النفط مقابل الدم!! – عبدالخالق حسين

كتب لي صديق قائلاً: “منذ أربع سنوات و اليمن يُقصف بكل وحشية، لم توفر مدرسة، أو مستشفي، أو حفلة عرس، أو جلسة عزاء. و يحاصر حيث لا دواء و لا طعام…الأطفال يموتون جوعاً، يموتون فعلا و ليس مجازاً. و العالم منعدم الضمير صامت صمت الأموات، و أمريكا تزود الحكومات الإرهابية بكل ما تحتاجه لتدمير اليمن. و لكنها انبرت فوراً لإدانة “الإرهاب” اليمني العراقي الايراني لأن ضخ النفط قد تقلص بعد ضرب الحوثيين اليمنيين لأكبر مجمع نفطي في السعودية.”

حقاً ما قاله الشاعر ديب إسحاق قبل أكثر من مائة سنة:
قتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتَفر
وقتل شعبٍ آمنٍ مسأَلةٌ فيها نظر

سمعنا بتعبير (نفط مقابل الغذاء)، وهو برنامج الأمم المتحدة، الصادر بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 986، لعام 1995؛ الذي سمح للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، ليستفيد من عائداته في شراء الاحتياجات الإنسانية لشعبه، تحت إشراف الأمم المتحدة. كذلك سمعنا بتعبير (نفط مقابل الماء) من الرئيس التركي الأسبق سليمان دميريل، يبتز العراق في السبعينات من القرن الماضي. واليوم نسمع تعبير (نفط مقابل الدم) في الحرب السعودية الظالمة على اليمن بعد أن قامت جماعة أنصار الله اليمنية بتوجيه ضربات ماحقة على مجمّع “ارامكو” في بقيق وخريص، يوم 14 أيلول/سبتمبر الجاري، مما أدى إلى هبوط الصادرات النفطية السعودية نحو 6 مليون برميل يومياً، وإحداث دمار يستغرق إصلاحه أشهراً إن لم نقل سنيناً عديدة.

والحقيقة إن النفط كان دائماً مرتبطاً بسفك الدماء في دول الشرق الأوسط البائسة، حيث جلب على شعوبها الدمار بدلاً من الإعمار والإزدهار الاقتصادي المفترض. فعندما قامت الحكومة الوطنية الإيرانية برئاسة الدكتور محمد مصدق، المنتخبة ديمقراطياً، بتأميم النفط في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، جن جنون أمريكا وبريطانيا اللتين قامتا بتدبير مؤامرة قذرة انتهت بالانقلاب العسكري الدموي على حكومة مصدق. ويومها قال رئيس الحكومة البريطانية، ونستن تشرتشل: “ألحمد لله أن دماء كثيرة قد سالت و لم تسل قطرة نفط واحدة”! ونفس الجريمة تكررت من قبل أمريكا وبريطانيا بحق الشعب العراقي بعد أن أصدر الزعيم عبدالكريم قاسم قانون رقم 80 لعام 1961م ، الذي استرجع بموجبه 99% من الأراضي العراقية من هيمنة الشركات النفطية، فقابلوه بانقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود.

ونحن نقول اليوم: الحمد لله، أن مقولة الرئيس البريطاني لم تعد فاعلة في عصر الطائرات المسيَّرة (درون)، بل وصارت معكوسة، فسفك دماء الأبرياء اليمنيين يقابله توقف النفط السعودي الذي يعتبر حيوياً للاقتصاد العالمي وخاصة الغربي. ففي الحرب العدوانية الجائرة التي تشنها السعودية وحلفائها على اليمن، ظهر لنا مصطلح (النفط مقابل الدم). وهذا يعني أن السعودية التي قامت بتدمير اليمن، وقتل عشرات الألوف من الشعب اليماني أغلبهم من المدنيين ومن مختلف الأعمار، وبشكل عشوائي كما هو معروف، فقد حان الوقت أن تدفع السعودية النفط مقابل ما تسيله من دماء عشرات الألوف من أبرياء اليمن.
وليس غريباً أن تسارع أمريكا ودميتها الحكومة السعودية بتوجيه إصبع الاتهام لإيران بشن هذه الضربة القاصمة. ودليلهم أنه ليس بإمكان الحوثيين توجيه هذه الضربة، لأن هذه الطائرات المسيرة هي مصنوعة في إيران. ولكن في رأي أغلب المحللين السياسيين هذا لا يعتبر دليلاً على أن إيران هي التي شنت الهجوم كون الدرونات صناعة إيرانية، فلو صح ذلك فتعتبر أمريكا هي التي تشن الحرب على اليمن لأن أغلب الأسلحة التي تستخدمها السعودية في حربها على اليمن هي أمريكية. لذلك فحتى لو صدقنا أن سلاح الحوثيين هو من إيران، فالحوثيون في حالة حرب دفاعية عن شعبهم وبلادهم، ومن حقهم استيراد الأسلحة من أية جهة كانت كما يحق للسعودية استيراد الأسلحة من أمريكا وغيرها كما تشاء.

