تجيير العلم للتضليل والتسقيط السياسي- عبدالخالق حسين

في السبعينات من القرن الماضي رفعت حكومة البعث شعار (كلُّ شيء من أجل المعركة)، أي من أجل تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، والذي حوله الكاتب المصري الراحل أنيس منصور إلى (كُل شيئاً من أجل المعركة)، وباتت النتائج معروفة. أما ما بعد سقوط البعث، فقد رفع البعثيون المهزومون شعار (كل شيء من أجل التدمير والتضليل والتسقيط السياسي) وعملاً بمقولة أستاذهم غوبلز: “أكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس”. وحتى العلم لم يسلم من سوء الاستخدام لأغراض سياسية وتصفية حسابات. ففي عهد الانحطاط والهزائم يتم الترويج للخرافات والأكاذيب بغلاف علمي مزيف (Pseudoscience)، يصدق بها ليس البسطاء من الناس فحسب، بل وحتى البعض من المتعلمين من حملة الشهادات العالية. وعلى سبيل المثال، فبعد هزيمة 5 حزيران عام 1967، طلع علينا دجالون في مصر أدعوا بظهور مريم العذراء على كنيسة الزيتون في القاهرة عام 1968. وحتى وزارة الداخلية المصرية آنذاك أصدرت بياناً تؤكد صحة الظهور، و حاولت أن تؤكد بالعلم، وصدق الناس بالإشاعة، ولكن بعد أن مات العشرات بسبب التدافع والدهس، أصدرت نفس الوزارة بياناً بتكذيب الخبر.

كذلك الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، وهو أستاذ جامعي أيضاً، أدلى بتصريحات في عدة مناسبات حول لقاءه بالمهدي المنتظر، حيث قال أثناء رئاسته بأن “المهدي هو من يدير البلاد”.

وهكذا في هذا الزمن الأغبر نجد أناساً رغم أنهم يحتلون مواقع إدارية عالية، أو أكاديمية مرموقة، إلا إنهم لم يتورعوا عن تلفيقات يغلفونها بغلاف علمي  مموه لتمريرها على الناس ولأغراض سياسية وتسقيط الخصوم.
وفي هذا الخصوص، أي استخدام العلم لخدمة الخرافة والتضليل، علق العلامة فال فتش (Val Fitch) من جامعة Princeton الأمريكية، والحائز على جائزة نوبل عام 1980 في الفيزياء، على كتاب زميله روبرت بارك، الموسوم (خرافة: الإيمان في عصر العلم) قائلاً: “ربما لديك انطباع بأن الخرافة قد انتهت بانتهاء الحضارة اليونانية والرومانية القديمتين. ليس الأمر كذلك أبداً، فالخرافة بدأت تتطور من شكل إلى آخر أكثر فعالية وتأثيراً. إنها تأتي خلسة، متلبسة برداء العلم الحديث. والمؤلف نجح في ذبح التنين بمهارة فائقة وذهنية ذكية، سواء كانت هذه الخرافات على شكل علوم مزيفة خادعة أو أدعية شافعة. فالكتاب رائع”. (1)

مناسبة هذه المقدمة أني قرأت قبل أيام، و بطلب من صديق أرسله لي، مقالاً للدكتور قاسم حسين صالح بعنوان: (حيدر العبادي تحليل شخصية في دراسة علمية)(2)، المنشور في موقع الحوار المتمدن. وبعد قراءته تأسفتُ على هذا الشخص الذي يتمتع بقدرة كتابية جيدة، ويحتل موقعاً أكاديمياً في علم النفس كما يدعي في خلاصة سيرته الذاتية، ولكنه لم يتورع في الانضمام إلى جوقة الابتذال والتسقيط السياسي، محاولاً إيهام القارئ بأن كل ما يقوله هو العلم بعينه، وأنه توصل إلى استنتاجه بالمنهج العلمي الرصين!! ويا سلام على هذا العلم وعلى الرصانة العلمية!!

وخلاصة ما يريد تمريره “الباحث القدير الرصين”، هو ليقول لنا أن رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي ((ضعيف الشخصية،  مضطرب، نرجسي جداً، لا يملك كاريزما، عاجز،عديم القدرة على المواجهة، مراوغ رغماً عنه، يمارس اللف والدوران لإخفاء الهفوات والسلبيات، داخله أسوأ من ظاهره، خائف متستر وكأنه لديه سرقة، متوتر، متردد، مرتبك، هياب، مهزوز في داخله.. إلى آخره)) حيث لم يترك صفة بذيئة في القاموس العربي إلا وألصقها بحيدر العبادي. أترك رابط المقال في الهامش لمن يرغب في الحكم بنفسه. (نفس المصدر- هامش رقم 2).

