الكرد يقولون : مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا..- جاسم المطير


حلقة 27
لم اسمع هذا القول العظيم بمعانيه من كاتبٍ كرديٍ ملتزمٍ و لم اسمعه من زميلٍ صحفيٍ، بنيةٍ أخلاقيةٍ معينةٍ . لم اسمعه من عشرات ، بل المئات من الأصدقاء الكرد ، بما فيهم الموسيقيين و المسرحيين، من الذين يفكرون بعمقٍ و يلاحظون الأشياء بعمقٍ و يدرسونها بعمقٍ، لأن الكرد بطبيعتهم يحبون الانتقال برؤياهم و اقوالهم مع كل انعطافٍ في فعاليةِ التاريخ الكردي . كان الكرد الأوائل المحبين لمظفر النواب و اشعاره هم اولئك الكرد الزملاء في سجن نقرة السلمان . كان النضال الجمعي ، الكردي – العربي يضع السجناء، جميعاً، في دروب الحرية. كان هذا النضال جزءاً من التاريخ العربي – الكردي المشترك، سواء كان ذلك ما قبل نمو العلاقات الثقافية الموحدة بين الشعبين المتحالفين العربي و الكردي او بعدها من اجل بناء دولة ديمقراطية يتمتع مواطنوها بالمساواة التامة و بالعدالة الاجتماعية . كان سجن (النقرة) أحد أماكن تراثية اوجدت بدايات تاريخ إلقاء الأضواء على الأوضاع الثقافية، المشتركة، ابتداءً من الاعمال المسرحية و الروائية و الشعرية و التشكيلية و غيرها. ظل الجدل قائماً حولها ،منذ بداية تأسيس الدولة العراقية الحديثة حتى الآن، حتى صار تقدّم الآداب و الفنون الكردية، مرتبطاً بواقعِ تقدّم أو تخلف الآداب و الفنون العربية . كان المثقفون الكرد في الزمان العراقي الهادي او الجارف يعتمدون على خطط مشتركة بصورة غير مباشرة لضمان تحقيق التطور الفني و الادبي من وجهة نظر الثقافة المشتركة و التاريخ المشترك. كان المثقفون الكرد في سجن نقرة السلمان يعتبرون كل مناضلٍ سجينٍ هو مناضل يتمسك بالحرية ليس فقط لأنه منضبط بأوامر منظمة الحزب الشيوعي ، داخل السجن و هي تُمارس قيادة اول جمهورية شيوعية في العراق. بل كانوا منضبطين من خلال حبهم للشاعر مظفر النواب. لأنه النموذج الخاص في التجسد التام و الكامل للإنسان المؤمن بالشعر و دور قصائده في التعبئة من اجل التضامن و الحرية .
كان السجناء ، جميعاً، مرتبطين بتنفيذ الشعار الشيوعي المولود في ثلاثينيات القرن العشرين ( على صخرة الاتحاد العربي – الكردي تتحطم جمع المؤامرات الاستعمارية – الرجعية).
لم يكن هذا الشعار فريضةً من فرائضِ الجمال النضالي أطلقه (الحزب الشيوعي). كان كمالاً يتشكل من شعارٍ موجهٍ الى قلوب الشباب من الكرد و العرب ليعيش فيها و ينطلق منها. انه وصيةٌ مستقيمةٌ اوجدها الحزب الشيوعي لتكون احكامها عادلة في التطبيق ، إضافةً الى كونهِ يزكّي جميع الكلام الثقافي المشترك في المسلك النضالي المشترك . كان هذا الشعار و ما زال حسب ظني ، يحمل شكلاً من اشكال (الأسطورة) و علامةً من علامات (التاريخ). إن ثقة الكردي و العربي بوحدة نضالهما هو شكل من اشكال التصور الأسطوري ، كما أن موضوعية هذه الأسطورة وذاتيتها المشتركة بين الشعبين المناضلين، هي صورة متواصلة من صور التاريخ المشترك بين الشعبين .