والجدير بالذكر أن صرح مسؤول في (أنصار الله) أن هذه الطائرات هي صناعة يمنية. وهذا ممكن إذ بإمكان إيران أوغيرها تدريب يمانيين لصناعة هذا النوع من السلاح المؤثر في بلادهم. وبذلك فلا تحتاج إيران أن تطلق هذه الدرونات من أراضيها أو أراضي غيرها كما ادعت السعودية وأمريكا.

المهم أن السعودية وأمريكا الآن في حيرة من أمرهما. فالسعودية في حربها على اليمن ارتكبت نفس الخطأ القاتل الذي ارتكبه المقبور صدام حسين حين شن حرباً عبثية على إيران في الثمانينات من القرن المنصرم وبتحريض من أمريكا والسعودية، ظناً منهما أن الحرب ستكون خاطفة تنتهي بانتصارهما ، بينما استمرت الحرب العراقية- الإيرانية لثمان سنوات انتهت بهزيمة صدام، ومضاعفات هذه الهزيمة انهت النظام البعثي الصدامي فيما بعد. وكذلك السعودية التي كانت تعتقد أنها ستسقط الحوثيين خلال أيام، وهاهي الحرب تدخل عامها الخامس وليس هناك أية علامة تشير لتوقفها إلا بهزيمة السعودية، وربما حتى سقوط الأسرة الحاكمة، تماماً كما حصل للمقبور صدام حسين ونظامه الساقط في مزبلة التاريخ.

فمئات المليارات الدولارات التي دفعتها السعودية لشراء مختلف الأسلحة الأمريكية والبريطانية والفرنسية المتطورة لم تنقذها من درونات الحوثيين، و هي الآن مهددة بالمزيد من هذه الضربات الماحقة، وليس بعيداً أن نسمع عن توجيه ضربات قادمة إلى قصور ومقرات العائلة الحاكمة في الرياض. فقد أكد زعيم “أنصار الله” اليمنية، عبد الملك الحوثي، أن قوات الجماعة ستتخلى عن استهداف السعودية حال وقفها “العدوان” على اليمن، لكنها ستكثف عملياتها إذا استمرت هجمات التحالف العربي.*
وهذا يعني أن مستضعفي الأمس من أمثال أنصار الله، وحزب الله اللبناني، وحماس وغيرهم صار بإمكانهم توجيه ضربات مدمرة للسعودية وحتى لإسرائيل فيما إذا حصلت الحرب على إيران كما تتمنى السعودية.

فهذه الطائرات المسيَّرة بيد الحوثيين، وتمكن إيران من إسقاط طائرة أمريكية مسيَّرة من آخر طراز، مجهزة بأحدث الأجهزة التجسسية، بلغت كلفتها نحو 150 مليون دولار، استطاعت إيران إسقاطها في الشهر الماضي، وهي بارتفاع 25 كم كما أفادت الأنباء، فهذه وغيرها أجبرت أمريكا أن تفهم الدرس القاسي مفاده بأن لدى إيران تكنولوجيا حربية متطورة جداً، وأذرع فاعلة خارج حدودها في المنطقة تعرف استخدام هذه التقنية بمنتهى الدقة والمهارة. لذلك نقول أن كل هذه التطورات أرغمت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يفكر كثيراً قبل أن يقوم بحماقة شن الحرب على إيران، بل قام بالتخلص من مستشاره للأمن القومي جون بولتن، اليميني المتطرف، والمتعطش لشن حرب على إيران إرضاءً لإسرائيل.

صفوة القول، إن التكنولوجية المتطورة لم تعد في خدمة الأغنياء مثل أمريكا والسعودية فحسب، بل و صارت في خدمة المستضعفين أيضاً، ومن شأنها أن تغيِّر نتائج الحروب العبثية التي تقوم بها دول جائرة مثل السعودية وحليفاتها في المنطقة، والمدعومة من أمريكا. لقد بددت السعودية خلال الثلاثين عاماً الماضية ترليونات الدولارات من ثروات شعبها في سباق التسلح، ولكن رغم كل هذا الكم الهائل في ترسانتها من الأسلحة المتطورة، وشراء حكومات المرتزقة للمساهمة في تدمير أفقر بلد على وجه الأرض وهو اليمن، نقول ومع كل تلك الإمكانيات المالية والعسكرية والإعلامية التي تتمتع بها السعودية، نجد الأخيرة الآن في مأزق شديد تبحث عن مخرج منه مع حفظ ماء الوجه.
نعم من حق جماعة أنصار الله أن يقولوا للسعودية (النفط مقابل الدم). وعلى الضمير العالمي أن يستيقظ، ويدرك أن النفط لم يعد أغلا من دماء الأبرياء اليمنيين.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.