الى مدير عام شرطة الآداب ..!- جاسم المطير

رسائل جاسم المطير 13
كثيراً ما اسمع أو أقرأ، بين آونة وأخرى، أن فتاة ،في هذه المدينة أو تلك، قد انتحرت أو قُتلت بخنجر (غسل العار) وفارقت الحياة بسبب الحب. كان آخر ما سمعت خبراً عن انتحار شابة جميلة ، ذكية ، متعلمة ، في مدينة الناصرية. كانتْ تريد أن تختار بنفسها شريك حياتها ، لكن الظروف العائلية والتقاليد الاجتماعية والعشائرية ضغطتْ عليها لتسلب منها حريتها الشخصية بهذا الاختيار.
في زماننا القديم ،أيها السيد المدير، كانت الشابة العراقية تبقى أمانة بيد ولي أمرها أو رب أسرتها، يسلمها إلى مدير المدرسة أو الجامعة أو إلى مؤسسة حكومية معينة عندما تتوظف، ثم يستلمها كل يوم (صاغ سليم) إلى حين تحل (القسمة) في زواجها . هكذا ظل (الحب) في العراق من أصعب المشاكل واعقدها تواجه البنين والبنات.
الشباب في العراق ،حالهم حال الشباب ،في كل مكان وزمان، يوجد في أعماقهم عملاق اسمه (الحب) يعتبرونه جسراً لا بد ان يعبره كل شاب وكل شابة في مرحلة معينة من حياتهما. إنه شيء طبيعي لتكوين وتنضيج الشخصية الفردية والتحرر من قيود وصاية الأبوين والتوجه الى ممارسة مرحلة الشخصية المستقلة ، التي وحدها تتمتع بالسيادة والحرية والديمقراطية. بهذه الحقوق وحدها يتمكن شبابنا أن يتجمعوا حول ينابيع اجتماعية متدفقة بالعاطفة النبيلة وبالمحبة الاخوية وبآمال المستقبل.
يا سيادة المدير العام : أنا اعرف جيداً أنكم ترتدون، عادةً، مائة قناع في البيت والجامعة والمجتمع، ناسين أو متناسين مأساة (روميو وجوليت) و(عنتر وعبلة) و(قيس وليلى) و(شيرين وفرهاد) الذين جوبهوا بحظر الطيران في سماء حبهم وغرامهم فلم ينتج من الحظر غير المآسي والفواجع العائلية والقبلية.
من الملاحظ في بلدان الديمقراطية الأوربية أن المجتمع تطور بسرعة مذهلة، بعد فاجعة روميو وجوليت، حين قرروا أن لا يضعوا الشبان في أقفاص ،حيث يكون الحب حاملاً أوسع المعاني الانسانية في هذه البلدان وأن الحب صار حركة إنسانية عميقة تؤثر على تطوير المجتمع والقضاء على أزماته السيكولوجية. كما أن الحب هناك صار وسيلة لكي يعرف الشاب ذاته والشابة تعرف ذاتها، كما يتعرف الشبان كلهم من الجنسين مدى حبهم للوالدين والجيران وللناس اجمعين وللوطن كله.
يشير العلماء الباحثون الغربيون أن الحب قادر على صنع المعجزات الرومانسية ..يقضي على كل شكل من أشكال الغلو والتطرف. الحب هو الذي جمع بين قلب شاب فقير حسب الروايات الادبية العالمية الكلاسيكية، مع قلب بنت اقطاعي مليونير، تماما مثلما كان الحب قد جمع حسب التراث العربي، بين (العبد) الفقير عنتر ، وبين عبلة ابنة (السيد) الغني، المطاع، في قبيلة بصحراء العرب.
لا يبقى الحب شيئاً من الطراز القديم . إنه شيء يتغير ويتطور، لكن يبقى موضوعه إنسانياً عظيماً وتبقى روحه لغة انسانية براقة.. كلاهما يساعدان الشبان على توسيع ذاتيتهم، مثلما يساعدان على نشر مقومات صدق وصداقة الإنسان لأخيه الإنسان ليقضيا بحبهما على عبثية الزيف الاجتماعي، الذي يجعل القبلات أمراً محظوراً، ومعاشرة الشباب لصديقاتهم محظورة ، والابتسام في الشارع أو في الجامعة محظوراً، والاحتفال بعيد الحب يوم 14 شباط من كل عام محظوراً، والرقص الجماعي والدبكات في الساحات العامة بمناسبات الاعياد والمهرجانات محظوراً.
من هنا، يا سيادة المدير العام، من الحب المحظور ينشأ السخط في قلب الشاب العراقي والشابة العراقية على المجتمع كله. حظر الحب يا سيدي المدير يجعل شبابنا لا يعرفون معنى البهجة في الحياة، لا يعرفون السعادة في أهم مرحلة من مراحل حياة الانسان، مما يدفعهم إلى الكراهية الشاملة . الكراهية تدفع الشبان إلى ممارسة الارهاب أو الانتماء إلى تنظيم ارهابي مثل الدولة الاسلامية (داعش) أو تجعلهم ساديين يمارسون عنفاً معادٍ للطفولة البريئة ،مثلما شاهدنا مدير مدرسة الزهاوي في مدينة العمارة يتخلى، كلياً، عن واجباته التربوية ليمارس فاشية الكبار ضد العصافير الصغار.
الشاب المنتمي إلى (داعش) او الشاب الذي يمارس العنف ضد اطفال المدرسة خرجا من قوقعة واحدة ،قوقعة اللاحب، فقد وجدا نقصاً واحداً متماثلاً في أبعاد شخصيتيهما ،شاعرين انهما بلا حب ، بل مجرد حيوانين في قفص الكراهية أو الحياة التقليدية الخالية من المحبة الإنسانية.
احييكم ايها السيد المدير وأنت موجود ،سرا وعلناً، في كل بيت وفي كل مدرسة وجامعة ومحلة ،حتى في المسلسلات التلفزيونية العراقية، آملاً أن تشجع الجميع للتمتع بشباب سعيد وأن تساعد الشبان الخائفين من الحب المعقول ،حتى لا يضيع الشباب من الجنسين فتضيع من المجتمع كله شخصيات يمكن أن تكون نامية تساهم في تنمية المجتمع كله .
تقبلوا في الختام أحر تحياتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.