اقول انني شاهدتُ و سمعتُ شعاراً رئيسياً مرفوعاً في مهرجان كلاويز الثقافي بمدينة السليمانية المنعقد في بداية شباط ٢٠٢٠ . يقول : مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا .
هذا شعارٌ بحجمٍ عظيمٍ ،جداً، إذا ما قمنا بعمليةِ مسحٍ مركزيةٍ على اساسياته و على كثافته و على سعته وتأثيره النوعي. نجد فيه استثماراً نضالياً، مرتفعاً جداً، و مصدراً، ثميناً و قوياً، في التعامل الثقافي الموحد و المشترك ، يؤدي، حتماً، الى نتائج إيجابيةٍ بين تحوّلاتٍ جرتْ او ما زالت جارية، بين المؤرخين العرب و الكرد، بين المثقفين العرب و الكرد و غير ذلك من علاقات العمل الثقافي بالمسرح و الموسيقى و الرواية و الشعر خاصة .
كان المهرجان قد ضم عدداً كبيراً من نخب المثقفين الكرد . لم تبتعد عين اي واحد منهم عن الشعار طيلة وقت البرنامج . كلهم أيقنوا ان مظفر النواب لم يتولى الدفاع عن تفسير و تسيير القضية الكردية ، بل انه كان يعاني من هذه التولية . فقد أتت احدى دعاوى سجنه بسبب دفاعه عن القضية الكردية . كان مصراً على هذا المبدأ حتى في اثناء معيشته في الدولة السورية الشقيقة . حيث ولدت عرى صداقة عظمى بين شاعر معدم من المال و الفضة ينفق خبزه ،كله، و قدح شايه ،كله، كي يستمع الى صوتِ الشعرِ في اعماقه. يحسن الاستماع أليها، لكنه يتعب حين يصوغ من ابياتها ، قصائد شعرية موجهة الى القلوب العربية – الكردية.
في الطرف الثاني من الصداقة كان يقف سياسي كردي وُلد بين اشواك الغابات بمدينة السليمانية واشجار الأس الجميلة. صارت بينهما علامة صداقة لا تمحى، أبداً، بل تحولت ذات يوم من أيام الماضي ، الى فرحٍ مشتركٍ و بهجةٍ مشتركةٍ و إلى غبطةٍ عربيةٍ – كرديةٍ، حين اثمرت السياسة ان يكون صديق الشاعر مظفر النواب ، فالحاً بمنصب رئيس الجمهورية . نعم هذا هو جلال الطالباني صديق الشاعر مظفر رئيساً لجمهورية العراق. كان كل واحد من الصديقين قبل عام 2003 يجد خبزه اليومي بصعوبةٍ، نوعاً ما .لا يدري هل يستمر حبل الصداقة بينهما اذا ما تغيرّت الظروف و الأوضاع . لا أحد يدري أيهما يفلح ..الشاعر ام السياسي..؟ . شيء واحد يعرفه تمام المعرفة ان المطلوب من الشاعر ان يبادر بسرعة الى مساعدة صديقه السياسي. ويل لشاعرٍ لا يساعد سياسياً اضعف منه فكيف يكون قائداً سياسياً إذا كان راقداً بشتاءٍ باردٍ بلا مدفئة ..!
هذا هو السياسي جلال الطالباني يعدّ رواتبه مساء كل يوم من أيام بعد عام 2003 حين يأتي رأس الشهر بأنوارٍ مبهجةٍ ربما تضاء بمليون دولار ،شهرياً، أو بنصفها. غير ان الشاعر لا تقبل عليه أيام حساب الراتب وعدِّهِ لأنه مشغولٌ بتذكارِ الأيام السوداء، حين فصل من عمله. مطلوب ان يقدم تقريراً من مديرٍ فَصَلَه من قبل. أما الآن ، لا يعرف عنه ، حياً، أو ميتاً، لا يعرف ارضه و لا قومه. الشيء الوحيد المعروف عنه ان اتبع اهواء غيره من مسؤولين اعلى.
