بنات صالح وأزمة الدراما العراقية- قصي صبحي القيسي

ضمن سلسلة إخفاقات الدراما العراقية الحاصلة مؤخراً على صعيد القصة والأداء والإخراج وكافة مقومات العمل الدرامي، يأتي مسلسل بنات صالح ليضيف فشلاً جديداً ممزوجاً بدموع صالح المظلوم الذي يحاول إثبات براءته أمام بناته من جريمة قتل أُلصقت بهِ منذ أكثر من عشرين عاماً، ويسعى لينال منهن اعترافاً خجولاً بحقّ أُبُوّتِهِ لهن بعد أن تربّينَ في كنف زوج أمهِّن التي تطلّقت منه فور دخوله السجن.

قصة المسلسل مسروقة بالكامل من المسلسل المصري الشهير (لا يا ابنتي العزيزة) للفنان القدير الراحل عبدالمنعم مدبولي والنجمة هدى سلطان، ولا ندري كيف ومِن أين انبثقت فكرة محاولة خداع المشاهدين بمسلسل مُعاد تدويره، فهل أن الكاتبة المزعومة خدعتْ المُخرج والمنتج؟ أم أن المخرج والمنتج والكاتبة اجتمعوا وقرروا إعادة تدوير المسلسل المصري القديم؟! وهل كان أبطال المسلسل على دراية بأن القصة مسروقة؟! والفنان الرائع محمد هاشم (الذي أعتبره حتى الآن ضحية لهذا العمل الدرامي البائس) هل من المعقول أنه كان يعلم بأن القصة مسروقة؟! بصراحة أستبعد ذلك لمعرفتي بأنه رجل أكاديمي يُقدم فناً في غاية الرقي والإبداع ولا يوافق على تأدية دور البطولة في مسلسل ذي قصة ملطوشة – كبنات صالح – حتى لو فرشوا له الأرض بالدولارات، وكما قُلتُ ربما هو ضحية لهذا المسلسل المسيء الى تاريخه الفني .

ومن ناحية الأداء، فمع خالص احترامي للممثلين والممثلات المشاركين في هذا المسلسل، لم يكن أداؤهم مُقنِعاً إطلاقاً، والذنب ربما ليس ذنبهم وحدهم، بل هو ذنب المخرج الذي لم يُتعِب نفسَه ويُعيد تصوير المشاهد المتضمنة حوارات ساذجة وباردة ومُصطنعة بين الأم وبناتها أو بين نور وحبيبها.. لقد وصلنا الى حد الإشفاق على الممثلين الذين صار أسلوب كلامهم (المائع) مصدر سخرية من قبل العديد من المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكنتُ قد كتبتُ في هذا المقال نماذج لحوارات يبدو قائلوها وكأنهم تلاميذ يرددون الدرس أمام المعلم، لكنّي حذفتُها لكي لا أجرح فنانين حاولوا إمتاع الجمهور وبذلوا جهداً لكنهم في النهاية لم يوفقوا.

إذا كان صناع المسلسل يحاولون إقناع أنفسهم والجمهور بأن المسلسل لاقى نجاحاً واستحساناً من قبل المشاهدين بسبب العدد الكبير من المشاهدات فهذا شيء بعيد عن الواقع، فالنجاح لايقاس بعدد المشاهدات، وقد يحصد فيديو سخيف مدته لاتتجاوز دقيقة أكثر من مليون مشاهدة، بل يكفي في زماننا الأغبر أن ينشر أحد المراهقين فيديو على موقع يوتيوب يحمل عنواناً فضائحياً أو عنواناً لاعلاقة له بالمضمون ليحصد مئات الآلاف من المشاهدات! والأجدر بصنّاع المسلسل الاطلاع على آلاف التعليقات التي تنتقد المسلسل بقسوة، رغم أني أقف بالضد من الهجوم الذي لايتضمن نقداً بنّاءً وتقويماً للأخطاء .

وبعيداً عن ركاكه السيناريو والحوار والإخفاقات في الأداء باستثناء ممثلين قدمواً جهداً جيداً لايمكن أن ننكره ونبخسه، كان الأجدر بالجهة المنتجة اختيار موضوع من المواضيع التي تجسد الواقع العراقي الراهن وهمومه وتناقضاته الكثيرة التي لاحصر لها، وتقديمه كمادة رمضانية دسمة، كالفساد المالي والإداري وتفشي الفقر والبطالة وهموم شبابنا الباحثين عن فرصة لتحقيق طموحاتهم تحت وطأة انعدام الفرص.

نحن بصراحة وبكل أسف لاننتظر اليوم الحصول على دراما جيدة كمسلسلات فتاة في العشرين ونادية والأماني الضالة وعالم الست وهيبة، تلك المسلسلات التي نجحت رغم ضغوط ورقابة النظام السابق الذي كان يُعدِم أي فنان لمجرد الشك بأن له ميول تعارض توجهاته، ولا نتوقع الخروج بمسلسل ناجح ونحن شعب يعيش حياة القرون الوسطى بلا كهرباء وجواز سفرنا هو الأسوأ في العالم والتعليم عندما في تدهور مستمر والقطاع الصحي عبارة عن مقبرة، ولكن ألا يمكن أن نجعل من حالنا البائس مصدراً للإبداع؟! ألا يمكن أن نجعل من هذا الواقع المرير الذي نعيشه مُنطلقاً لتقديم دراما جيدة من خلال كتابة مسلسلات تُعبّر عن مشاكلنا وهمومنا؟!

الأجدر بنا أن نصحو ونقارن بين التراجع الذي نعيشه اليوم بالتقدم الذي تشهده بقية الأمم في كافة المجالات، في ذلك الوقت سنتمكن من تشخيص أخطائنا وقد ننجح في تقديم دراما عراقية ناضجة تليق بإسم العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.