لا أريد هنا أن أدافع عن حيدر العبادي، فهو كغيره ممن سبقوه في هذا الموقع الذي وضعته الأقدار فيه رغماً عنه، والذي لا يحسده عليه أحد، إذ لم يسلم من الطعن والتسقيط والقتل حتى لو كان الإمام علي ابن أبي طالب، أو النزيه الوطني الشجاع عبدالكريم قاسم. ولكني متألم على المستوى المتدني الذي رضي هذا “العالم الجليل” أن يهبط إليه، وينضم إلى جوقة التسقيط  التي لا تختلف كثيراً عن جوقة فخري كريم وأمثاله.
أريد أن أسأل الباحث الذي أطلق على مقاله (دراسة علمية)، هل كان هؤلاء الـ 267، الذين استجابوا على تساؤلاته، كانوا متخصصين في علم النفس، وأجرى كل واحد منهم على حده جلسات سريرية في التحليل النفسي على حيدر العبادي، بحيث توصل 79% منهم إلى هذا الاستنتاج السلبي؟ أم كانوا من عامة الناس يا محسنين؟ طبعاً وباعترافه في المقال، أن هؤلاء هم قراء لم يلتق بهم وليست بينه وبينهم سابق معرفة. وفي هذه الحاله ماذا تتوقع أن يكون حكم هؤلاء لو سألتهم عن أية شخصية عراقية أخرى في السلطة؟ أو لو أجريت هذا “البحث” في أية دولة أخرى غير العراق عن حكامهم؟ لا شك أن النتائج ستكون مقاربة لما توصل إليه باحثنا بحق السيد العبادي.

في الحقيقة، هذا الاستنتاج هو استنتاج مسبق للسيد قاسم حسين صالح نفسه عن العبادي ولغاية في نفس يعقوب هو أعرف بها من غيره، ولكنه أراد أن يوهم القراء بأنه خلاصة بحث علمي رصين، وهذا هو موقف الناس منه وكلامهم عنه. نعم قد يكون هذا هو موقف الذين استجابوا لتساؤلات الباحث، ولكن لا قيمة علمية له، لأن هذه مواقف ذاتية (subjective)، يعتمد على مشاعر الأفراد من هذا وذاك، خاصة في العراق حيث الانقسام الطائفي والعرقي والسياسي، والعداء إلى حد كسر العظم، والحملة التسقيطية الشرسة ضد الخصوم السياسيين.
والسؤال هنا، كيف عرف هؤلاء الـ(79% من 267) أن (داخل حيد العبادي أسوأ من ظاهره؟)، فداخل الإنسان هو ذاتي غير مرئي لا يعرفه إلا الله والفرد نفسه. ألا يعني هذا أنه حكم مسبق وزلة لسان من “الباحث الرصين”؟ ألا يعني ذلك أن هذا الاستنتاج معد مسبقاً من قبل الباحث ويمثل رأيه الخاص بالعبادي، ولكنه اخرجه من أفواه الآخرين على شكل أسئلة وأجوبة ليحصل بالضبط على الاستنتاج الذي يريده، وليقول لنا أن استنتاجه هذا هو علمي صرف ولا دخل له به؟ هل هذا هو السلوك العلمي المحايد المطلوب من العالم الأكاديمي الباحث الرصين؟

والجدير بالذكر، أن السيد قاسم حسين صالح رشح نفسه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في (30/4/2014)، ضمن قائمة (التحالف المدني الديمقراطي)، ولكنه فشل فشلاً ذريعاً، فكتب بانفعال شديد مقالاً غاضباً يبرر فيه فشله، فألقى باللوم على الشعب العراقي وخاصة العرب منهم، متهماً إياه بالجهل واللاوطنية والطائفية والعشائرية إلى آخره من الاتهامات. تفيد الحكمة (إذا كنت كذوباً فكن ذكورا). وقد ردينا عليه في حينه بمقالنا الموسوم: (محاولة لتفسير التخندق الطائفي في الانتخابات)(3). فكيف هذا الشعب “اللاوطني الطائفي العشائري” الذي لا يعرف أن ينتخب الشخصيات المخلصة له، صار فجأة وبقدرة قادر ( 79% من عينة منه) مصدر حكم علمي رصين يعتد به على شخصية حيدر العبادي؟ يقول المثل العراقي: (حِب واحكي، إكره واحكي).

ومن كل ما سبق، نستنتج أن مقال السيد قاسم حسين صالح هو ليس دراسة علمية كما يدعي، بل لا يختلف عن أي مقال تسقيطي بذيء ، يكتبه صبيان فخري كريم، أو مرتزقة مسعود بارزاني، الغرض منه تصفية حسابات سياسية، ولكنه حاول جاهداً تضليل القراء بإضفاء صفة البحث العلمي على خربشاته السخيفة هذه، والادعاء انه اتبع المنهج العلمي (scientific methodology)، بينما في الحقيقة اتبع ما يسمى بالعلم المزيف pseudoscience من أجل التضليل والتسقيط لكسب رضى أولياء النعمة، وهو أمر خطير ضار بالشعب، وبالمصلحة الوطنية وبسمعة الكاتب نفسه.

وصدق ما قاله إفلاطون قبل حوالي 2400 سنة: “الإنسان يحتاج إلى تعليم جيد وطبع جيد، لكي يصبح الأقدس والأكثر تمدناً من بين كل الحيوانات، ولكن إذا ما لم يتثقف، أو تثقف بثقافة خاطئة، سيكون الأكثر وحشية وهمجية من جميع الحيوانات”.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.