ما خاف مظفر النواب و لا ارتعب حين وجهت له دعوة رسمية لزيارة مدينته بغداد ، حيث كان متعطشاً لشربِ ماءِ كرخِها بأمانٍ تامٍ، بعد خلو شوارعها من وحوش البيان الفاشي رقم 13 . صنع الرئيس الكردي زيارةً مجيدةً لصاحبهِ الى بلدهِ المهاجر منه. لبّى مظفر النواب هذه الدعوة الكريمة ، المقصود منها انقاذ شعر مظفر النواب من حالة اليأس، المقصود منها تجديد القوى الشعرية المظفرية قبل ان يأتيه الموت، فجأة.
ما سبح مظفر النواب بنهر دجلة ولا استراح الى أصدقاء طفولته و ما التقى بأعضاء خليته الشيوعية الأولى. ما قسم وقته بين زيارة الصحن الكاظمي و بين وقت تناول فيه كباب الكاظمية و لا المرور ، مرتاحاً، في سوق الاسترابادي.
ما مرّ على مدرسةٍ تعلّم فيها أول حروف الكتابة، و حفظ فيها اول بيت من قصيدة شعر،
ما مرّ على مخبز احب خبزه.
الشيء الوحيد ابهج الرئيس جلال الطالباني به نفسه هو اصطحاب مظفر النواب الى القصر الجمهوري، حيث، فيه، يتألق تاج الرئاسة على رأسه . كان ينتظر قولاً يقوله لصاحبهِ الشاعر : انا طائر، غداً، الى أمريكا بإمكانكَ ان تظل في هذا القصر حيثما تشاء .
رفع الشاعر كلام الشكر الى الرئيس ولسان حاله يقول: جئت لرؤية بغداد و لا اريد لعيني ان تحفل بما انتم تقيمون فيه على عرشٍ فخمٍ .
كان مظفر النواب منذ اول علاقاته بالسجناء الكرد في نقرة السلمان و في سجن الحلة ولعاً بحب بساطة عيشهم و بساطة لسانهم و بساطتهم عندما يصغون اليك . كان يبحث ، دائماً ، عن نتائج التقدم التكنولوجي العالمي على الواقع الأدبي و الشعري، خصوصاً في كردستان العراق. كانت لديه فكرة الغوص لمعرفة مستوى الوعي الروائي، ايضاً . لم تكن الكتب متوفرة، كما لم تكن هناك إمكانات روائية شعرية – كردية و لا توجد قدرات تضمن التحليل الكردي عن الواقع الثقافي – الكردي . كانت الأغلبية الساحقة من السجناء الكرد يتقنون التحليل السياسي لقضيتهم . وفرة من معلومات يحملها اي مواطن كردي بذاكرته هي بالدرجة الاولى تتعلق بالسياسة القمعية ضد مطالبهم القومية . معلومات كثيرة متجمعة عندهم عن المعارك القتالية بين الكرد و الدولة العراقية . كما يعرفون عن ضحاياهم اشياء كثيرة .
اتذكر انني وجدت، ذات يوم ، كتيباً صغيراً باللغة الكردية حاولنا التفكير بترجمته العربية ، لكن المثقف الكردي محمد عبد الكريم استطلع محتواه ليعلن ان الكتاب عادي جداً ، لا فًائدة في نقله الى اللغة العربية . بقينا عرباً و كرداً داخل السجن لا نتنفس غير معلوماتنا عن الشاعر عبدالله كوران . وجد مظفر النواب طعم الحياة و الحرية في اشعار هذا الشاعر الكردي . استنتج النواب كثيراً من الأفكار حول هذا الشاعر . لم يقرأ كتاباً نقدياً او أكاديمياً عن هذا الشاعر ، لكنه استجمع فنونا إنسانية – شعرية نقلاً من هذا السجين او ذاك . كان ذلك يفضي بمظفر النواب الى فهم الجمهور الأدبي – الكردي . إذا طلب من الكرد الأدباء المساجين ان يخبروه عن اي شيء عن الأدب و الفن الكرديين فأنه يحصل عليه.
