برزاني وديمقراطية التغيير ومتحف التاريخ !!- راضي المترفي

مسعود برزاني ابن ورث مشيخة حولتها ظروف القضية الكردية الى زعامة وقادتها النظرة المختلفة بين الحكومة في بغداد والاكراد في الجبال الى صدام دموي استمر سنوات طويلة تمرس فيها مسعود برزاني على القتال حد الادمان وفي السياسة عانى من دور المغلوب المهادن تارة والمحارب اخرى حتى ارتكب صدام حماقة دخول الكويت ونتيجة اجباره على الخروج منها ورضوخه لتنفيذ ما تم توقيعه وموافقته عليه ممثلا بسلطان هاشم وصلاح عبود في خيمة صفوان

ومن جملة ما اجبر عليه هو التعامل مع القضية الكردية وماقامت به امريكا وحلفاؤها في تحديد خطوط العرض التي تحولت الى مظلة واقية للاكراد من تحركات جيش صدام ومنع استباحة المناطق الكردية مما انعكس ايجابا على زعامة مسعود وترسيخها وحلمه للتأسيس لدولة كردية كحلم راوده مذ كان يافعا يحمل ( الكلاشنكوف ) تحت رومانسية الثورة وحقوق الاكراد لكن الخلاف مع غريمه الازلي وممثل الشق الثاني للاكراد ( طالباني ) في بداية النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي دفعه للتحالف مع عدو الاكراد ضد شريكه فدخل الجيش الحكومي الى اربيل وسط ترحيب مسعود وجماعته ونكاية بطالباني الذي ذاق الهزيمة وعبر الحدود الى ايران مهزوما من مسعود بذراع صدام عدوهما المشترك

وما يستوجب رجوعنا للخلف للاستدلال بقول طه الجزراوي بعد الانتفاضة وخروج الشمال والجنوب من قبضة الحكومة واصرار صدام على انهاء التمرد في الجنوب قبل التوجه للشمال اذا قال الجزراوي ردا على سؤال ( اذا استطاع الجنوب الانفصال بشكل حقيقي ولو ليوم واحد فلا يمكن استرجاعه بسنوات طوال لكن الشمال مهما طال تمرده يبقى تحت السيطرة ويمكن اعادته متى ما ارتأينا ذلك ) وهذا القول يحتاج الى مساحة خاصة به لو اردنا تسليط الضوء عليه لكننا فقط نحتاج الى جملة ( الشمال يمكن اعادته متى ما ارتأينا ذلك )

واكيد التصريح غير ناظرا لطبيعة المنطقة الجبلية ووعورتها وانما لتركيبة المعارضة الكردية فيها والقدرة على اختراقها وفعلا بعد القضاء على التمرد في الجنوب تحركت قطعات الجيش نحو كركوك ومابعدها ودخلت المدن والقصبات والقرى الكردية بوقت قياسي ووضع مريح وهرب جراء ذلك الكثير من المقاومين الاكراد اما الى رؤوس الجبال او خارج الحدود وعادوا بعد ان بسطت امريكا حمايتها وفق خطوط العرض ( 31 ,32 ) ليبدأ الاكراد وبمعاونة دولية ارساء اسس دولة قادمة او اقليم في اضعف الفروض وسعى مسعود لفرض زعامته مدعومة بأرث ومنجز واصرار لايداخله التردد

وسارت الاحداث بين اتفاق واختلاف مع الشركاء حتى تم توحيد الاقليم ودمج الحكومتين ( السليمانية واربيل ) في حكومة واحدة وتحول الصراع المعلن بين الزعامتين الكرديتين ( مسعود وجلال ) الى صراع خفي يطفو مرة ويختفي مرات وبعد نجاح امريكا في اسقاط نظام صدام والبعث عام 2003 ونظر لها الاكراد على انها فرصة لا تعوض

فهي حملت بشرى الخلاص من عدو بغيض قاسي واتاحت لهم المشاركة بالحكومة المركزية والحصول على حصة معتبرة من خيرات البلد واطلقت لمسعود يده في عمل اي شيء من اجل تثبيت زعامته حتى ولو على حساب شريكه وغريمه ( طالباني ) الذي نجح بابعاده الى بغداد واشغاله بهموم منصب شرفي اضافة لما يعاني من امراض وعلى مدار ولايتين في رئاسة الاقليم اصبحت زعامة مسعود امر واقع على الجميع القبول به .

وبما ان مسعود ليس نيلسون مانديلا او سوار الذهب او رئيس البرازيل السابق فهو ليس على استعداد لمغادرة كرسي الحكم او مظلة الزعامة التي وقف تحتها طويلا وتربى على قناعة ان الزعيم يولد ويعيش ويموت زعيم من دون ان تشط قدمه ولو لخطوة واحدة في طريق التقاعد او الابتعاد عن السلطة التي تعتبر ارث وجني سلاح من وجهة نظره وقد يخضع او يوافق منافسه القديم (طالباني ) مقابل بعض المكاسب او اطلاق يده هو وحزبه في كركوك او السليمانية

لكن ظهور حركة تغيير في السنوات الاخيرة جعل استمرار السير في طريق الزعامة غير سالك بالنسبة لمسعود في زمن الديمقراطية والتغيير واصبح الانتقال من الزعامة الثانية للثالثة حلما صعب المنال لمسعود ومطلب دونه خرط القتاد بالنسبة للـ ( تغيير ) وكانت ادوات مسعود في صراعه الماضي والارث العائلي وزعامة البرزاني الكبير والحاضر السلطوي وما استطاع عمله خلال سنواته الماضية للاستمرار بالسلطة والزعامة حتى النهاية في حين كانت ادوات – تغير – الديمقراطية وجماهيرها في كركوك والسليمانية وبعض سكان اربيل ودهوك ومساندة الاطراف المناوئة لبرزاني في بغداد

وربما يتوهم الكثيرون ان مسعود هو الطرف الاقوى وصاحب القدرة على الحسم في الصراع لكن منطق العقل يرى غير ذلك وان زمن الزعامات العشائرية وارثها وسلطة الفرد المطلقة قد افلت وغربت شمسها ليس في بغداد وحدها وانما كذلك في اربيل وان شمس الديمقراطية والتغيير وتبادل السلطة سلميا هي السمة القادمة للحكم في كردستان

ولن يطول الوقت حتى يرى الجميع مسعود برزاني وارثه وزعامته وكل خيوط السلطة التي امسك بها طويلا تاخذ مكانها الى جانب الزعيم جلال طالباني والزعيم المالكي في متحف للتاريخ ولا ضير ان وجد هذا المتحف في بغداد او اربيل او السليمانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.