الكشميري يروّج للمشروع السعودي، هل يعلم السيستاني بذلك؟- سليم الحسني

يمكن أن نفهم مبررات أصحاب الكيانات والمناصب السياسية في العراق، عندما يصممون مواقفهم في ضوء ما يرُضي الولايات المتحدة والسعودية والامارات وقطر وغيرها من الحكومات الخليجية، باعتبار أنهم ينشدون المكسب الفئوي والشخصي، ليدعموا به قوتهم في معادلات التنافس مع بقية الأطراف، لكن الذي يثير القلق بشكل حاد عندما تكون مثل هذه التوجهات لدى أشخاص لهم صلة قريبة بالمرجع الأعلى للشيعة السيد السيستاني دام عزه.

إن موجة الودّ التى دخلت بعض الأوساط الشيعية، تجاه السعودية، راحت تتمدد بحيث تصل الى مكاتب المرجع الأعلى، ولعله لا يدري بما يجري ببعض القضايا الحساسة من حوله، نتيجة الإحاطة الشديدة التي يضربها كبار مسؤولي المكتب على المرجع الأعلى، وقد تصل في بعض الحالات الى اتخاذ قرارات وإصدار توجيهات باسمه، تثير الشك حول علمه بها، وهو ما يتطلب مقالاً مستقلاً في وقت آخر.

سأتناول في هذا المقال، حركة لافتة في الآونة الأخيرة يعتمدها صهر السيد السيستاني وممثله في أوروبا السيد مرتضى الكشميري، من خلال أحد المواقع التابعة له، حيث ينشر بعض المقالات التي تتضمن انسجاماً واضحاً مع توجهات السعودية وتصريحات مسؤوليها ووسائل اعلامها. وهو المحور الأكثر إثارة حالياً، أي النفوذ الإيراني في العراق وفي المنطقة، والايحاء بأن العراق أصبح مقاطعة إيرانية.

مثل هذا التوجه بدأ يأخذ حضوراً في عدد من المواقع الالكترونية التابعة لمكاتب المرجعية، وهو ما يجعلنا نتوقف عند هذه الظاهرة التي لم يسبق لها أن حدثت في تاريخ مراجع الشيعة على الاطلاق، فقد كانت مواقفهم دائماً حذرة من النشاط السعودي، ويمتلكون وعياً حاداً يكتشف همسات آل سعود واشاراتهم، ليتخذوا الاحتياطات اللازمة قبل أن تتوغل انفاسهم الشريرة الى الكيان الشيعي.

عندما ينشر موقع تابع للسيد الكشميري مقالات عن توسع النفوذ الإيراني في العراق تحت الخيمة الطائفية الشيعية، فان مثل هذا الكلام يستوجب التوقف. وأنقل هنا مقطعاً من أحد المقالات المنشورة على هذا الموقع:

(ان العراق هو قلب الشرق الأوسط النابض، ومن يتحكم بالعراق قادر على التحكم بهذه المنطقة الحيوية من العالم وإعادة تشكيلها كما يريد، ولا يوجد أي بلد يضاهيه في أهميته، فلا دمشق ولا القاهرة ولا الرياض ولا طهران ولا أي عاصمة أخرى تشكل مفتاح السيطرة والنفوذ الشرق اوسطي بمعناه الجوهري.

والشواهد على ذلك كثيرة، فقد كانت ايران جمهورية اسلامية بثوب طائفي معين منذ ثورتها في عام 1979 لكنها لم تتضخم في نفوذها الاقليمي الا عندما وجدت لها موطئ قدم في العراق).

ما الفرق بين هذا التوصيف وبين ما يقوله بن سلمان في مقابلاته الصحفية، أو ما يكرره الاعلام السعودي على مدار اليوم؟

إن الخطر الذي يتهدد العراق حالياً وفي الفترة المقبلة، يتمثل في توغل سعودي قوي الى مصادر القرار العراقي، وما هذه الموجة التضليلية من الترويج الإعلامي، إلا من وسائل التمهيد لما أكبر وأخطر.

وتزداد الهواجس حول هذا التوجه الطارئ على جو المرجعية الشيعية، عندما نعرف أن الدوائر الدولية المتخصصة تحمل هذه النظرة عن مكتب المرجع الأعلى السيد السيستاني. ففي تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في ٢٢ أيار ٢٠١٨، والذي حمل عنوان (المملكة العربية السعودية.. العودة الى بغداد) وردت فيه أن هناك قنوات تواصل خلفية بين مكتب السيستاني وبعض المسؤولين السعوديين، وأن توجه المقربين من السيد السيستاني ـ والكلام للتقرير ـ هو التقارب مع السعودية، وأنهم يرحبون بقنصلية سعودية في النجف.

ليست مصادفة أن يأتي التقرير الدولي مشتركاً مع توجهات ممثل المرجع الأعلى في أوروبا السيد الكشميري، وليس مصادفة أن يأتي ذلك منسجماً مع تحركات الناطق باسم المرجعية السيد حامد الخفاف في لبنان، وهو المنصب الذي لم يسبق لأحد أن تقلده من قبل، فالخفاف كما هو معروف من خارج دائرة الحوزة العلمية، ويلتقي في لبنان باسم المرجع الأعلى بشخصيات سياسية عربية وأجنبية.

حين تريد الحكومات الخليجية وغيرها الاتصال بمكتب المرجعية، فانها تدرك بأن ذلك غير ممكن، بحكم حساسية الوسط الحوزوي الشيعي من الجهات الرسمية الخليجية، لكن ذلك يمكن أن يتحقق من أبواب خلفية كما يسميها التقرير الدولي، وإن كانت مساحة تحرك الكشميري وثرائه الواسع واسفاره المتواصلة، تجعله (هو والخفاف) باباً أمامياً وليس خلفياً.