع الذي يراد إخضاعه، لذلك نشير على كل من له اهتمام بهذا الشأن أن يقرأ البحث القيم الموسوم (الجيل الرابع من الحروب.. أبعاد وانعكـاسات وتهديدات)(الرابط في الهامش رقم 5)، الذي نشر في موقع عسكري إماراتي (درع الوطن)، الحليف لأمريكا وليس في موقع معادي لها. وأخطر ما جاء في ختام هذا البحث هو:
أن (استراتيجية الجيل الرابع من الحروب تقوم على تكتيكين رئيسيين، الأول: الدقة في تقسيم الأدوار؛ فثمة من يدعو إلى العنف ولا يتحمل مسؤوليته، وهناك من ينفذ العنف، وطرف ثالث يبرر العنف، وآخر يدّعي الحياد ويمارس المراوغة إلى حين، ثم يمارس الانحياز الذي يمثله، وهناك نخب فكرية وحقوقية وحسابات إلكترونية تصطنع العقلانية والاتزان وتتاجر بالشعارات والمثاليات وتناقش الجزئيات والهوامش على حساب الجوهر والمتن، وكل طابور يؤدي دوراً مدروساً بعناية، ويتحرك في توقيت دقيق، وهدفهم الحقيقي خدمة الطرف المعارض لنظام الحكم وإمداده بغطاء شرعي وتشتيت الرأي العام وتفريق الإجماع الوطني من أجل حصد أكبر قدر من المكاسب. والتكتيك الثاني هو نشر (الفوضى) بكل صورها في مجريات الأحداث داخل هذه الدول؛ لإفقاد المواطن الثقة بأجهزة الدولة والتشكيك في مصادر معلوماتها وإجراءاتها، وهذه هي الخطوة الأولى والفاعلة (لتفكيك الدولة) لأنها تحقق الهزيمة النفسية للشعوب وتقود إلى باقي الهزائم.))(5)
والجدير بالذكر أن الإرهاب والفوضى “الخلاقة” متفشيان الآن فقط في البلدان التي ترفض الخضوع التام لأمريكا وإسرائيل، مثل سوريا والعراق واليمن وتونس، والجزائر، وتحت مختلف الحجج، بينما الدول العربية الأخرى، وخاصة الخليجية منها، الخاضعة خضوعاً تاماً لأمريكا ولها علاقة حميمة مع إسرائيل، هي بأمان من الإرهاب والفوضى، بل هي التي تصرف الأموال الطائلة لدعم الإرهاب والفوضى في البلدان الضحية.
لذلك وبعد اليأس التام من الدعم الأمريكي، فمن المصلحة الوطنية أن يطلب العراق الدعم الروسي في حربه على الإرهاب وقبل فوات الأوان .
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.