بين عمامة البشير ومكانة المرأة العربية- عماد غانم

استوقفني منظر عربي بدا مثيراً للحبور في مدينة بون غرب ألمانيا عشية مؤتمر المناخ العالمي، فقد تألقت بين الحضور الدولي الكثيف سودانية قصيرة القامة ما برحت تباري نفسها والآخرين في عرض هموم بلادها، ونقلني ذلك الى ما جرى لي مع عمر البشير قبل أكثر من عقد.
في العام الأول لوجودي في ألمانيا طالباً للدكتوراه في جامعة ماربورغ، كان ذلك في 2005 حين هيمنت بشاعات العنف الطائفي على العراق وبات الدم والموت يُوزعان بالمجان في شوارع بغداد، وأصبحت بعض القنوات العربية التي توفرها إدارة سكن الطلبة ضيفاً ثقيلاً لا يبارحنا ولا نبارحه وهو ينقل لنا تفاصيل الكارثة في أوجها ويرفع عدد القتلى والمفقودين بشكل دوري. وبهذا أصبحت أشغل جهاز التلفاز عند استيقاظي كل صباح ولا أطفئه إلا حين ذهابي إلى المكتبة أو الجامعة أو التسوق، وبات الأمر  طقساً يومياً لا يخلو من الرعب مع كل عاجل أحمر يظهر على شاشة تلفازي الصغير.
ذات مساء دعوت جارتي في سكن الطلبة، وكانت فتاة شقراء من روسيا ولا تعرف الكثير عن العالم العربي، إذ لم تكن تفرق مثلاً حتى بين العراق أو إيران. افترشنا غرفتي الصغيرة، وكنت قد حصلت حين انتقالي إلى السكن في المبنى على سجادة صغيرة من طالب نرويجي، غادر القسم بعد إنهاء دراسته.
جلسنا لعشاء عراقي أتقنت أطباقه بعد بحث طويل في الإنترنت ومكالمات هاتفية دولية طويلة مع أمي في العراق، وكالعادة كان التلفاز في ركن الغرفة يعرض أخبار الخراب في المنطقة العربية، وأغلبها عن العراق.
ذهبت لجلب قنينة عصير من ثلاجة المطبخ المشترك وبقيت ضيفتي في الغرفة، لكني فوجئت بأنها تبعتني مسرعة إلى المطبخ، وتطلعت إلي بوجه شاحب، اجتاحته عينان زرقاوان ذاهلتان قائلة:
– يبدو أن كارثة ما أو هجوماً كبيراً وقع في بلدك، فرئيس بلادكم يلقي خطاباً حماسياً، ويظهر أنه قد جاء على عجل من الاستحمام ونسي حتى أن يلقي منشفة الحمام عن رأسه.
عدنا سراعاً لمشاهدة الكارثة التي تحدثت عنها جارتي، ويا للمفاجأة، الرئيس السوداني عمر البشير  – بلباسه التقليدي الأبيض-  منفلتاً من عقاله وهو يلقي خطاباً حماسياً حول المشاكل في دارفور حينها وبيده عصاه الصغيرة!
عمامته بدت ضخمة بالفعل إلى درجة أنها تذكر بمنشفة حمام عملاقة، وهو يعدلها بين الفينة والأخرى، حين تتراخى أطرافها بسبب حركاته وكلماته الحماسية التي يقابلها أنصاره بالصياح والهتاف.
تطلعت صامتاً إلى التلفاز وأنا أكتم ضحكة رغم هول الصدمة، لكن ضيفتي مازالت على جديتها الأولى تلح بالسؤال:
– ماذا هناك؟.. ماذا يقول؟
قلت لها: هذا رئيس السودان ويلقي خطاباً عن كارثة محدقة ببلاده فعلاً، وهذا هو الزي الرسمي للبلاد. لم يكن في الحمام وهذه عمامته التقليدية وليست منشفة بيضاء! ضحكنا حينها.
تذكرت هذه الواقعة اليوم وأنا في طريقي إلى مقر عملي، حيث يُعقد مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ بمحاذاة نافذة مكتبي. فقد مرت بجواري مجموعة من السودانيين المشاركين في المؤتمر، توسطتهم سيدة سودانية ضئيلة الجسم، وكانت تشكو بلهجتها السودانية – المحببة إليَّ – من عدم تطرق إحدى جلسات المؤتمر لمشاكل بيئية تهم بلادها، وطعمت كلامها بمصطلحات علمية إنجليزية.
شيء مفرح أن تكتشف أن سيدة عربية شقت طريقها لتصل إلى حد تمثل فيه بلدها في المحافل الدولية. ولكن من المحزن أيضاً أن تتذكر الكثير من الفتيات في دول عربية وهن في براثن الأمية، انطلاقاً من رؤى اجتماعية وثقافية عفا عليها الزمن، وبسبب غياب تشريعات تحد من هذه الرؤى.
أتذكر هذا كلما شاهدت طبيبة أو مهندسة أو أستاذة جامعية ألمانية، وأشعر بالخسارة أكثر، حين أرى ألمانيات في مشاريع البناء أو ورشات إصلاح السيارات، وهن يقمن بعملهن جنباً إلى جنب مع الرجل، فالمرأة الأوروبية اليوم حاضرة في كل مجالات العمل ونواحي الحياة. وليس هناك عيب أو قيد يمنع من أن تكون سائقة حافلة أو جندية أو حتى عاملة لصيانة سخانات المنازل…
فلا تقدم ومستقبل لمجتمع يعطل نصفه.. نصف عقله!