المدينة الفاضلة والعدالة رؤى وافكار واشكال مختلفة- عبدالقادر ابو عيسى

على مر التاريخ وعبر مراحل الزمن كثير من الاشخاص ممن يطلق عليهم او يلقّبون بالفلاسفة و المفكرين او العلماء او الصالحين و الانبياء يدعون الى سعادة الانسان واستقراره وحفظ حقوقه وكرامته وتعميم الحالة المثالية وايصاله الي العدالة ومفهومها العام الشامل وليس المحدود الاناني الذاتي .

الكل يطالب بها ويبغيها ها . حسب قناعة هؤلاء وسعة تفكيرهم واجتهاداتهم منطلقين من الحال الذي يعيشونه ويتعاملون معه وبه . حقيقة مفادها ان الانسان يعيش مرة واحدة في حياته الدنيوية لذا من المفروض ان يأخذ حقه من هذه الحياة . حقوقه كانسان تتمثل باشكال مختلفة حسب رأي هؤلاء ترتكز على شرط العدالة في الحقوق والواجبات ابتدأت من يوم خلق الله الانسان بدءا من سيدنا آدم وخلقه وبدايات هابيل وقابيل الى اليو وستستمر . جملة من المفاهيم والقناعات متباينة حسب وضعها العقلي و فهما وادراكها الاجتماعي .” تطورت واختلفت تراجعت انكسرت وانتصرت وخسرت ” من قَبل زمن البابلين والفراعنة وافلاطون والبوذين والكونفوسيوشيين . كان الصراع على هذا , لتثبيت الفكرة والرأي والعمل بها . على من ..؟

على الانسان .. ولمن .. للانسان نفسه . ومتى ستستقر . ! ستستقر عند تيقّن الجميع بصحة الفكرة والمنهج والاساليب على شرط العدالة ومفهومها العام الشامل وليس المحدود الاناني الذاتي . الكل يطالب بها ويبغيها لكن على مزاجه ورؤياه , مفهومها واضح وعام وشامل .لكننا لا نستطع ان نهضمها اذا اختلفت او انتقصت ’ العدالة العامة المطلقة لا تتوافق مع الانانية سواء الفردية او الاجتماعية العالمية او الدينية . القيود على الحرية الفردية التي لا تتناقض مع حرية المجموع انتقاص من مفهوم العدالة . الرسالات السماوية اعتمدتها في تشريعاتها وفكرها ومضمونها واختلفت فيها وعلى شروطها لكنها كانت تؤمن بان هناك من يفرضها ويحميها الله سبحانه وتعالى . افلاطون كان مقتنع بذلك حتى انه سمى الله ” محرك لا يتحرك ” وكان يدعو للمدينة الفاضلة

” *1هي أحد أحلام الفيلسوف المشهور “أفلاطون” وهي مدينة تمنى أن يحكمها الفلاسفة، وذلك ظناً منه أنهم لحكمتهم سوف يجعلون كل شئ في هذه المدينة معيارياً، وبناءً عليه ستكون فاضلة ” مثله الفارابي وابن رشد وبن سينا وهيجل وماركس وغيرهم الكثير وكذلك البابليين والسومريين ولفراعنة بدليل ان فرعون يضع نفسه بديل لله , فصارت وانتشرت اليهودية كرسالة سماوية وبعدها المسيحية ومن ثم الرسالة السماوية الاسلامية . عندما نتمعن في جوهر هذه الرسالات نراها تسعى الى خدمة الانسان وتعزيز وجوده وتنظيم شؤونه الحياتية والغيبية . تصارعت هذه الرسالات كل رسالة ترفض وتنفي ما بعدها إلا الرسالة الاسلامية تعترف بما قبلها , تصارعت بسبب رفضها لحالات التطور الاوسع البديل للانانية والذاتية وتعميم العدالة .