بصورة مختصرة حرة، بإمكاني القول ان من الصعب، جداً، الحصول على معلومات تمس الإطارات الشعرية الكردية لان جميع حكومات الدولة العراقية الحديثة منذ تأسيسها عام ١٩٢١ أغفلت عن تعمد طباعة الكتب و الدراسات عن الفنون و الآداب الكردية ، حتى صار العراقي ، الكردي و العربي بإمكان اي مواطن يريد معرفة علم الوراثة بجميع النظريات الاشتراكية و الرأسمالية امر اسهل كثيراً من الحصول على معرفة أصول الشعر الكردي و تطوره .
كان يجبر زملاءه الكرد على الكلام بالمعلومات الأدبية عن واقع المجتمع الكردي . هكذا كانت تستمر المحادثة مع نفسه ليس فقط عن القضايا القومية السياسية الكردية بل كان إيجابياً و حاسماً في الحصول على أية معلومة ادبية او شعرية ، كردية . كان يبحث عن اشكالية الشعر الكردي(ألريل و حمد) . كان لا يجد إلّا بعض الاجوبة البسيطة لأسئلةٍ كثيرةٍ معقدة . أظن ان هذه العقدة لازمته ، خلال مدة إقامته في دمشق ، حيث استطاع الوصول الى واقعية ادبية – روائية – شعرية في كردستان العراق فتعلق بها لأنه كان متأكداً من وجود مجتمع كردي تنمو فيه كل يوم قوى الرفض السياسي – القومي ، لابد ان تنطلق فيه جميع قوى الرفض بما فيها قوى الرفض العربي – الكردي المؤدية الى تطوير الفنون و الآداب .
ظل مظفر النواب مفرداً لروحهِ مكانة خاصة لمراقبة و دراسة الشعر الكردي الحديث و احتمالات تطوره بمختلف الاتجاهات .
في فترة أواخر السبعينات و ما بعدها ظل الاهتمام الاول لمظفر النواب هو متابعة الاتجاه النضالي في اشعار الكردي شيركو بيكس . ربما يكون مجدداً لأشعار مرحلة عبد الله كوران . بذل رصداً بانورامياً لمعرفة مدى انعكاس قضايا المجتمع الكردي في شعر الشاعر شيركو بيكس . وضع يده على بعض القصائد . وجد فيها ذاتاً فنية منطلقة .
لو قدر إقامة مهرجان شعري ، ذات يوم، في بغداد او البصرة او غيرهما فإننا سنجد حتماً شعاراً مرفوعاً عالياً يقول :
عبد الله كوران يتلألأ في ضمائرنا .
نفس السياق سيقال ، ايضاً، عند تضافر الجهود الجماعية الكردية – العربية للتفاعل مع الشاعر المناضل شيركو بيكس عند إقامة مهرجان تكريمي في احدى المحافظات العربية في العراق .
كان تكريم مظفر النواب من قبل الاشقاء الكرد ليس وليد اليوم ، بل كان العديد من القادة الكرد قد عبروا بمختلف الأوقات و المناسبات عن حبهم لإشعار مظفر النواب.
الأدب الكردي ليس له مثيل في الأدب العربي . كما نعرف جميعاً ان الأدب العربي يكتب بلغة فصحى و بلهجات عامية . كان مظفر النواب احد الشعراء القادرين على ممارسة نظم الشعر باللهجة و باللغة . كانت اشعار النواب بمختلف نصوصها العاطفية و السياسية تتضمن محاولات تقريب النص اللهجوي من النص اللغوي . انها امتحانات لغوية يمر بها في كل قصيدة ينظمها . حتى يصل الى منظورات شعرية عملية لاشك ان قصيدة الريل و حمد كانت القالب المعرفي الرئيسي في مهمة تقريب ذهن المتلقي شعرياً الى كسر المسافات العميقة بين اللغة و اللهجة .
