بحيرة الوجع- هادي جلو مرعي

تعودناها بحيرة للبجع، تعزف الموسيقى بهدوء وتتصاعد لتخترق حواجز النفس، تريح الأعصاب وتوترها أحيانا لكنها في النهاية بحيرة هادئة تنساب البجعات فيها مثل نزول الماء من نهر جليدي ذاب في الربيع، هي ممتعة ويترقبها الناس في مختلف البلدان ليتعرفوا الجمال والموسيقى والدفء وبعض الأفكار المتجددة، والصور، والعناوين، والتصاميم التي يبدعها فنيون، ومسرحيون، ومخرجون، ومهندسون يهتمون بالإضاءة، ونوع العمل، ويحاولون الخروج عن التقليد ليقدموا لوحة مغايرة عن المألوف.
العراقيون لديهم بحيرات مختلفة وقد لايختلفون عن بقية العرب الذين ينشئون بحيراتهم الخاصة بهم، وفي العراق يبدع فنانون وسينمائيون لينتجوا فيلما عراقيا مغايرا يصور الألم العراقي والتنقل بين مساحات من القهر وتحدي الظروف والمطاولة من أجل تحمل العذابات المترتبة على سنين من الضياع والمشاكل السياسية والأمنية، ومافرضه العنف والإرهاب الأعمى على الدولة العراقية الناشئة، وتبعات كل ذلك وإنعكاساته على ظروف عيش الناس ومصائبهم في التهجير والتكفيير والتغيير والتنكيل والتذبيح والهجرة والغربة القاتلة.
العراقيون يحفرون في أعماق الأرض وينقلون الرمال الى أماكن أخرى ليعلنوا بحيرتهم الخاصة ( بحيرة البجع ) التي يصورها الفيلم الجميل للفنان جلال كامل أحد ضحايا الوجع العراقي، فليس من بجع هنا، والبيئة لم تعد تحتمل سوى وجود بعض أصناف من الحيوانات غير المهمة ك(القطط والحمير والكلاب السائبة والماعز والنعاج والأبقار، وربما بعض الخنازير المنزوية وذئاب تسرح في البرية بحثا عن صيد تائه).
نحن نبدع من وجعنا، ونصنع منه تقدما رغم إنه تقدم محفوف بالمخاطر والآمال المرهقة، وربما نوايا الفشل والتعطيل بسبب الصراعات الجانبية والخراب الذي عم النفوس، وهو صنيعة الخلاف والإرهاب ورفض الآخر، وعدم الثقة به، وحب السلطة والجاه والإستحواذ على المناصب والمراتب، والتنكيل بالناس، والفساد الذي يضرب في أعماق الدولة ويضيع الحقوق ويهدر الأموال، ويترك الناس ضحايا الرشوة والخوف، فلايملكون من حقوقهم سوى مايتخيلونه منها، ولايقع في أيديهم شئ في نهاية الأمر.
رغم كل ذلك يتقدم العراق على بقية الدول العربية بإستثناء مصر في إنتاج الأفلام والمسرحيات والدراما التلفزيونية، وقد حاز فنانون عراقيون على تكريم في المهرجانات العربية بشكل مثير للإهتمام وهو بشارة أن الوجع يصنع الأمل، ويمكن أن يغير طالما أن الصبر والمطاولة والتحدي هي عناوين هذا الإنسان الرافديني المشبع بالرغبة في كسر القيود، والتمرد على العذابات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.