لم يكن القبول البشري لهذا التطور سهلا فكان الصراع وتشويه الحقائق بل وصل الامر الى تشويه هذه الرسالات من معتنقيها وتطوير حالات الصراع الى صراع داخلي . اليهودية كتبت ” توراتها ” بعد ضياع التابوت المحفوضة فيه منذ اكثر من ثلثمائة عام وبمساعدة القائد الفارسي الاخميني الذي احتل بابل بالتعاون مع بعض اليهود وخيانة قائد الجيوش البابلية

” جوبارو ” ذو الاصل الميدي الفارسي . وتجزءت الديانة اليهودية الى اكثر من سبع “تورات ” مختلفة متناقضة استقرت على واحدة مشكوك فيها ومختلف عليها من قبل اليهود انفسهم كونها روايات بشرية متناقلة منذ اكثر من ثلاث قرون قابلة للزيادة والنقصان والتحريف والتأويل . والمسيحية كذلك اكثر من سبع اناجل استقرّت على اربعة مختلفة في معنى بعض فقراتها ” ” منذ البداية تختلف مكانة الكتابات الدينة في العالم المسيحي فليس الموضوع بما في ذلك الاناجل موضوع نص املاه الله بل موضوع شهادات بشرية والاستهلال الذي يبدأ به انجيل ” لوقا ” واضح في هذا الشأن . هناك اربعة اناجيل ليست متطابقة تماما ,

*2 بل تراها تتناقض في بعض الاحيان ( لاسيما في ما يخص التجليات التي جاءت في اعقاب قيامة يسوع ) فضلا عن ذلك ثمة عدة نسخ من كل انجيل فيها اختلافات يعتد بها ,عموما هناك حالات شك لم تحسم بعد .

الاسلام كان واضحا وموثقا قول الله منقول بواسطة ” جبريل ” الى النبي وثبت بالقلم وحتى هذا الحال الاكيد يعيش احيانا حالة صراع وتشويه في مظمونه ومعناه ” سنّة وشيعة ” حالات الصراع كانت تعيشها الفرعونية وانبثقت منها اليهودية والبابلية ايضا كانت تعيش حالة صراع دينية بين الله الذي لا يعرفونه ويشبّهونه بآلهة صنمية وكذلك الرومان . اله الحرب واله الحب واله الخصب وانكيدو ابو آلهة بابل . ” بابو هومها بين هذا وذاك لكنها اي ” العدالة ” لا تزال المحرك الاساس لمفاهيم العالم وستبقى كذلك , نيد ” آخر ملوك بابل ساع بالبرية واعتكف فيها لفترة طويلة باحثا عن اله غير ما يعبده البابليون لعدم قناعته بما يعبدونه .

فتم التآمر والتحريض عليه من قبل رجال دين بابل والاتفاق مع الفرس الاخمينيين لغزوها واحتلالها . حالة الصراع النفسي التي كان يعيشها بابونيد ملك بابل مقارنة الرب الذي يعبده اليهود بالآلهة البابلية . والمسيحية انبثقت من اليهودية وتجاسرت عليها وانتقصتها فكان الصراع واختلفت العدالة . و يستعين الانسان بقدراته الفكرية وتطويرها واضعا القوانين التي تنظم حياته وقدراته ظمن الفلسفات العامة المؤثّرة في تجمعات العالم مثل قوانين ونظريات الرأسمالية و انواع الديمقراطيات والماركسية والشيوعية والاشتراكية المختلفة بأنواعها . تبقى حالة العدالة بمفهومها الانساني الواعز والمحرك المقبول والمرغوب للبشرية في العالم وعلى مر الدهور . وتبقى المدينة الفاضلة امل الجميع .

*3احد الفنانين ” رسم لوحة “المدينة الفاضلة” بريشته” فرا كارنيفل، ” رسمت ما بين عامي 1480-1484 تقديريا. وتحدث عنها ودعا لها الانبياء والكثير من الشعراء والادباء ورجال الدين و الفلاسفة وبشر بها الله وختمها عز وجل بـ ” الجنة ” .

1 ـ ويكيبيديا . . المدينة الفاضلة .2 ـ فيليب ديريبارن . كتابه الاسلام والديمقراطية علاقة اشكالية ص155 + 156 + 157 . *3 ـ ويكيبيديا .. المدينة الفاضلة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.