ترى هل يوجد واقع مماثل في الفعل الكلامي – الشعري – الكردي . النص الأدبي المكتوب باللغة الكردية هو النص المعبر عنه لهجوياً ايضاً . لان الأدب الكردي مكتوب و ما زال يكتب بأربعة لهجات – لغوية رئيسية .كل لهجة لها دلالة كلامها المختلف عن اللهجة الاخرى . الاختلاف ، هنا، يبدأ من الصفر صعوداً الى درجات اعلى . الأفكار التي يكتبها شاعر بإحدى اللهجات الكردية الأربع ( الزازاكي و الغوراني و الكرمانجي و السوراني) . ان هذا الواقع الأدبي الكردي يحتاج ، دائماً ، الى أبحاث عميقة لاستقبال جملاً كردية متراكمةً تداخلياً بأربعة لهجات، لها خلفيات معرفية، ذات اعتباراتٍ تأويليةٍ تجعلها مختلفة، تماماً، عن اللغة العربية و لهجاتها المتفرعة .
يعتقد بعض الباحثين الكرد ان الشاعر علي الحريري ( مولود في العام ١٠٠٩ ) هو اول المؤسسين للشعر الكردي . له ديوان شعر يتميز بصورٍ جميلة . كما كتب هذا الشاعر مثنويات و رباعيات شعرية . كتب الرباعيات قبل عمر الخيام و رافق بواكير الشعر الكردي في مطلع القرن الحادي عشر مجموعة من الشاعرات الكرديات من امثال ( ريحان خانم لورستاني ) و ( ليزا خانم جاف) و ( داية خه زاني سركتي). تقول الأبحاث ان اغلب شعراء هذه المرحلة نظموا أشعارهم بلغة رصينة . كان الشاعر الكردي ( فقي تيران) قد احدث ثورة تجديدية في الشعر الكردي حيث يعلو صوت الانسان يحاور نفسه بنفسه.
في القرن السابع عشر يطل الشاعر( احمد خاني ) على التاريخ الأدبي باعتباره اعظم شاعر كردي . و هو يحمل لقب أمير الشعراء الكرد . كان خاني يتقن اللغات العربية و الفارسية و التركية . نظم خاني ملحمة شعرية شهيرة باسم (مِم و زين) و تتألف من ٢٦٠٠ بيت من الشعر الرومانتيكي الكردي . يأتي في ملحمته على ذكر اسماء أساطين الشعر الكردي الكلاسيكي مثل ( الحريري) و (الجزيري) و ( فقي طيران) لتوثيق اسماء الأجيال الشعرية السابقة .
في بداية القرن العشرين ظهرت محاولات كردية لامعة استلهمت الشعر الحر من الأدب الفرنسي و قصيدة النثر الفرنسية و قد تداخلت الأشعار الكردية والعربية من خلال دور شعري بارز لعبه الكرد محمد تيمور و محمود تيمور و عائشة التيمورية و محمد كرد علي و بلند الحيدري و احمد شوقي و جميل صدقي الزهاوي و معروف الرصافي و سليم بركات و يشار كمال بالتركية و فاضل رسول و ابو قاسم اللاهًوتي احد أعمدة الشعر الكردي بالفارسية و حامد بدرخان بالكردية و العربية و عشرات شعراء، كرد، ساهموا في خلق أسس الشعر الكردي المتطور .
