تظاهرات بغداد.. ضد «دينكم السياسي»- رشيد الخيّون

تفصل أربعة أعوام بين تظاهرات ربيع 2011 وصيف 2015 وخلالها ازداد السوء سوءاً والفساد فساداً. كان الرد على تظاهرات 2011 ما عُرف بغزوة «ساحة التحرير»، يوم أُطلق العنان لعشائر «الإسناد» التي أُلفت بحجة مواجهة الإرهاب، غير أن أول استخدام لها كان ضد المتظاهرين، وآنذاك اغتيل أحد نشطاء التظاهر هو هادي المهدي، وسجلت الجريمة ضد مجهول، ولم يؤخذ بنظر الاعتبار آخر تهديد وصله، عبر هاتفه النقال، وأُعتقل بقية النشطاء وعذبوا، ولم يكن الحدث بعيداً كي يُذكر به.
حينها ظهر هادي المهدي على الشاشات وأثر التعذيب على وجهه، مستجيراً بالمرجع الديني، قائلا عشية اغتياله: «أريد حمايتي من والدي السيستاني، فأنا أقلده»! لم يكن المهدي بعثياً ولا محسوباً على «البعث». أقول هذا لأن من الساذجين من صدّق ما أُتهمَ به المتظاهرون! كان حال تلك الوزارة وحاشيتها العجيبة ومطالبات الناس، مثل «أعميين يتخاصمان وأبكم يصلح بينهما»(الزَّمخشري، ربيع الأبرار)، ضياع في ضياع، لا عين ترى ولا أذن تسمع.
غير أن تظاهرات صيف 2015 جاءت بعد تراكم من الاستهتار في الدولة، قد لا يتوقف عند الخدمات، لأن ما يحصل بحاجة إلى حل جذري، لهذا خرج خطيب الحسينية «الفاطمية» بالنجف كاشفاً عن وجه الدولة الدينية المقامة بلا إعلان، في الجمعة (7/8/ 2015) مطلقاً ما أُطلق ضد تظاهرات ربيع 2011 بأنها مؤامرة على التجربة في الحكم، وتحاول إفشالها، وعلى ما يبدو فإن صدر الدين القبانجي، أحد نشطاء «حزب الدعوة الإسلامية» سابقاً، وفي «المجلس الإسلامي الأعلى» لاحقاً، تناسى بأن تجربته الإسلامية فاشلة منذ يومها الأول، وبعد فشل دام اثني عشر عاماً أصبح حقاً أن تُسمى بالكارثة.
عادت الأسطوانة تدور من على منابر العمائم السياسية الحزبية، بأن الشكوى من سوء الإدارة، وعظمة الفساد الإداري والمالي باسم الدين، حسب منابرهم، ما هي إلا مؤامرة ينساق إليها المتظاهرون، وأكثر من هذا أن مؤامرة «داعش» ضد تجربة الحكم «الناجحة»! يقول القبانجي: «تقارير كشفت لنا قبل شهور تؤكد أن (داعش) في الوقت الذي يقارب على انكساره في العراق، سيعمل على خلق ضجة ومشاكل في العراق.. اليوم نشاهد حملة فيسبوكية من جهات غير معلومة تدعو لإسقاط الحكومة في الوقت الذي يحقق الحشد الشعبي والقوات الأمنية انتصارات كبيرة وهزيمة ضد (داعش)».
وعلى صعيد آخر أخذ القبانجي يلعب بورقة الدِّين، وهي سلاحهم الماضي في مثل هذا الظرف، لأنه يعطي الحق لنفسه أن يعارض باسم الدين، ويحكم باسم الدين، ويحمي سلطته وامتيازاته باسم الدين أيضاً: إنها أُحبولة الدِّين، حيث نجده يقول: «التظاهرات اليوم ترفع بها شعارات ضد الدين، وضد العلماء، وهذا يعني أن الهدف من ورائها ليس مطالب خدمية وإصلاحية، وإنما شعارات تندد بالمرجعية ورجال الدين والعودة إلى الحكم اللاديني»! ولابن شبرمة القاضي (ت 244هـ) ما يفيد التعبير به، على الفجوة بين الناس والعمائم الحزبية: «رأيتُ فقه رجال في قلانسهم/ وفي ثيابهم.. والرِّيبُ». أقول: ليس أكثر ريباً مِن تسخير الدين في المطامع الحزبية والشخصية.
هنا، جعل خطيب النجف نفسه هو الدين، ولا يدري أن الناس ميزت بين دينه السياسي ودينهم الإلهي، ففي عباراته تلك يريد من الناس السكوت والصبر لقرن قادم من الزمن، لأن عمامة القبانجي هي السلطة. لم يكن هذا كلامه وحده، إنما لسان عمائم ولحى السلطة كافة. أمر طبيعي أن يشير المتظاهرون إلى من بيدهم القرار، والقرار بيد الجماعات الدينية! وبالتالي ينعكس على الدين بالكامل، لأن أمثال القبانجي وضع الدين في هذا الموقف الحرج! وبهذا هم ليسوا أحرص على الدين ممن دعا إلى دولة لا دينية، كي لا يتحمل الدين وزرها بأفعال الإسلام السياسي.
لا نعتقد أن تأييد أحزاب السلطة لمتظاهري (صيف 2015) سينفعها، لأنه لعبة فظيعة، فظاعة قمعها (ربيع 2011) بذريعة أن المتظاهرين لفيف من الخارجين على القانون. لتكن أمام الإسلام السياسي الأمور واضحة، ويعوا بأن سياساتهم وسلوكياتهم وراء هذا الاحتجاج العارم، وأن يكفوا عن اللعب بالدين، فالناس لا يجوعون من أجل أن تكون للقبانجي مؤسسة يفتي منها بادعاء حماية الدين والمذهب. إنه خطب عظيم، عندما لا يعلم رجل الدين الحزبي ما يحصل للناس ويفسر احتجاجاتهم بالمؤامرة، وبأفعال «داعش»، نقول: «ولاستحل رجال مسلمون دمي/ يرون أقبح ما يأتونه حسناً». لا تزعجكم التظاهرات فهي أقل ما يُرد بها على ما جرى ويجري على أيديكم. إنها ضد دينكم السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.