العمامة والسياسة- غالب حسن الشابندر

يُروى أنّ عالماً إيرانياً اسمه ( راشد )، وكان من ذوي الحجى ، اشتهر بخطبه الوعظية الإرشادية المؤثرة على زمن الملك الإيراني محمد رضا بهلوي الذي أطاح بحكمه الإمام الراحل آية الله الموسوي الخميني، ولأنه مجتهد، وصاحب تأثير كبير، كان السلك (الثوري) من علماء طهران يعتبون عليه بسبب نأيه عن السياسة والسياسيين ، والاكتفاء بدور التربية والتعليم والتوجيه، ولم يكن (راشد) خالي الحجة في الرد على عتاب (العمامة السياسية)، إذْ كان يطالب (المعممين السياسيين) أن يختطوا طريقه ،ولا يرموا أنفسهم بالتهلكة (السياسة)، وكان يؤكد لهم بأنهم سوف يفقدون حب الناس فيما استدار الزمن وأصبحوا من الحكام !

السياسة تُعرّف بأنها إدارة شؤون العباد والبلاد ، ولكنّه مجرد تعريف ، فهي في الواقع صراع على النفوذ والمصالح ، ونادرا ما يجتمع سياسي وصادق ، كما يروى عن تشرشل وغيره ، فالمناورة والمخاتلة والمبالغة والمحايلة وما هو على هذا الوزن أخلاق سياسية ، وإذا لم يمارس السياسي مثل هذه الاخلاق يخسر ويندم ، وقديماً كان علي بن ابي طالب يتظلم عندما كان الناس يقولون بأنه (أخفق ) في مواجهة معاوية بن ابي سفيان ، حيث كان يقول إن معاوية يفجر ويغدر ، فيما هو يعمل بميزان القسطاط الأخلاقي الصارم الحاسم ، وبالتالي ، كان من المؤكد ان تسقط دولة (علي ) وتنتصر دولة (معاوية ) ، أجل، فقلَّما ينجو سياسي من بلاء الكذب والغش والتزوير والتحوير والتأويل والتسويف والمبالغة والتهويل والهدف ان يكون وزيرا ، او رئيس جمهورية او رئيس وزراء بل نائبا هامشيا في برلمان هشّ متعب كسيح !
( العمامة ) لا تلغي هذه الحقيقة بالنسبة للممارس السياسي ، خاصة إذا ما استخدِمت كواجهة للعمل السياسي وآلية كسب سياسي في اوساط المؤمنين والبسطاء من الناس ، بل إن ذلك يضاعف من فداحة الموقف ، ويوسع من دائرة الخطر ، بحيث تشمل مستقبل الدين والاخلاق والآداب والمثل العليا ، باعتبار أن ( العمامة ) شئنا ام ابينا مثل أعلى في ضمير عامة الناس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وبالاخص الطائفة الشيعية كما هو معلوم .
الكذب ونظائره من مساوئ الاخلاق يتدسَّس بفن وسلاسة الى المُمَارسة السياسية مهما بالغ المُمَارِس السياسي في تجنّب هذه الآفات ، وقد يكون مخلصا خالصا ، ولكن النتيجة في النهاية لصالح الشيطان ، والواقع يشهد على ذلك ، فالسجال الفضائحي بين حملة العمامة السياسية أشنع منه بين (السياسيين الافندية) ، وإذا ما كان الافندي يسيء الى خامة القماش التي يخط عليها دعايته الانتخابية لما تتضمن من مبالغة وتهويل ، فإن ( المعمم ) يهتك شعار رسول الله والأئمة الطاهرين فيما يوعد ناخبيه بالجنة الارضية ولكن عندما يظفر بكرسي النيابة او الوزارة يحولها الى مرتع خصب للإثراء الشخصي والعائلي للأسف الشديد !
كيف يرضى ( معمم ) لنفسه بكرسي نيابي تعويضي ؟ وكيف يرضى ( معمم ) لنفسه ان يتبوأ أعلى منصب دستوري وهو ليس فقيها ولا حقوقيا ولا مفكرا ؟
إن شهوة الكرسي تكون لها السطوة في ما بعد حتى وإن كانت النية في البداية الخدمة والإفناء في سبيل الآخرين ، قد لا أستطيع ان أصوغ ذلك برهانيا ، ولكن الواقع التجريبي شاهد حي على ما اقول ، إيران ومصر والعراق تجارب مريرة في ما أتكلم عنه وفيه ، والاستثناءات لا يُقاس عليها كما يقولون .
العمامة ، تاج رسول الله تتحول في الممارسة السياسية الفعلية ـ شاء ( المعمم ) أم أبى ــ إلى آلية رخيصة ، إلى دعاية ، إلى إعلان ، لأن العمامة أبرز ما يترآى للعيان فيما نزل ( المعمم ) إلى ساحة المعترك السياسي ، أبرز ما يستجلب الانتباه وربما الانبهار ايضا ، فلماذا نسيء الى هذا التاج الرباني العظيم ؟
لست معنياً بنموذج أو نموذجين شهادةً على الضد مما أقول ، لأن العبرة بالسعة والكثرة ، وهل ينكر إخواننا ( المعممون ) أن الناس بدأت تنفر من الدين وحملة الدين ومن أسباب ذلك نزول ( المعمم ) إلى ما يسمونه المعترك السياسي وماهو إلا الاحتراق السياسي ، بل الاحتراق الأخلاقي بحق وحقيقة ؟
أيها المعمم ، يا صديقي العزيز ، إذا رغبت أن تكون سياسياً فاخلع تاج النبي وآله الطيبين ، ولك أن تخوض بعد ذلك مع الخائضين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.