اسهم الجدل المثار حول هذه الاعمال الكردية، خاصة في التحدي الكبير، الذي جاء به الصديق الدكتور عز الدين مصطفى رسول في انجاز دراسة خاصة ركزت على التراث الكردي و تجديده منذ عصر احمدي خاني طبع الدراسة بكتاب صار هو الأفضل و الوحيد الاكمل قبل نشوء إقليم كردستان. كان قد عقد العزم على وضع 20 نسخة من الكتاب على التصريف بمكتبتي. لكنني وجدت من المناسب اشعار المؤلف ان جهده لا يمكن ان يواجه الخوف.. طلبت منه 100 نسخة ودفعت أقيامها على الفور .فككّتُ هذه الكمية بالحال على جميع وكلائي في المحافظات العراقية من زاخو الى الفاو ثم اضطررت الى شراء 50 نسخة إضافية لتصديرها الى مصر و المغرب. كان الدكتور قد اهتم بهذه الدراسة بفهم و نشوء الجزء المتطور في الشعر الكردي ، خاصة و ان مؤلفه جاء بافتراضاتٍ كثيرةٍ تجعل قارئ كتابه يشعر انه يستوطن العصر البرونزي في الشعر الكردي، حيث معطيات الكتاب واستنتاجاته الاثرية قد تقدم مثل هذا الاستنتاج
البروفيسور عز الدن مصطفى رسول المولود بالسليمانية عام ١٩٣٤. مارس مهنة التدريس و الصحافة ثم نال شهادة الدكتوراه عام ١٩٦٣ من أذربيجان السوفييتية وحصل على درجة بروفيسور من الاتحاد السوفييتي عام ١٩٧٧ كما حصل على درجة الاستاذية من جامعة بغداد . انشغل كثيراً بترجمة الأشعار الكردية الى اللغات العربية و الفارسية و التركية . من اروع ما قام به من اعمال الترجمة هي ترجمة ديوان الشاعر الكردي الأشهر عبد الله كوران و الذى كان عنوانه :(عبد الله كوران.. الآثار الكاملة) .
كان وجوده الدراسي في اذربيجان قد منحته إمكانية هائلة و مكثفة للاطلاع على الشعر الروسي و السوفييتي و على الادب الروائي. ازداد اطلاعاً على منجزات تولستوي و دستويفسكي و القصاص تشيخوف. تعمّق بقراءةِ و دراسةِ الشعر الروسي و تجارب الشعراء الروس من أمثال بوشكين و ليرمنتوف ونكراسوف. كذلك اطّلع على كتابات الناقد الروسي بيلينسكي حول قضايا النفس البشرية و ما تعانيه من قضايا تعاني من القوة و الضعف في الصدق و الكذب و في العنف و السلم. استفاد من قراءات مكسيم غوركي في اكتشاف أعماق المجتمع المظلمة و معاناتها .
هذا الكاتب الكردي عرف انه سيكون من النخبة الثقافية العراقية و ليس فقط مثقفاً كردياً . كان يملك كل ما يستطيع به من تحقيق هذا الهدف . يملك سعادة اللغة العربية و بهجة اللغة الكردية و أعاجيب اللغة الفارسية و جميع زينات اللغة التركية، اضافة الى نضالية اللغة الروسية . اصبح مفهوماً و ملائماً لجميع أصدقائه و زملاء دراسته ان كلمة صحفية يكتبها بالصحف المحترمة لها صوت مسموع . كما ان جميع مؤلفاته الثمانين كانت نصوصاً في البحث الشجاع عن المعرفة . بعض مؤلفاته كانت باللغة العربية أهداني نسخاً منها . كثيرا ما كان مجيئه الى بغداد مناسبة جيدة في لقاءات متواصلة و احاديث متواصلة لأن سكنه ببغداد كان يتم في بيت ابنة اخته المتزوجة من صديقي النجفي ( احمد السنجري) في حي العدل قريباً من دار سكناي. كانت مسيرته الفلسفية الاساسية عن الصورة الخيالية لإشعار مظفر النواب هي المساحة الكبرى من المناقشات الدائرة بيننا نحن الثلاثة . كان مشحوناً ،دائماً، برغبة التعرف عن كل شىء ثقافي – شعري عن مظفر النواب. كان يعتقد ان جيل الشباب الكردي ، الثمانيني ، رغبة متناوبة ، متصاعدة ، للتعرف على القواعد و الميول الشعرية المظفرية الحديثة . نقل ذلك في بعض مقالاته عن شعراء عرب و في مقدمتهم مظفر النواب . كذلك كانت بعض محاضراته الجامعية تستهوي الكثير من الطلبة الكرد في جامعة السليمانية . حتى اصبحت جميع آرائه عن مظفر النواب مصممة على تحويل اشعار مظفر النواب متلألئة في كردستان العراقية . كان مظفر النواب ، مشاركاً، نضالياً ، بقوة ٍ، مع المناضلين الكرد ،جميعاً بمختلف مراحل التاريخ العراقي الحديث .
