العراق بين نوايا وهواجس الحاج والسيد- صبحي ساله يي

الحقيقة التي لا يمكن إخفائها في العراق هي أن العملية السياسية، بعد تفريغها من محتواها نتيجة تهميش وخرق الدستور والتدخل الخارجي وتشريع قوانين وإصدار قرارات تخدم الفساد والتخلف والنهب، وبعد تدمير البنى التحتية للبلاد وتفشي البطالة وإنتشار الميليشيات والمخدرات والعصابات المنظمة ووضع قطاعات واسعة تحت خط الفقر، وبعد حالات الشدّ والجذب بين قوى الإطار التنسيقي والتيار الصدري، والمشهد المعقد الملىء بالإنفعال والاتهامات المتبادلة وتضائل الثقة ببعض الفرقاء وشعاراتهم المليئة بالكلام المكرر، أصيب الشعب العراقي بخيبة أمل كبرى بالنظام الذي كان يصبوا اليه، وصلت (العملية السياسية) الى الاحتضار ونهايتها المحتومة.

مع ذلك نلاحظ (في الوقت الضائع) أن الذين يتمنون إنقاذ العراق والعراقيين، يعلقون آمالهم على الحوار، لأنهم متيقنين من أن فتح الانغلاق بحاجة الى مفتاح تحكيم العقل، وأن الحوار المباشر الواضح والصريح، خاصة في اللحظات التاريخية الفاصلة هو أفضل السبل لاستيعاب أبعاد الخلافات والإختلافات وفهم مضامينها وتذليل العقبات التي تعترض التفاهم والاتفاق، وهو أقصر الطرق لتسمية المشكلات بمسمياتها ومنع الإنزلاق نحو مناطق الفوضى العارمة والإنهيار والدخول في متاهات الظلمات. ولكن هذا يعني أيضاً أن المتحاور بدوره يجب أن يتحلى بالإتزان والهدوء والإخلاص والنأى بالنفس عن الغرور والغموض والالتفاف على الحقائق أو تغييب الثوابت وضبط النفس وإحترام إرادة الطرف الآخر، والشجاعة في الدفاع عن الحق وبيان جدواه، والدقة في تفسير الأمور وتحديد مكامن الخلل والتفريق بين المفيد وغيره، والكياسة في وضع الآليات المناسبة للحل ولتذليل العقبات. وهنا فإن الأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح هي: هل الطرفان المتنازعان في العراق من محسومي الولاء للعراق والعراقيين، وهل هما من المستعدين للنزول من أبراجهم العالية لتسوية المشكلات وفق مبدأ لا غالب ومغلوب ؟.

حتى الآن، كل المراقبين للأوضاع السياسية في العراق يؤكدون على إن هؤلاء أخفقوا في تحليل الأمور والتعبير عن رؤية واقعية دقيقة عن أهدافهم، ومارسوا سياسات الإندفاع والتراجع والصراع ولي الأذرع بين أنفسهم ومع الآخرين في سبيل الحصول على منافع شخصية وحزبية وطائفية وأهدروا الجهود والأوقات، وتجاهلوا تضحيات العراقيين والمصالح العليا للبلد والعمل المشترك مع الأطراف الساعية الى تقديم الخدمات المواطنين وإنهاء أو تقليل معاناتهم، لذلك يتحملون قسطاً من الواجبات والمسؤوليات. ولكنهم نجحوا في إختيار الجمل الفصيحة والمفردات اللغوية والعناوين الدقيقة للوطنية والإخلاص والوفاء للوطن والمذهب وأبناء المكون الأكبر، وبعضهم خانوا الشعب وسرقوه وإضطهدوه وجبلوا على المراوغة والمناورة وعدم الالتزام بالعهود والوعود والمواثيق والإتفاقات، وكانوا سبباً لانعدام الثقة بين العراقيين. وبخطواتهم الإستفزازية وإدعاءاتهم الكاذبة، تسببوا بإفتعال مشكلات معقدة ومتشابكة، وإسهموا في الخلط بين عناصر خارجية وداخلية لتشكل تهديدات ومؤثرات قوية على المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإجتماعية. وبمغالطاتهم وعملياتهم البهلوانية المتعمدة وبكل ما يملكون من مكائد، حاولوا حجب الواقع الحقيقي المأساوي لحياة العراقيين .

مع ذلك يمكن القول : أن الحوار بين الجانبين ( الحاج نوري المالكي والسيد مقتدى الصدر)، إن لم يكن إضاعة للوقت أو هدنة مؤقته، فإنه لن يقدم شيئاً للصدر ولن يأخذ شيئاً من المالكي ولايستطيع ترطيب الأجواء وتسوية الأمور المعقدة. لأنه ليس في إستطاعة الحاج المالكي الإعتذار والتحدث بصراحة عن نواياه، ولا يمتلك الشجاعة التي يمتلكها الفرسان أثناء التعاطي مع الأزمات والإعتراف بالأخطاء التي ارتكبها، نظرا إلى سجله الطويل الملىء بالإنكار وجهود التخلص من الصدر وانصاره وافكاره.

وفي المقابل، ليس في استطاعة السيد الصدر التعاطي مع الواقع وحساباته وإستيعاب الحاضر بحسناته وسيئاته، من دون البقاء في أسر عقده وهواجسه من المالكي والخوف من التطلّع إلى المستقبل في ظل حكومة إطارية ( لو تشكلت تحت الضغط والترهيب والترغيب).

بكلام أوضح لا يستطيع أي من الطرفين (السيد والحاج) الإستغناء عن الإستثمار في تاريخ العلاقة بينهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.