اللغات المصدر الجامع والمفتاح الرئيسي للعلوم والمفاهيم المتطورة- عبدالقادر ابو عيسى

لغات العالم انبثقت وتكوّنت منذ اقدم العصور والازمان يصل عدد اللغات المتحدث بها في الوقت الحالي إلى قرابة 7000 لغة، حيث يرجع أصلها إلى آلاف السنين، وقد واجه الخبراء والباحثون صعوبةً في تحديد اللغة الأقدم حول العالم، إلّا أنّهم قالوا بأنّ أقدم اللغات المكتوبة والمسجلة هي الكتابة المسمارية التي تمّ اكتشافها في بلاد ما بين النهرين في الألفية الثامنة قبل الميلاد، ومن هذه اللغات اللغة العربية ,

وقبلها كانت لغات كثرة *1.

كالسومرية و المصرية و الميسينية اليونانية و الصينية القديمة و الآرامية و اللاتينية والتاميلية والسنسكريتية و المايا ثم العربية . عندما نتفحص هذه اللغات ونتمعن بها نراها عبارة عن صندوق حاوي على معالم مبادئ حياتية اجتماعية مهمة تعكس صورة هذه المجتمعات وثقافتها ومستوى تطورها . وتعتبر دلالة تعريفية فردية واجتماعية لها .

ويمكن اعتبار وتصنيف اللغات بالمفتاح الرئيس لكل العلوم والحالات الاجتماعية الموروثة . الكلمات والمصطلحات والعبارات دالة على هذا الجمع الهائل والخليط المتعدد المختلف مثل الصدق العدل الانسانة الوفاء والشر والخير و الاخلاق و الفيزياء والكيمياء والتاريخ والجغرافية والجبر والهندسة والفلسفة وغيرها من المفاهيم ,

فكل من هذه المسميات له معنى ومفهوم عميق وواسع يدل على حالة مهمة فعند دراستنا وتمعننا لهذه الحالات تنعكس لنا صورة المستوى العلمي والاخلاقي والعدلي والثقافي لهذه المجتمعات . من البديهي ان الحاجة البشرية هي السبب في تطور لغات هذه المجتمعات ومفاهيمها , فتأثرت واثّرت ببعضها البعض .

معروف ان اساس مجمل العلوم مصدرين اساسيين الاول العلوم “الوجدانية ” وهذه يخلقها الله سبحانه وتعالى ويزود بها مخلوقاته , والمصدر الثاني العلوم ” المكتسبة ” وهذه يتمتع بها الانسان دون بقية المخلوقات بقدرة عالية وسريعة نتيجة قدراته العقلية الفائقة التطور التي جبل عليها بأمر الله سبحانه . بالمقابل نرى بان المعاني والمفاهيم لهذه الدلالات تختلف بين المجتمعات وبعضها متطور يختلف من زمن لآخر بل احيانا يختلف من طبقة الى أخرى في المجتمع نفسه ظمن الزمن الواحد كمفهوم الاخلاق مثلا وغيرها من المفاهيم الاجتماعية , واحيانا تقتصر على مجتمع دون غيره او طبقة دون غيرها واحيانا تكون عامة على كل مجتمعات العالم . حالة التطور لهذه المفاهيم تتعلق بالمستوى الثقافي والادراك العالي والوعي والحاجة فتعكس بنتائجها حالة التطور المجتمعي في مكان معيين لزمن معيين .

نرى البابليين مثلا كيف سنوا القوانين لتنظيم شؤون مجتمعهم منها عند سرقة ممتلكات احد الاشخاص على الشرطة ان تعثر على السارق واعادة المسروقات لصاحبها الشرعي وفي حالة عدم استطاعة الشرطة في العثور على هذه المسروقات يتم تعويض الشخص المسروق من الشرطة انفسهم ملزمين بالتعويض , كذلك في حالة التسبب في اتلاف ممتلكات الشخص الزراعية والحيوانية يتم تعويض المجنى عليه من مال وممتلكات الجاني المتسبب . كل المجتمعات تحكمها ضوابط متعارف ومتفق عليها وتطورت و تتطور عبر الزمن وحتى مفاهيم العدالة تختلف باختلاف المجتمعات في الزمن الواحد و تتطور ظمن التطور الزمني الحاصل .

تدخل هذه المفاهيم والمعارف في بناء حالات عالية من التطور والاستقرار المجتمعي الدال على سعة و وعي ومستوى ثقافة المشاركين المتفقين على نهج وصياغة مثل هذه الحالات , ناخذ مثلا حلف الفضول في زمن الجاهلية قبل الاسلام هو حلف نشأ قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بين عدد من قبائل قريش، وقد تعاهدوا فيه أن ينصروا من يجدونه مظلوماً في مكة فقد كان هذا الحلف بمثابة جمع وميثاق إنساني للدفاع عن الحق ونصرة الإنسان المظلوم، وقد عبّر الرسول صلى الله عليه وسلم عن رضاه عن هذا الحلف، حيث كان من مفاخر العرب ما قبل الإسلام، إذ إنّ هديه عليه السلام هو تحقيق العدل وهو ما تناغم مع فلسفة هذا الحلف ,

قال عليه الصلاة والسلام: (لقدْ شَهِدْتُ في دارِ عبدِ اللهِ بنِ جُدْعانَ حِلْفًا، لو دُعِيتُ به في الإسلامِ لأَجَبْتُ، تحالفوا ان يردوا الفضول على اهلها وان لا يعد ظالمٌ مظلوماَ .

كان سبب نشوء حلف الفضول ان رجلا غريبا اتى مكة المكرمة ببضاعة، وقد اشترى العاص بن وائل منه هذه البضاعة ورفض أن يعطيه حقه، فطلب هذا الرجل من أهل مكة أن ينصروه، فنصره فريق منهم وخذله آخرون، وذهبوا إلى العاص بن وائل وانتزعوا حق الرجل منه، ثمّ اجتمع عدد من قبائل قريش في منزل عبد الله بن جدعان، لشرف الرجل وسنه،

وتعاهدوا على نصرة أي مظلوم داخل مكة من سائر الناس، ورد مظلمته إليه، وقد كان هذا الحلف أكرم وأشرف حلف سمع به العرب، وتحالفوا به في شهر ذي القعدة وهو من الاشهر الحُرُم , وكان الزبير بن عبد المطلب هو اول من دعا اليه وتكلم به .

من هذا نرى ان اللغة اية لغة جامعة لهذه المفاهيم ودالة عليها . تقبلوا مني اطيب التحايا . . .

*1 المصدر تطبيق موضوع ..

المقالات والبحوث تعبر عن آراء كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي العراق نت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.