اكتشفت لدى الصديق الدكتور عز الدين مصطفى رسول رغبة عظيمة في التعرف على التجارب الكبيرة المريرة التي يمر بها هذا الكاتب او ذاك الشاعر ، كما التعرف على إنجازات كل واحد من الادباء العراقيين .
حين هربتُ مع مظفر النواب و أربعين شخصاً آخرين من سجن الحلة المركزي في عام ١٩٦٧ تقرر ان يقوم الرفيق عز الدين مصطفى رسول بمهمة نقلي من بغداد الى أربيل تمهيداً إلى الانتقال الى خارج الوطن.
حالما صعدتُ الى سيارةٍ يقودها الدكتور عز و كان ثالثنا الرفيق الشيوعي احمد السنجري عرفتُ في الحال ان جميع احاديثنا بالليلة السابقة ،عن تجارب حفر النفق، قد مدّته بزادٍ روحيٍ عظيمٍ. كما شحذت خياله الشعري و القصصي.
تتابعت احاديثنا المشتركة من بغداد الى السليمانية و عرفت من اسئلته و تعقيباته انه رجل معماري في خيالاته الشامخة بطرق البحث عن الحقائق الأدبية المجهولة . ذهبنا ،أولاً، الى بيته في السليمانية . طيلة ساعات الطرق و الليالي في السليمانية لم يكن لدينا من حديث غير مظفر النواب و اشعاره و قصة الهروب . ربما صار هو اول شخص يحصل على الحكايات الشجاعة في عملية حفر النفق من داخل السجن الى خارجه في كردستان . كنت اتحدّث له بسخاءٍ تفصيليٍ عن جميع معلومات الهروب . وصفها بلسانه انها حكاية أسطورة رافقها 40 سجينا بلا ضجيج ، مما منحها قدرة الاكتمال على نيل النجاح ، و جعلها حكايةً شيوعيةً فذّةً في زمانٍ لم يكن يخلو من منطقٍ سوداويٍ في زمانِ القهرِ المنظم .
لم اكن في طفولتي او في مرحلة شبابي أتوقع أنني سألتقي، يوماً، بكاتب عظيمٍ من كتــّاب عصرنا العراقي، كاتبٍ من الشمال الكردستاني المليء، قلمه و قلبه، بتجارب النضال المختلفة.
صحيح انني في خلال اليوم الأول من وصولنا الى السليمانية تجولنا، ليلاً، على جبلٍ عالٍ تصورت ان هذه السفرة ليست للمتعة ، بل فيها دلالة من دلالات القمة التي سيصلها دليلنا الدكتور عز الدين رسول ، لأنه من نوعٍ ثقافيٍ خاص.. يريد التعلّم حتى من اتعس فترات الحياة و اشقاها ، مرّ بها شاعر (الريل و حمد).. كنتُ قد استجبتُ، على الهواء الطلق، لجميع التأملات الكردية من الاديب الكردي العظيم الدكتور عز الدين مصطفى رسول ، عن رقة احاسيس الشعر الحديث من قصائد مظفر النواب .
انه داينمو الحركة التجديدية في الادب الكردي.. لا يقرأ شيئاً من دون ان يتعمق فيه ،من جميع النواحي الجمالية و الأخلاقية و الفنية. يحاول، دائماً، ان يلم بحياة الناس، بمشاكلهم و تطلعاتهم الحياتية. مرّ اكثر من مرة رائداً مجدداً في النقد و المتابعة الأدبية، دافعاً، محركاً ادباء الكرد الى الاستفادة من الواقع الفوللكلوري و الأسطوري للشعب الكردي، من اجل ان يسهم الفنانون و الادباء الكرد بعملية تجديده، باستمرار. كان لا يخشى الرومانتيكية مهما تعاظمت لأنه يعتبرها جزء من إيجابية الحياة الاجتماعية، داعياً الى التمرّس عليها من خلال تجربة مظفر النواب بديوانه الشعري الريل و حمد .

المقالات والبحوث تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.