العراق.. بعد 16 عاما من الوهم – رشيد الخيون

حلت يوم أمس الاول الذكرى السادسة عشرة لغزو بغداد(2003-2019)، وخلالها عاش العراقيون نكبات وكوارث، في الأرواح والثروات، حتى هذه اللحظة ليس هناك إحصاء للرؤوس التي قطفت، ومن دون شك قد بلغت آلافا مؤلفة، بينها أكثر من مئتين وخمسين إعلاميا وصحافيا وكاتبا، ناهيك عن اغتيالات مدرسي وأساتذة الجامعات، يضاف إليهم الأطباء والفنانون والحلاقون، ومن النساء جمهرة قضين ضحيةَ جبروت العنف الديني المسلح، ناهيك عن جرائم الاختطاف. أما الثروات، فالفساد بلا حدود، أقفلت المصانع والمزارع، ولم يبق ما يستحق الذكر.
من ولد في ذلك اليوم(9 أبريل 2003) بلغ سن الشباب، سنتان وسيشارك في الانتخابات، وعندها سيشارك في إقرار سياسة البلاد، متشبعا بالخطاب الديني، ترك خلالها المدرسة سنويا نحو نصف العام، حيث المناسبات الدينية التي لا عد لها، ووجد أمامه أضرحة جديدة، وأخذ يمارس «الإرهاب الإسلامي». توزع ذهنه بين خطباء المنابر من قصاصي الشّعوذة، مع واقع بائس لبلد يعد من أغنى البلدان. فتح عينيه على التحشيد المذهبي، وكم من أترابه عادوا في التوابيت، بدافع معارك حماية الأضرحة. قتل مقابل خمسمائة دولار شهريا، لأنها فرصته الوحيدة. أما الذين جندوه وحشدوه فليس عليهم غير عمل التشييع الجماعي، بمواكب أعراس “الشهادة” .
لا يستغرب هذا الشاب تقديس الأتباع صور عمائم محلية وخارجية، لأنه ولد وهي تتدلى فوق رأسه، دون علم أنها سبب دمار المدرسة التي يتعلم فيها. يصدق أغرب الخيالات التي تصبح حقيقة إذا ألقيت من فوق المنبر، ومنها أن وجود القوات الأميركية لمحاربة المهدي، وبدون خجل وخشية من فضيحة الجهل، قال صاحب العمامة ورئيس الميليشيا: إنه يمتلك وثائق تؤكد أن الأميركان لديهم علم بظهور المنتظر، وبمقارنتها بروايات «بحار الأنوار» وجدها حقيقة!
تكاد تتفق القوى الدينية أن وجود هذا العقل المنحط هو وسيلة تأثيرها، فالحزب الذي حكم نحو أربعة عشر عاما، من الستة عشر، أكثر الأحزاب تشددا في البقاء على التخلف، وقادته يتفاخرون بضخامة المواكب الدينية. أسقط الفارق بين الموت والحياة، جعل أتباعه لا يميزون بين تقاليد العرس وموجبات المأتم. أمينه يجيد التحريض الطائفي، ولعله أول من استلهم فتوى الانتحار جهادا(1981)، المعروفة بـ«التترس»، قتل أبرياء لخدمة النظام الإسلامي الجديد آنذاك، قبل “القاعدة” وأخواتها، حتى صار المجرم مجاهدا مقدسا.
ليس الجميع يفرق بين الحقيقة والوهم، ولمعروف الرصافي(ت1945) أبيات: «لقنت في عصرِ الشباب حقائقا/في الدين تقصر دونها الإفهام/ثم انقضى عصر الشباب وطيشه/فإذا الحقائق كلها أوهام»(الديوان). بهذا المعنى أخذ يتحدث من خرج مِن إطار ذلك التنظيم الكارثي.
إنها (16) عاما من الوهم والضياع، يعيشها العراقي من الابتدائية إلى الجامعة، حتى جاء زمان تشكل لجان من العمائم للإشراف على الجامعات. ينزل عميد كلية لتوزيع الطعام على المواكب الماشية، واضعا طبق الطعام على رأسه، وكأنه خرج من كهف أمضى فيه قرونا.
آخرها خرج أحد خطباء المرجعيات، والمتنفذ بأموال العتبات الدينية التي حملها الواهمون له، يغريهم بالفقر في الدنيا مقابل غنى الآخرة، بأكثر وهما من «صكوك الغفران»، لكن قرون العراق الوسطى ليس فيها ثائر كمارتن لوثر(ت1546.)
عاد العراقيون إلى فضيحة العقل قبل ألف عام، غير أن تلك الأجيال كانت معذورة، لا تعليم ولا طبابة ولا رقي كالذي وصل إليه البشر في هذه الفترة، فلماذا العراق تخلف عن الأمم إلى هذا الحضيض، ولمحمد مهدي الجواهري(ت1997): «مشت كل جارات العراق طموحة/سراعا وقامت دونه العقبات/ومن عجب أن الذين تكفلوا/إنقاذ أهليه هم العثرات»(الرجعيون).
كانت رجعة العقل العراقي إلى أوهام تلك العصور، وكأنها البارحة: «رأوا في البرية خيما سودا، وسمعوا منها لطما شديدا وعويلا كثيرا، وقائلا يقول: قد مات سيدوك ملك الجان، وأي بلد لم يلطم أهله عليه، ويعملوا له العزاء قلع أصله، واهلك أهله. فخرج كثير من النساء في البلاد إلى المقابر يلطمن وينحن، وينشرن شعورهن، وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك»(ابن الأثير، الكامل في التَّاريخ)، وها هم الأخيرون يتلاعبون بالعقل كما يشاؤون. يحدث هذا بتعظيم من السلطة نفسها، فالخطيب المشعوذ يرافقه موكب حماية وحاشية، تقف له الدوائر صفين ترحيبا.
ليس من الحق إنزال الملامة على الناس الموهومين، لسبب حشو العقول بالشعوذة، فكل صاحب عمامة يشار إليه بالعالم، بينما يغتال أساتذة علوم الطبيعة والمجتمع. إنما اللوم يقع على السلطة لعدم تقييد تلك المنابر، في المؤسسات التعليمية الرسمية والدينية، فاغتيال الأذهان ليس أقل جريمة مِن اغتيال الأبدان!
أقول: عقب (16) عاما من الوهم، لابد من وضع حد، والبدء بمكافحة الفساد من الكبار، وأن يكون الاتفاق مع أي دولة بشروط، أولها نزع سلاح الجماعات الموالية لها، لأنها الحامية للشعوذة والانحطاط. تنظيف القضاء من الفاسدين بالعدالة، وإبعاد العراق عن أحلاف مقاومات أو ممانعات، أن تكون سياسة واضحة إزاء الدول الإقليمية كافة، وينتهي العمل بإعادة الفضل الذي قدم للأحزاب في زمن المعارضة، فالعراقيون غير مسؤولين عما قدم لها. عدا هذا، سيبقى الوهم سائدا، ولو بعد مئة عام.

2 thoughts on “العراق.. بعد 16 عاما من الوهم – رشيد الخيون

  • 04/05/2019 at 5:39 صباحًا
    Permalink

    السيد رشيد الخيون المحترم . . عهدناك صاحب للحقيقة و جريء .. نتمنى لك السعادة . بارك الله فيك

  • 10/05/2019 at 4:12 مساءً
    Permalink

    الى رشيد الخيون مقال مفعم بالغوغائية والخلط بعشوائية وابتعاد عن العلمية والموضوعية وكلمة حق يراد بها باطل حيث أردت بهذا ان تستغل هذه الممارسات الجاهلية التي يكفر بها الدين الحق لتنسب هذه الممارسات المنحرفة إلى الدين الحق وهذا كله بدوافع الحقد الشيوعي الكافر الذي يعمي البصيرة والذي دفع بك إلى كل هذا الانحراف عن الحق والصواب والى الاوهام و الكذب أسعى سعيك وكد كيدك فو الله لن تنال من الإسلام أبدا ( واعلمو أنكم غير معجزي الله وان الله مخزي الكافرين).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.